مجزرة “القبو” في داريا.. ناج روى فظائع الاقتحام والإعدام الجماعي

في قبو قرب جامع “أبو سليمان الديراني” بمدينة داريا، تجمع عشرات المدنيين صيف عام 2012 دون أن يدركوا أن الموت ينتظرهم عند الباب.

في 25 آب من ذلك العام، ضمن ما بات يعرف لاحقًا بـ “مجزرة داريا الكبرى”، اقتحمت قوات من الجيش السوري مدعومة بميليشيات موالية أبنية سكنية في الحارة القبلية من داريا، وجمعت المدنيين في قبو البناء تحت تهديد السلاح.

هناك، ارتُكبت مجزرة مروعة راح ضحيتها نحو 70 مدنيًا من رجال ونساء وأطفال، ولم ينج من تلك المجزرة إلا شاهد واحد خرج بأعجوبة ليخبر قصتها، هو زياد السقا.

شهادة زياد، التي وثقتها عنب بلدي في مقابلة خاصة معه عقب المجزرة بأيام، كشف تفاصيل صادمة عن “مجزرة القبو” وكيفية حدوثها، ضمن سياق حملة القتل الجماعي التي شهدتها داريا في آب 2012.

أنا الناجي الوحيد

يروي الناجي كيف داهمت قوات النظام المبنى في ذلك اليوم، وبدأت بتفتيش الشقق وجر جميع السكان منها إلى الطابق السفلي.

يقول زياد إن الجنود أمروا المحتجزين بالتجمع داخل القبو، “نزلونا من بيوتنا على قبو البناء وقالوا لنا قفوا ووجوهكم إلى الحائط”، يصف زياد.

بعد ذلك بلحظات دوى صوت الرصاص في القبو، إذ باشر الجنود الإعدام الميداني للجميع دفعة واحدة. “بدأوا إطلاق النار.. لامست الرصاصة رقبتي وسقطت أول واحد”، يتابع زياد.

كانت تلك اللحظة كفيلة بأن تدب الرعب في نفوس المحاصرين، وقد أدركوا أن دورهم في الموت قادم لا محالة.

تظاهر زياد بالموت، وأمضى لحظات بين الحياة والموت قبل أن يكتشف أن الرصاص لم يقتله وأنه ما زال على قيد الحياة.

خلال دقائق، غادر الجنود القبو معتقدين أنه لم يبق أحد على قيد الحياة، ليسمع صوت الرصاص مجددًا في الطوابق العلوية. علم زياد عندها أنهم قتلوا كل من في البناء. بدأ بتحريك جسده بحذر ليتفقد ما حوله، ليستوعب هول الكارثة من حوله.

يصف المشهد قائلًا: “يا لطيف… شفت عين جارنا طالعة من رأسه وأخي مفتوح راسه وعمي أُصيب بوجهه وكل الموجودين ماتوا!”. لم تمضِ سوى دقائق حتى سمع أصواتًا تقترب من جديد، إذ عاد عدد من الجنود يتقدمهم ضابط إلى داخل القبو يبحثون عمن بقي حيًا.

انتظر زياد ساعتين في مكانه حتى تأكد أن الجنود غادروا المبنى تمامًا، ثم خرج بحذر من تحت الجثث ليرى ما جرى فوق في بقية أرجاء البناء.

كانت الصورة مأساوية.. “قتلوا أولادي الأربعة وزوجتي وأخواتي الخمسة”، يقول زياد مشيرًا إلى أنه لم يجد أي شخص حي سواه. النساء والأطفال في الطوابق العلوية جرى تصفيتهم جميعًا دون تمييز.

يختم زياد شهادته بمرارة يائسة: “كنت أنا الناجي الوحيد”.

مجزرة داريا الكبرى.. 700 ضحية في أيام

شكلت مجزرة القبو جزءًا من صورة أوسع لمأساة إنسانية هزت مدينة داريا بأكملها في الأسبوع الأخير من آب 2012. فبعد أيام من الحصار والقصف المكثف بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، اجتاحت قوات النظام السوري، وتحديدًا الفرقة الرابعة، مدينة داريا منتصف نهار 24 آب، وبدأت حملة تمشيط انتقامية شملت إعدامات ميدانية جماعية للأهالي في الشوارع وداخل المنازل.

لم تفرق تلك القوات بين رجل وامرأة أو طفل وكهل، فأعدمت عائلات بأكملها داخل بيوتها، وفق ما وثقته منظمات حقوقية وصفت المجزرة بأنها من أفظع الفظائع في تاريخ سوريا الحديث. وبحسب لجان التنسيق المحلية وشهادات الأهالي، فإن الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد هي من تولت قيادة عملية الاقتحام والقتل، حيث قامت وحداتها باقتحام المنازل وتصفية كل من فيها رميًا بالرصاص بعد السيطرة على المدينة .

