في مدينة فقدت خضرتها.. حديقة صغيرة تحاول استعادة روح داريا

محمود معتوق داخل حديقة منزله في داريا - 10 شباط 2026 (عنب بلدي - سعيد خشفة)

خلف جامع أسامة بن زيد في مدينة داريا، تبرز حديقة منزلية كأنها استثناء في مشهد يغلب عليه الإسمنت.

بين أشجار الزيتون والنباتات الموسمية، يقضي محمود معتوق (أبو عمار)، البالغ من العمر 58 عامًا، ساعات من يومه في العناية بمساحة خضراء أنشأها بجانب منزله بعد عودته إلى المدينة عام 2020.

لم تكن حديقة أبو عمار موجودة عند عودته قادمًا من درعا، التي نزح إليها بعد حصار داريا، بل كانت مجرد أرض خالية، فبدأ بزراعتها تدريجيًا، مستفيدًا من خبرته وهوايته القديمة في الزراعة.

زرع أبو عمار 32 شجرة زيتون، يبلغ عمرها اليوم نحو ست سنوات، وقد بدأت بالإنتاج منذ حوالي ثلاث سنوات. وتكفيه هذه الأشجار حاجته من محصول الزيتون، فيما يوزع ما يتبقى على أقاربه وجيرانه، كما أوضح لعنب بلدي.

إلى جانب الزيتون، يزرع أبو عمار نباتات موسمية، مثل البقدونس والكزبرة والخس والفول، ما يوفر خضروات طازجة لأسرته.

ويقول أبو عمار إن هذه المزروعات تتطلب عناية يومية تشمل التقليم ومكافحة الآفات والسقاية المنتظمة، موضحًا أنه يعتمد في الري على بئر مياه قريب من منزله.

عمل محمود معتوق (أبو عمار) سابقًا في طوارئ مياه الفيجة بدمشق، وهو أب لأربعة أبناء، فقد أحدهم خلال سنوات الحرب في داريا. وبعد تقاعده، صار يقسم وقته بين الجلوس في محال أبنائه التجارية لمساعدتهم أحيانًا، والعودة إلى حديقته، التي أصبحت جزءًا ثابتًا من يومه.

تأتي تجربة أبو عمار كحالة ملفتة في مدينة تغير وجهها البيئي كثيرًا. فداريا، التي عرفت لعقود ببساتينها ومزارعها، كانت إحدى المناطق الزراعية الأساسية المحيطة بالعاصمة دمشق، وأحد أهم مصادرها من الخضار والفواكه، كما شكلت حزامًا أخضر خفف من آثار التمدد العمراني.

إلا أن التوسع العمراني، المنظم والعشوائي، الذي شهدته داريا خلال العقود الأربعة الأخيرة، إلى جانب الزيادة السكانية، أدى تدريجيًا إلى تراجع تلك المساحات، حتى تقلص الغطاء الأخضر داخل المدينة إلى حدود ضيقة.

ثم جاءت سنوات الحرب، لتقضي على ما تبقى من المساحات الزراعية داخل داريا. دُمرت أحياء كاملة، وجُرفت أراض خضراء. ومع عودة الأهالي في السنوات الأخيرة، بدت المدينة شبه خالية من أي غطاء نباتي، في ظل غياب حدائق عامة أو مساحات خضراء داخل الأحياء السكنية.

في هذا الواقع البيئي القاسي، لا تبدو حديقة الحاج محمود معتوق مجرد مساحة خاصة، بل محاولة محدودة لاستعادة ما فقدته المدينة. فداريا اليوم، التي تعاني كثافة إسمنتية وغيابًا شبه كامل للمساحات الخضراء، تجعل من كل شجرة مزروعة داخل حي سكني عنصرًا بيئيًا له أثره.

وتشير كثير من الدراسات البيئية إلى أن الحدائق المنزلية تسهم في تحسين جودة الهواء داخل المدن، من خلال زيادة المساحات القادرة على امتصاص الغبار والملوثات، فضلًا عن دورها في خفض درجات الحرارة المحلية، وهو ما تفتقر إليه أحياء داريا المكتظة بالإسمنت.

ولا تقتصر فوائد الحدائق المنزلية على الجانب البيئي، إذ تنعكس أيضًا على الصحة النفسية والاجتماعية للأسر، عبر توفير مساحة هادئة داخل المنزل، وتخفيف وطأة العيش في أحياء تفتقر إلى الحدائق العامة.

إضافة إلى ذلك، تعزز هذه المبادرات، التي تشبه حديقة أبو عمار، مفهوم الاعتماد الذاتي الجزئي في تأمين بعض الاحتياجات الغذائية، وتسهم في غرس الاهتمام بالبيئة لدى أفراد الأسرة، ولا سيما الأطفال، من خلال مشاركتهم في العناية بالنباتات ومتابعة نموها.

في مدينة كانت يومًا بساتين ومزارع، ثم فقدت معظم خضرتها، تعود الحكاية في نهايتها إلى محمود معتوق. رجل متقاعد، يقضي وقته بين أشجار زرعها بيده، في مساحة صغيرة خلف منزله. حديقة لا تعيد داريا إلى ما كانت عليه، لكنها تذكّر بما فقدته، وبما يمكن أن تستعيده، ولو على نطاق محدود.

مقالات ذات صلة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

أطفال بلا تسجيل مدني في داريا.. حضور الصفوف لا يضمن وثيقة مدرسية

قرب وخدمات وعلاقات.. لماذا يستقر بعض أهالي كفرسوسة في داريا؟