طيور الزينة في داريا.. هواية تمنح الراحة ومهنة تدر الدخل

داخل محل واسع عند دوار الفرن الآلي في داريا، تختلط أصوات الكناري والحساسين بزقزقة طيور الجنة، بينما تصطف على الرفوف أعلاف وأغذية وأدوية مخصصة للطيور والقطط والكلاب.

يتنقل عز الدين فريح، المعروف بـ”أبو نذير”، بين الأقفاص، يملأ المشارب، ويتابع حالة الطيور، ويجيب عن أسئلة الزبائن حول الأعلاف والأدوية والأنواع المناسبة للتربية.

ولا يقتصر المحل على بيع الطيور، بل يضم أيضًا الحمام، والصيصان، والسلاحف، والأرانب، وأسماك الزينة، إلى جانب مستلزمات التربية والأدوية البيطرية.

ورغم تنوع ما يعرضه المحل، بقيت طيور الزينة محور معظم الأحاديث التي أجرتها عنب بلدي مع المربين والهواة، لما تحظى به من حضور واسع بين محبي التربية في المدينة.

ويقول مربون وهواة في داريا إن هذه الهواية ما تزال حاضرة رغم ارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع القدرة الشرائية، فبينما يمارسها بعضهم بحثًا عن الراحة النفسية، استطاع آخرون تحويلها إلى مصدر دخل.

عصافير في محل عز الدين فريح لطيور الزينة بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

حوض أسماك في محل عز الدين فريح بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

سلاحف في محل عز الدين فريح بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

قفص أرانب في محل عز الدين فريح بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

صيصان في محل عز الدين فريح بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

هواية تحولت إلى مهنة

يقول عز الدين إنه بدأ تربية الطيور قبل سنوات طويلة من الحرب، وكانت في البداية هواية يمارسها إلى جانب عمله في دهان وبخ الموبيليا.

ومع توقف كثير من الأعمال خلال سنوات الحرب، تفرغ تدريجيًا لتربية الطيور حتى أصبحت مصدر رزقه الأساسي.

ويعتمد في تأمين الطيور على شبكة من المربين داخل داريا وخارجها، إذ يشتري الفراخ والطيور المنتجة من الهواة، كما يتنقل بين الأسواق والمحافظات بحثًا عن الأنواع المطلوبة.

لكل هاوٍ اهتمامه

لا يوجد نوع واحد يسيطر على اهتمام المربين، بحسب عز الدين.

فمنهم من يفضل الكناري، وآخرون يهتمون بالحسون أو الحمام أو الكوكتيل وطيور الجنة، بينما يتجه بعض الزبائن إلى الأرانب أو أسماك الزينة أو الحيوانات الأليفة.

لكن الحسون يبقى الطائر الأقرب إليه، ويصفه بأنه طائر بري في الأصل، أصبح اليوم يربى وينتج داخل الأقفاص، كما يمكن تهجينه مع الكناري لإنتاج فراخ تجمع صفات النوعين.

عصافير زينة محل عز الدين فريح لطيور الزينة بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

أقفاص عصافير في محل عز الدين فريح لطيور الزينة بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

الغلاء يغير سلوك المربين

ورغم استمرار الإقبال على تربية الطيور، يؤكد عز الدين أن السوق لم يعد كما كان في السابق.

فارتفاع أسعار الأعلاف والخلطات الغذائية وأطعمة الحيوانات الأليفة دفع كثيرًا من المربين إلى تقليص أعداد الطيور التي يحتفظون بها.

ويقول إن بعض الهواة كانوا يربون خمسة أو ستة أزواج من الطيور، بينما يكتفي كثيرون اليوم بزوج واحد، أو حتى بعصفور واحد “ليسمعوا صوته في البيت”.

ولا تقتصر الصعوبة، بحسب عز الدين، على ارتفاع الأسعار، بل تشمل تقلبها بصورة شبه يومية.

ويقول: “كل يوم أسعار.. بتبيع غرض، ولما بتروح تشتري غيره بتحس كأنك ما اشتغلت شي”.

“تاجر الأرواح ما بده يكون نوّاح”

يرى عز الدين أن مسؤولية المربي تبدأ بعد شراء الطائر.

ويشرح أن تغير الفصول يؤثر مباشرة في صحة الطيور، لذلك تحتاج إلى متابعة مستمرة، وفيتامينات، ومقويات للمناعة، وخلطات غذائية تساعدها على التأقلم مع اختلاف درجات الحرارة.

ويضيف أن خسارة بعض الطيور بسبب الأمراض أو ضعف استجابتها للعلاج تبقى جزءًا من طبيعة المهنة، مستشهدًا بالمثل الشعبي: “تاجر الأرواح ما بده يكون نوّاح”.

“بحاكيهم وبيحاكوني”

أما سامر الحلبي، فلم يدخل عالم الطيور بدافع التجارة، بل بحثًا عن وسيلة تكسر رتابة الحياة اليومية.

