تسجل مدينة داريا ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار إيجارات المنازل منذ نهاية عام 2024، بالتزامن مع عودة أعداد كبيرة من المهجرين إلى المدينة، في وقت لا تزال فيه غالبية الأبنية السكنية خارج الخدمة بعد سنوات من الدمار الواسع الذي طال الأحياء والبنى الخدمية.
هذا الارتفاع لا يأتي بمعزل عن الواقع العمراني للمدينة، التي تعد من أكثر مدن ريف دمشق تضررًا خلال سنوات الحرب، فقد خرجت مساحات واسعة من داريا عن السكن نتيجة التدمير الكلي أو الجزئي، ولم يبق صالحًا للسكن سوى مناطق محدودة خضعت لترميمات جزئية، أبرزها وسط المدينة، ومنطقة الشاميات، ومحيط ساحة شريدي.
ومع عودة الأهالي مطلع عام 2025 بوتيرة أسرع من السنوات السابقة، اصطدم كثيرون بواقع سكني هش، لم يكن مهيأً لاستيعاب هذا التدفق السكاني خلال فترة زمنية قصيرة، في ظل غياب مشاريع إعادة تأهيل واسعة أو برامج إسكان طارئة.
وتختلف موجة العودة الأخيرة عن عودات محدودة شهدتها المدينة في سنوات سابقة، إذ شملت عائلات قادمة من دول الجوار أو من مناطق نزوح داخلية، ما أدى إلى زيادة مفاجئة في الطلب على السكن، دون أن يقابلها توسع في المعروض، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار الإيجارات.
ويتركز الطلب اليوم في أحياء بعينها داخل داريا، مثل الشاميات ووسط المدينة، لقربها النسبي من الخدمات الأساسية، كالمدارس والمواصلات والأسواق، في حين بقيت أحياء أخرى شبه خالية بسبب الدمار أو غياب البنية التحتية، ما خلق تفاوتًا واضحًا في الأسعار داخل المدينة نفسها.
هذا الواقع دفع كثيرًا من العائلات، التي كانت تمتلك منازل قبل الحرب، إلى دخول سوق الإيجارات قسرًا، فلم تكن داريا تاريخيًا مدينة قائمة على الإيجار، لكن الدمار الواسع حول الإيجار إلى خيار شبه وحيد لآلاف العائدين.
وفي ظل غياب ضوابط قانونية تحدد بدلات الإيجار أو تنظم شروطها، يدار سوق السكن في داريا وفق معادلة العرض والطلب، لتبقى الأسعار خاضعة لاجتهادات فردية، وتزداد حالة عدم اليقين لدى المستأجرين، خاصة مع انتشار العقود قصيرة الأمد واشتراط الدفع المسبق.
ساحة العلم (مفرق التربة) وسط داريا – 4 شباط 2026 (عنب بلدي)
أول طريق الشام وسط داريا – 4 شباط 2026 (عنب بلدي)
مستأجرون عاجزون عن تأمين الإيجار
تقف عبير، وهي سيدة في الثلاثينيات من عمرها، أمام خيار قاس في حي النكاشات، بعد أن عجزت عن دفع إيجار منزلها. وتقول لعنب بلدي إن منزل عائلتها “على الأرض” ويقع ضمن منطقة فيها “استملاك جزئي من الدولة”، ما اضطرهم إلى الاستئجار.
وتوضح أن أقل إيجار وجدته بلغ مليوني ليرة سورية (نحو 175 دولارًا)، فيما يطلب بعض المالكين دفع الإيجار ستة أشهر أو سنة مقدمًا، وهو ما يتجاوز قدرتها تمامًا، لا سيما أن زوجها مريض ومتوقف عن العمل، ولديها أطفال في الدراسة.
وتناشد عبير المالكين مراعاة الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها العائلات العائدة، في ظل غياب أي آلية قانونية تفرض توازنًا في العلاقة بين المالك والمستأجر.
حال عبير لا يختلف كثيرًا عن جميل ضبة، وهو أب لأربعة أطفال يعمل في سوبر ماركت على طريق المعضمية. يقول إنه يعمل “دوامين” يوميًا، حتى في يوم العطلة، لتأمين المصاريف ودفع الإيجار.
وأضاف أن مالك المنزل طلب رفع الإيجار إلى ثلاثة ملايين ليرة سورية (نحو 260 دولارًا)، وطالبه بإخلاء المنزل مع اقتراب شهر رمضان، ما وضع العائلة أمام خطر فقدان السكن.
الطلب يرتفع والمالكون يشترطون
يرى حارثة شربجي (27 عامًا)، مالك سوبر ماركت في ساحة شريدي، أن قرب داريا من العاصمة دمشق جعلها مقصدًا للراغبين بالسكن، سواء من أبنائها أو من خارجها، ما أدى إلى زيادة الطلب على الإيجارات وارتفاع أسعارها.
ويشير إلى أن اشتراط دفع الإيجار لعدة أشهر مقدمًا بات عبئًا كبيرًا على المستأجرين، خاصة في ظل تدني الدخل، موضحًا أن “راتب الموظف أو العامل لا يكفي لتأمين هذه المبالغ”، ما يدفع بعض العائلات إلى القبول بشروط مجحفة أو البحث عن سكن خارج المدينة.
