عادوا إلى وطنهم وبقيت الغربة.. «صدمة ثقافية عكسية» بعد العودة إلى داريا

مدخل مدينة داريا - 11 آب 2026 (عنب بلدي - مياس شيخ رجب)

تعرف لانا داريا بوصفها مدينتها ومكان عائلتها، لكنها لا تشعر بأن انتماءها محصور فيها، فقد غادرت المدينة وهي في الثامنة من عمرها، وأمضت السنوات التي تلتها في لبنان، حيث تشكلت تفاصيل حياتها اليومية وذكرياتها.

وعندما عادت إلى داريا، وجدت نفسها في مكان تعرف أنه وطنها، لكنه لم يعد مألوفًا لها كما تتذكره.

وتتكرر هذه المشاعر بدرجات مختلفة لدى عائدات أخريات تحدثن إلى عنب بلدي، غادرن داريا في أعمار متفاوتة وعشن سنوات طويلة خارجها، قبل أن يعدن إلى مدينة تغير عمرانها وسكانها وطبيعة الحياة فيها.

وتصف الأخصائية النفسية مرح صبح ما قد يمر به بعض العائدين بـ”الصدمة الثقافية العكسية”، حين يعود الشخص بعد غياب طويل إلى مكان يتوقع أن يكون مألوفًا، ثم يكتشف أن علاقته به وبالناس الذين يعيشون فيه تغيرت.

انتماء إلى مكانين

تقول لانا، البالغة من العمر 19 عامًا، إنها تشعر بشيء من الغربة في داريا، رغم إدراكها أنها مدينتها ووطنها، لأن السنوات التي كبرت ووعت خلالها كانت في لبنان.

وتضيف: “بحس إنو الانتماء مو بالضرورة يكون لمكان واحد، في مكان ربيت فيه، ومكان بتنتمي إلو لأنو وطنك وأهلك فيه”.

ولا ترى لانا أن حنينها إلى المكان الذي عاشت فيه يعني رفض عودتها إلى داريا، وهي تحاول حاليًا التأقلم مع حياتها الجديدة، مستفيدة من وجود عائلتها وأشخاص تشعر بالراحة بينهم، إلى جانب رغبتها في متابعة دراستها الجامعية في سوريا.

وتقول صبح إن العائد قد يشعر أحيانًا بأنه “من الداخل والخارج في الوقت نفسه”، فهو مرتبط بالمكان من خلال الأصل والذاكرة والعائلة، لكنه يحتاج إلى وقت حتى يصبح جزءًا من تفاصيله اليومية مجددًا.

أما ماسة الحو، التي غادرت داريا في الخامسة وعادت في سن 18 عامًا خلال مرحلة الثانوية العامة، فلم تكن تعرف أحدًا تقريبًا عند وصولها.

وقالت لعنب بلدي إنها شعرت رغم ذلك براحة لوجودها في بلدها وعدم تعامل الآخرين معها بوصفها غريبة.

ومع بدء الدراسة، تعرفت ماسة إلى أشخاص جدد وكونت صداقات، وتقول إن علاقتها بالمدينة تغيرت تدريجيًا مع مرور الوقت.

المدينة التي بقيت في الذاكرة

لم تكن العودة مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية فقط، إذ واجهت بعض العائدات صعوبة في التعرف إلى الأماكن التي تركنها قبل سنوات.

خرجت رنا معضماني من داريا إلى مصر وهي في الـ17 من عمرها، وعادت إليها في الثلاثين.

وعندما دخلت حيها، لم تستطع في البداية مطابقة ما تراه مع المكان الذي تتذكره.

وتقول: “معالم الشوارع ضايعة بين أحجار وأنقاض. بقيت أكتر من يومين تلاتة أنا وعاين البيت والحارة، وحاول أتذكر وركز بكل التفاصيل الكبيرة والصغيرة، وأتأكد: هل بالفعل هاد المكان يلي كنا فيه؟”.

تجربة مشابهة عاشتها إيمان، التي غادرت إلى مصر في سن 15 عامًا وعادت في الـ28، فقد اختفت بعض البيوت والأماكن التي تعرفها، بينما تحولت أخرى إلى ركام أو تغير شكلها.

أما لانا، فتقول إن حجم الدمار والأنقاض الذي رأته عند عودتها كان مختلفًا عن الصورة التي احتفظت بها عن المدينة، خصوصًا بعد سنوات أمضتها في منطقة خضراء في لبنان.

وترى أن إزالة الركام من الأمور التي تحتاج إليها المدينة، لأن وجوده المستمر يجعل تفاصيل الحياة اليومية أكثر صعوبة بالنسبة إليها.