ومنذ نحو عامين بدأ بتربية الكناري والحساسين والكوكتيل والعاشق والمعشوق داخل منزله.

ويقول: “بفوت بلاقيهم، بيلاقوني.. بيحاكوني وبحاكيهم”.

ويضيف أن تربية الطيور تحتاج إلى متابعة يومية، تشمل تنظيف الأقفاص، والاهتمام بالغذاء والماء، ومراقبة الحالة الصحية.

ويشير إلى أنه يقضي أحيانًا ثلاث أو أربع ساعات يوميًا بين الطيور، يستمتع بحركتها وأصواتها.

عصافير زينة في محل عز الدين فريح لطيور الزينة بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

الحسون.. هواية وإنتاج

أما أبو أنس حبيب، فيقول إن تربية الطيور رافقته منذ طفولته، وتحولت مع مرور الوقت إلى هواية تجمع بين المتعة والإنتاج.

ويركز اهتمامه على الحسون، الذي يصفه بأنه “أفضل وأجمل طير”.

ويشرح أن جزءًا من عمله يقوم على إطعام الفراخ يدويًا منذ الأيام الأولى لخروجها من البيض، فيما يعرف بين المربين باسم “التزقيم اليدوي”، حتى تعتاد على الإنسان.

ويقول إن بعض هذه الطيور تكبر وهي لا تعرف سوى الشخص الذي رباها، فتكون أكثر ألفة معه.

وكان أبو أنس يمارس صيد الحساسين في السابق، لكنه توقف بعدما لاحظ أثر الصيد الجائر في تناقص أعداد الطيور البرية، وأصبح يعتمد على إنتاجها داخل الأقفاص، داعيًا الهواة إلى التربية بدل الصيد.

كما يشير إلى أن الأردن، التي عاد منها مؤخرًا، شهدت تطورًا كبيرًا في إنتاج الحسون داخل الأقفاص، حتى أصبحت تصدر إلى الخارج، ويرى أن هذا النموذج يسهم في الحفاظ على الطيور البرية ويمنح الهواة فرصة لممارسة هوايتهم بصورة أكثر استدامة.

مصدر دخل أيضًا

ويؤكد أبو أنس أن بعض الهواة تمكنوا من تحويل شغفهم إلى مصدر دخل.

ويقول إنه سدد خلال عام واحد ثمانية آلاف دولار من ثمن منزله اعتمادًا على بيع الطيور.

ويضيف أن أسعار بعض أزواج الحسون قد تصل داخل سوريا إلى ألف أو ألف وخمسمئة دولار، بينما تباع بعض الطيور في أسواق خارجية بأسعار أعلى، وفق قوله.

لكنه يشدد على أن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى سنوات من الخبرة والاهتمام والإنتاج، مضيفًا: “التوفيق من الله إذا في اهتمام”.

تفاصيل تصنع الفارق

ويصف أبو أنس تربية الطيور بأنها برنامج يومي متكامل.

فالنظافة، وتعقيم الأقفاص، وتوفير الغذاء المناسب، والهدوء داخل مكان التربية، ومواعيد النوم، جميعها عوامل تؤثر في صحة الطيور وإنتاجها.

ويقول إن أفراد أسرته اعتادوا هذه التفاصيل، حتى إن أبناءه يعرفون مواعيد نوم الطيور، ويتجنبون إزعاجها، ويساعدونه في تقديم الطعام.

أما الغذاء، فلا يقتصر على الحبوب، إذ تحتاج الطيور خلال فترة الإنتاج إلى البيض المسلوق، إضافة إلى الفواكه وبعض الخضراوات بحسب الفصل، فضلًا عن خلطات متنوعة من البذور تختلف باختلاف النوع والعمر.

محل عز الدين فريح لطيور الزينة في داريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

مستلزمات طيور زينة في محل عز الدين فريح لطيور الزينة بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

مستلزمات حيوانات منزلية في محل عز الدين فريح لطيور الزينة بداريا – 29 حزيران 2026 (عنب بلدي)

راحة نفسية ورزق

تؤدي تربية الطيور، بحسب من تحدثوا إلى عنب بلدي، أدوارًا مختلفة في حياة أصحابها.

فهي بالنسبة لبعضهم وسيلة لتمضية الوقت، وبالنسبة لآخرين مصدر هدوء وارتباط يومي بالطبيعة، فيما استطاع عدد من الهواة تحويلها إلى نشاط يوفر دخلًا إضافيًا من إنتاج الطيور وبيعها.

ورغم ارتفاع تكاليف التربية وتراجع القدرة الشرائية، ما تزال أصوات الكناري والحساسين تتردد في عدد من بيوت داريا، محافظة على هواية قديمة يرى أصحابها أنها تقوم على الشغف والصبر، وقد تتحول، مع الخبرة، إلى مهنة.

مقالات ذات صلة

بعد أشهر من حذف الصفرين.. الناس في داريا يسعرون بالليرة القديمة ويدفعون بالجديدة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

داريا.. تزفيت الكورنيش يحسن الطريق ويثير شكاوى من سرعة الدراجات النارية