دخل مشروع تأهيل مستشفى داريا الوطني مرحلة التنفيذ، مع اقتراب استكمال التعاقد مع المتعهد وبدء الأعمال الميدانية مباشرة، في خطوة تمثل أول تحرك فعلي لإعادة جزء من الخدمات الصحية إلى المدينة بعد سنوات من توقف المشفى عن العمل، وسط غياب أي مشفى عام ضمن داريا والمنطقة المحيطة بها، وما يفرضه ذلك من انتقال الأهالي إلى دمشق لتلقي العلاج، خاصة في الحالات الإسعافية.
قال المدير التنفيذي في مؤسسة الابتكار والتنمية المستدامة (SDI)، أحمد عجلوني لعنب بلدي، إن اختيار مستشفى داريا الوطني في هذا المشروع جاء “نظرًا لأهميته الاستراتيجية كمرفق صحي رئيسي يخدم شريحة واسعة من السكان في مدينة داريا والمناطق المحيطة، إضافة إلى حجم الضرر الكبير الذي تعرض له خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى توقفه عن تقديم الخدمات”.
وأضاف أن إعادة تأهيله “ستسهم بشكل مباشر في تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية الأساسية وتخفيف الضغط عن المرافق الصحية الأخرى، حيث إنه لا يوجد أي مشفى عام ضمن منطقة داريا، التي تشمل عدة مدن كالمعضمية وجديدة عرطوز وغيرها، ويحتاج الأهالي إلى الذهاب إلى دمشق من أجل تلقي العلاج، وخصوصًا ضمن الأمور الإسعافية”.
وبحسب عجلوني، من المتوقع البدء بالأعمال الميدانية بعد استكمال إجراءات التعاقد والموافقات الرسمية، “وغالبًا خلال فترة قصيرة من تاريخ إرساء المناقصة، وذلك في نهاية شهر 4 أو بداية شهر 5”، ما يعني أن المشروع انتقل من مستوى الإعلان والإجراءات إلى التحضير للتنفيذ على الأرض.
أقسام محددة ضمن مرحلة أولى
لا يستهدف المشروع الحالي إعادة تشغيل مستشفى داريا الوطني كاملًا، بل يركز على تأهيل جزء محدود منه بوصفه مرحلة أولى.
وأوضح عجلوني أن المشفى “عبارة عن مسطح بمساحة 5700 متر مربع وبعدة طوابق وبحاجة إلى صيانة بشكل كامل”، إلا أن المشروع الجاري سيقتصر على قسم من الطابق الأرضي بمساحة 600 متر مربع.
وأضاف أن هذا الجزء سيشمل “تأهيل أقسام العيادات وغرفة العمليات وقسم العلاج الفيزيائي وغرفة الأشعة والمخبر، من خلال تأهيل الأعمال المدنية والإنشائية والميكانيكية والكهربائية، بالإضافة إلى تزويد هذه الأقسام بالأجهزة والمعدات الطبية وغير الطبية”، موضحًا أن التدخل الحالي يطال قسمًا من الطابق الأرضي بمساحة 600 متر مربع من أصل مساحة إجمالية للمشفى تبلغ 5700 متر مربع.
وقال أيضًا إن المشروع “يركز على تفعيل الأقسام ذات الأولوية مثل قسم الإسعاف والطوارئ، وغرفة العمليات، وأقسام الاستشفاء الأساسية، والعلاج الفيزيائي، وغرف الأشعة والمخبر، لضمان تقديم خدمات حيوية بشكل سريع”، ما يعني أن الهدف الحالي هو إعادة جزء من الخدمات الأساسية التي يمكن تشغيلها سريعًا، لا إعادة المشفى كاملًا دفعة واحدة.
مبنى سليم وتجهيزات منهوبة
قال عجلوني إن المشفى ما يزال “من الناحية الإنشائية سليمًا بشكل كامل”، لكن الضرر الأكبر طال محتوياته وتجهيزاته، إذ “تم نهب كافة الأجهزة والمعدات والإكساء الداخلي والخارجي”، ما يعني أن المشفى يحتاج إلى “إكساء داخلي وخارجي بشكل كامل، بما في ذلك الأعمال المدنية والإنشائية، والأعمال الكهربائية والميكانيكية، بالإضافة إلى التجهيزات والمعدات الطبية وغير الطبية وفق المعايير المعتمدة”.
ويعكس هذا التوصيف حجم الفجوة بين سلامة المبنى من جهة، وحجم الأعمال المطلوبة لإعادته إلى الخدمة من جهة أخرى، إذ لا يتعلق التأهيل بترميم موضعي محدود، بل باستعادة الحد الأدنى الضروري لتشغيل جزء من المشفى بعد سنوات من الخروج الكامل عن العمل.
وفيما يتعلق بآلية اختيار الشركة المنفذة، قال عجلوني إن الاختيار سيتم وفق معايير تشمل “الخبرة الفنية في مشاريع مماثلة، والكفاءة المالية، والقدرة على الالتزام بالجداول الزمنية، وجودة العروض الفنية، والامتثال للمعايير الهندسية والصحية المطلوبة”.