على مدار أربعة أيام دامية (من 20 حتى 25 آب 2012)، تحولت داريا إلى ساحة قتل جماعي تخللتها مشاهد مروعة.

مع انسحاب مقاتلي المعارضة من البلدة، ارتكبت قوات النظام عشرات المجازر الفرعية في مختلف الأحياء. إحدى أكبر تلك المجازر وقعت في محيط مسجد سليمان الداراني حيث لجأ مدنيون هربًا من القصف، ليتم تطويق المسجد وقتل 122 شخصًا داخله.

كما وُثقت مجازر أخرى في منازل متفرقة بلغ ضحايا إحداها 36 مدنيًا وراح في أخرى 25 شخصًا أُعدموا جماعيًا في أحد الأزقة.

وبحلول 26 آب كانت شوارع داريا وساحاتها قد امتلأت بجثث مئات الضحايا، كثير منها بقي أياما دون دفن.

وقدر فريق التوثيق المحلي في داريا حصيلة القتلى بأكثر من 713 شهيدًا خلال تلك الحملة، بينهم 508 أسماء جرى توثيقها وتسجيلها رسميًا، أما بقية الجثامين، وعددها يزيد عن 200، فكانت مشوهة ومحروقة إلى درجة استعصى التعرف على أصحابها. وإلى جانب القتلى، اعتُبر نحو 100 شخص في عداد المفقودين، فيما تم اعتقال 240 آخرين أثناء الاجتياح لم يفرج إلا عن بضع عشرات منهم لاحقًا.

تصف الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما جرى في داريا بأنه “إحدى أفظع المجازر في العصر الحديث” مؤكدة توثيق مقتل ما لا يقل عن 524 مدني خلال أيام المجزرة على يد قوات النظام، وهو ما يجعلها واحدة من أكبر عمليات القتل الجماعي الميداني في تاريخ الثورة السورية .

جدير بالذكر أن جهات دولية مستقلة سعت للتحقيق في المجزرة رغم صعوبة الوصول إلى مسرح الجريمة آنذاك. وبعد أسابيع من الحادثة، وصفت الأمم المتحدة ما جرى في داريا بأنه “جريمة مروعة شنيعة” أثارت صدمة عالمية. كما أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش، استنادًا إلى صور أقمار صناعية وشهادات ناجين، تورط قوات النظام بشكل مباشر في إعدام السكان، وذلك عقب قصف مكثف بالمدفعية وطائرات الهليكوبتر أدى لعزل المدينة وإجبار الأهالي على الاحتماء في الملاجئ.

وتحدثت المنظمة عن أدلة واضحة تشير إلى أن قوات الأسد اقتحمت الأحياء التي لجأ إليها المدنيون ونفذت عمليات قتل جماعي فيها، وهو ما يتطابق مع شهادات الناجين من المجزرة.

ورغم مرور السنوات، لم يحاسب أحد على هذه الجريمة الكبرى، ولم تُجر أي تحقيقات مستقلة على مستوى دولي يمكن أن تفضي لمحاكمات بحق الجناة، الأمر الذي يبقي مجزرة داريا جريمة بلا عقاب حتى اليوم.

ذاكرة جماعية مثقلة بالدم وأمل بالعدالة

لا يشبه شهر آب أي شهر آخر في ذاكرة أهالي داريا. فمنذ مجزرة 2012، ارتبط اسم هذا الشهر بذكرى دامية غيرت ملامح المدينة إلى الأبد.

تحولت داريا التي عُرفت بكرومها ونشاطها الصناعي والتجاري إلى مدينة يلفها الحزن في كل صيف مع حلول ذكرى المجزرة. يقول أهالي داريا إن عيد الفطر عام 2012 اختلطت فيه روائح الموت والدم برائحة العنب البلدي، وصار في كل بيت عزاء بعدما فقدت كل عائلة أحد أفرادها أو أكثر.

مقبرة الشهداء في داريا تقف شاهدًا صامتًا على فظاعة تلك الأيام، حيث تضم مئات القبور التي حفرت على عجل لدفن الشهداء جماعيًا. وقد كُتبت عند مدخل المدينة عبارة تختزل حجم المأساة: «بالله هونًا حين تدخلها، في كل شبر شهيد قائم فيها» .

مقالات ذات صلة

«عم نسكر الشبابيك عم نختنق.. عم نفتحها عم نختنق».. حرائق النفايات تتجدد في الخليج بداريا

سرطان الثدي في داريا.. توعية بالكشف المبكر وتعريف بخدمات الفحص المجاني

فواتير الكهرباء في داريا.. تقديرات متفاوتة وشكاوى من نقص العدادات