وعادت ماسة بدورها وهي متحمسة لرؤية داريا، لكنها قالت إن مشهد الأبنية المهدمة ترك لديها شعورًا بالحزن، بالتوازي مع ملاحظتها أعمال السكان لإعادة بناء منازلهم وحياتهم.

وتقول صبح إن الأشخاص الذين غادروا في طفولتهم أو مراهقتهم قد يحتفظون بصورة ثابتة عن المكان، بينما يستمر المكان نفسه في التغير خلال غيابهم.

وعندما تختلف الصورة التي يجدونها عند العودة عن تلك التي بقيت في ذاكرتهم، قد تظهر مشاعر الحنين أو الحزن والارتباك والغربة.

الخدمات جزء من تجربة العودة

لا تقتصر صعوبة العودة على الذاكرة أو العلاقات الاجتماعية.

تقول رنا إن المياه والكهرباء والمواصلات والغاز الطبيعي كانت متوفرة بصورة مستقرة خلال إقامتها في مصر، بينما تحتاج بعض هذه الخدمات في داريا إلى ترتيبات يومية لتأمينها.

وتضع المواصلات بين أكثر الأمور التي تجد صعوبة في التكيف معها بعد العودة.

أما إيمان، فتقول إن التغيير شمل المجتمع أيضًا، إذ غاب أشخاص تعرفهم بسبب التهجير أو الفقدان، واستقرت في المدينة خلال السنوات الماضية عائلات من مناطق أخرى.

وبالنسبة إليها، لم تعد شبكة العلاقات التي عرفتها قبل المغادرة موجودة بالشكل نفسه.

وتضيف أن تأمين المياه والكهرباء والمواصلات يحتاج حاليًا إلى جهد وحساب أكبر مما اعتادته خلال سنوات إقامتها في مصر.

وتتحدث لانا أيضًا عن انتشار الدراجات النارية والقيادة المتهورة وحالة بعض الشوارع بوصفها من الأمور التي احتاجت إلى التأقلم معها.

وتقول صبح إن صعوبة التأقلم بعد العودة لا ينبغي تفسيرها دائمًا باعتبارها مشكلة نفسية لدى الشخص.

ففي المناطق التي تعرضت لدمار واسع أو تغير اجتماعي كبير، قد يعود الشخص إلى مكان يعاني أصلًا من مشكلات في السكن أو العمل أو الخدمات، وهي ظروف تؤثر بدورها في تجربته بعد العودة.

علاقات جديدة مع المكان

رغم الصعوبات، تتحدث العائدات عن عوامل ساعدتهن على الاستقرار أو البدء ببناء علاقة جديدة مع داريا.

بالنسبة إلى رنا، كان سقوط النظام وإمكانية العودة إلى منزلها وبلدها من أبرز دوافع العودة.

أما إيمان، فتقول إن وجود العائلة والذكريات المشتركة ساعداها على التعامل مع التغير الذي وجدته.

وتضيف: “رغم كل شي، هاد المكان إلنا… فيه ذكرياتنا وأهلنا وطفولتنا وحياتنا”.

وتقول إن العودة والمشاركة في الحياة اليومية، حتى بصورة محدودة، أعطتاها سببًا للتمسك بالبقاء.

وبالنسبة إلى لانا، اجتمع وجود العائلة مع رغبتها في بدء دراستها الجامعية في سوريا، بينما كانت الصداقات التي كونتها ماسة بعد عودتها من أكثر الأمور التي ساعدتها على تجاوز شعورها الأول بالوحدة.

وتقول صبح إن التأقلم بعد العودة يحتاج إلى وقت، ولا يحدث بالضرورة بمجرد الاستقرار في المكان من جديد.

وتنصح بإتاحة مساحة للعائد للتعبير عن الحنين والفقد والغربة، إلى جانب بناء روتين يومي وتكوين علاقات جديدة والمشاركة في أنشطة تساعده على التعرف إلى المكان بصورته الحالية.

وبحسب صبح، لا يعني التأقلم استعادة الحياة التي كانت موجودة قبل المغادرة، بل تكوين علاقة جديدة بالمكان تجمع ما عاشه الشخص خلال سنوات الغياب مع حياته بعد العودة.

مقالات ذات صلة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

أطفال بلا تسجيل مدني في داريا.. حضور الصفوف لا يضمن وثيقة مدرسية

قرب وخدمات وعلاقات.. لماذا يستقر بعض أهالي كفرسوسة في داريا؟