وأضاف أن مؤسسة الابتكار والتنمية المستدامة تمتلك كادرًا هندسيًا متخصصًا لديه خبرة في تنفيذ مشاريع سابقة ضمن اختصاصات متعددة، تشمل العمارة والمدني والكهرباء والميكانيك والطرق والمياه والبيئة، مشيرًا إلى أن ضمان الجودة سيتم عبر “الإشراف الهندسي المباشر، والالتزام بدفاتر الشروط الفنية والمخططات، والمتابعة اليومية لتنفيذ الأعمال، بالإضافة إلى اعتماد آليات رقابة وتقييم مستمرة بالتنسيق مع الجهات المعنية”.
تأخير بسبب التنسيق مع وزارة الصحة
عزا المدير التنفيذي في مؤسسة الابتكار والتنمية المستدامة، أحمد عجلوني، والناشط المدني حسام اللحام، في حديثهما إلى عنب بلدي، تأخر الانطلاق العملي للمشروع إلى مرحلة التنسيق الرسمية والفنية اللازمة قبل بدء التنفيذ.
وقال عجلوني إن هناك تنسيقًا جرى “مع وزارة الصحة ومكتب الشؤون الهندسية من أجل اعتماد الدراسات والمواصفات والمخططات النهائية”، كما جرى التنسيق “مع مديرية الصحة من أجل اعتماد الأقسام الطبية المطلوبة من المشفى”.
وأضاف أنه بعد انتهاء أعمال الترميم “سيتم التسليم إلى مديرية صحة ريف دمشق، والتي بدورها ستكون المسؤولة عن تشغيل المشفى”، ما يوضح أن المؤسسة تتولى تنفيذ مشروع التأهيل، في حين ستؤول مسؤولية تشغيل المشفى بعد إنجاز الأعمال إلى الجهة الصحية الرسمية.
وفيما يخص المدة الزمنية، قال عجلوني إن مدة التنفيذ تعتمد على نطاق الأعمال النهائي، “إلا أنه من المتوقع أن تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، مع وجود خطة زمنية تفصيلية سيتم اعتمادها بعد الترسية”.
تشغيل 10 بالمئة فقط من طاقة المشفى
من جهته، قال الناشط المدني حسام اللحام لعنب بلدي إن المشروع “يعتبر بمرحلة التنفيذ، وقريبًا عندما يتم التعاقد مع المتعهد يبدأ العمل مباشرة”.
وأضاف أن ما سيجري حاليًا هو “إعادة تأهيل قسم واحد فقط، قسم الإسعاف، لكن سيشمل بعض الأقسام غير الإسعاف، مخبر، أشعة، غرفة عمليات، وجناح للمرضى”.
وأوضح اللحام أن الهدف النهائي هو “إعادة تشغيل المشفى بالكامل، ولكن يحتاج لوقت طويل”، مضيفًا أن المشروع الذي تم تأمينه الآن “هو فقط لتشغيل 10% من طاقة المشفى، مع تأهيل بعض المرافق المحيطة”، وأن الهدف منه “فقط وضع حجر الأساس لإعادة التأهيل”.
وأضاف أن بدء الأعمال، حتى لو كان بجزء بسيط، قد يفتح المجال أمام دعم أوسع لاحقًا، إذ قال، “مجرد ما بدأت الأعمال، ولو بجزء بسيط، ممكن يتأمن داعمين أو ممولين لاستكمال العمل”.
وبحسب اللحام، فإن الخطة التي وضعتها المؤسسة للمشفى تمتد “من الشهر السادس وحتى الشهر العاشر من هذا العام”، وهي الفترة المتوقعة لإنجاز كامل المشروع في مرحلته الحالية.
أثر خدمي ومعنوي على داريا
لا يقتصر أثر المشروع، وفق اللحام، على إعادة جزء من الخدمة الصحية فقط، بل قد ينعكس أيضًا على محيط المشفى والمدينة عمومًا.
وقال إن “بداية الترميم رح يكون في إلها شي إيجابي، وبيحسن وضع المنطقة، وبيشجع الناس ترمم بيوتها، وبيصير في خدمة صحية للناس ولو غرفة عمليات واحدة فقط، لأن ما في أي خدمات موجودة حاليًا بداريا”.
وفي الوقت نفسه، لفت إلى تحد قد يرافق بدء الترميم، يتمثل في ارتفاع سقف توقعات الأهالي قياسًا بحجم المشروع الحقيقي، موضحًا أن “العقبات حجم المشفى الكبير، واسمه مرتبط بتخديم الريف الغربي بالكامل”، وأن بدء ترميمه “سيخلق تحديًا”، فالناس سيتوقعون تلقي الخدمات الكاملة التي كانت في المشفى قبل تدميره، في حين أن المشروع الجاري لا يزال محدودًا ويستهدف إعادة جزء من طاقته فقط.
وفي رسالة موجهة إلى أهالي داريا الذين ينتظرون عودة المستشفى منذ سنوات، قال عجلوني، “ندرك تمامًا حجم التطلعات والاحتياج الكبير لعودة المستشفى إلى العمل، ونؤكد أن هذا المشروع يأتي استجابة لهذه الحاجة الملحة. نعمل بكل جد لضمان تنفيذ المشروع بأعلى جودة وفي أقصر وقت ممكن، بما يحقق عودة تدريجية وآمنة للخدمات الصحية التي يستحقها أهالي داريا”.