ويؤكد متابعون لسوق الإيجارات أن الدفع المسبق أصبح ممارسة شائعة، في ظل سعي بعض المالكين إلى تقليل المخاطر وضمان دخل ثابت، لا سيما مع غياب عقود طويلة الأمد أو ضمانات قانونية واضحة تحمي الطرفين.
مكاتب عقارية: فجوة سكنية وارتفاع التكاليف
يقول شفيق الشيخ رجب، صاحب مكتب عقاري في منطقة الشاميات، إن نحو 70% من منازل داريا مهدمة، ما خلق فجوة واضحة بين العرض والطلب في سوق السكن.
ويبرر ارتفاع الإيجارات بأن العقار السكني يحتاج إلى أعمال إكساء مكلفة قد تصل إلى 50 ألف دولار أمريكي، ما يدفع بعض المالكين إلى طلب إيجارات مرتفعة لتعويض هذه التكاليف خلال فترات قصيرة.
ودعا الشيخ رجب في الوقت نفسه إلى مراعاة أوضاع المستأجرين، وعدم فرض شروط الدفع المسبق، محذرًا من أن استمرار هذا النهج قد يفاقم التوتر الاجتماعي داخل المدينة.
ويعزو عاملون في القطاع العقاري هذه الارتفاعات أيضًا إلى غياب برامج إعادة تأهيل شاملة للمنازل المتضررة، ما يحد من المعروض السكني ويدفع المالكين إلى استرداد تكاليف الإكساء عبر الإيجار بدلًا من البيع أو الانتظار.
البلدية: لا سقف قانوني للإيجارات
من جهته، قال فؤاد شماشان، رئيس قسم العقود في بلدية داريا، إن تنظيم عقود الإيجار يتم حصريًا داخل البلدية بحضور المالك والمستأجر، أو عبر وكالة قانونية مصدقة حديثًا، مؤكدًا أن العقد الرسمي “يحمي الطرفين”.
وأوضح لعنب بلدي أنه لا يوجد قانون يحدد سقفًا معينًا للإيجارات، إذ تترك قيمة الإيجار للاتفاق بين الطرفين، رغم ورود شكاوى عديدة من المستأجرين حول الغلاء.
ولفت إلى أن التعليمات الحالية تمنع تنظيم عقود الإيجار بالدولار، وتُلزم كتابتها بالليرة السورية فقط.
وبين شماشان أن عدد عقود الإيجار السكنية المنظمة في داريا خلال عام 2025 بلغ 569 عقدًا، مقابل 330 عقدًا تجاريًا، مرجعًا السبب الرئيسي لارتفاع الإيجارات إلى عودة المهجرين وزيادة الطلب مقابل قلة المساكن نتيجة الدمار.
وأضاف أن البلدية طالبت بإلغاء ضريبة الإيجار المفروضة على العقود السكنية، إلا أن ذلك يتطلب تشريعًا من مجلس الشعب، مؤكدًا أن البلدية لا تملك صلاحية فرض سقف للإيجارات.
أزمة مرشحة للاستمرار
من جهته، قال علي عليان، وهو مختص عقاري، إن سوق الإيجارات في داريا شهد تحولًا كبيرًا بعد عودة أعداد واسعة من السكان.
وأوضح أن إيجار أفضل منزل قبل العودة لم يكن يتجاوز 100 دولار، بينما ارتفع اليوم إيجار منزل عربي بحالة مقبولة إلى نحو 200 دولار، وتصل إيجارات الشقق إلى 300 دولار، مع طلب دفع مسبق لستة أشهر أو سنة.
وأضاف أن المكاتب العقارية تستقبل يوميًا عدة عائلات تبحث عن منازل دون توفر عرض كافٍ، مشيرًا إلى أن بعض المالكين يشترطون عقودًا سنوية حصرًا، في ظل غياب أي قانون ينظم السوق.
ورغم الغلاء، يؤكد إياد حبيب، مختار الحي الشرقي في داريا، أن كثيرًا من الأهالي يتمسكون بالبقاء في مدينتهم، إذ كان معظمهم يمتلك منازل قبل الحرب، وكانت فكرة الإيجار نادرة، ويرى أن الدمار وعودة الأهالي من الخارج أسهما في تفاقم الأزمة.
من جهته، قال سمير النحلاوي، وهو معقب معاملات، إن التعلق العاطفي لدى أهالي داريا يمنع كثيرين من الانتقال إلى مناطق أخرى أقل كلفة، رغم ضعف الخدمات، ما يضاعف معاناتهم مع ارتفاع الإيجارات.
وتبدو أزمة الإيجارات في داريا اليوم نتاجًا تراكميًا لسنوات من الدمار، وعودة سكانية غير متزامنة مع إعادة إعمار، وسوق سكنية تدار دون أدوات تنظيمية فاعلة، ما يجعلها مرشحة للاستمرار، ويطرح تساؤلات حول قدرة العائلات العائدة على تحقيق استقرار سكني دائم في ظل هذا الواقع.
مفرق التربة وسط داريا – 4 شباط 2026 (عنب بلدي)