«عم نسكر الشبابيك عم نختنق.. عم نفتحها عم نختنق».. حرائق النفايات تتجدد في الخليج بداريا

تجددت الحرائق في مكب للنفايات بمنطقة الخليج في داريا، مساء الأربعاء 21 من تشرين الأول، وتصاعدت منها أدخنة دخلت إلى المنازل المجاورة ووصلت إلى أحياء وسط المدينة، وسط شكاوى من السكان بشأن تأثيرها على حياتهم وصحتهم، واستمرار إلقاء النفايات قرب المناطق السكنية.

ويعترض السكان على استخدام أراضٍ في منطقة الخليج المدمرة مكبًا لنفايات المدينة منذ سنوات، مؤكدين أن أجزاء منها مملوكة للأهالي، وأن الشكاوى المتكررة لم تؤد إلى وقف إلقاء القمامة فيها.

وقال رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، لعنب بلدي، إن البلدية تواصل استخدام الموقع بسبب نقص الإمكانات والآليات وعدم توفر مكب بديل، مشيرًا إلى أنها طلبت السماح بنقل النفايات مؤقتًا إلى مكب الكسوة، لكنها لا تزال تنتظر الموافقة.

وتحدث سكان لعنب بلدي عن وصول الدخان إلى غرف منازلهم، ومعاناة أطفال ومرضى ربو خلال اشتداد الحرائق، فيما أعلن أحد أصحاب الأراضي عزمه اللجوء إلى القضاء للمطالبة بوقف استخدامها مكبًا للنفايات.

أراضٍ خاصة تتحول إلى مكب للنفايات

قال محمد زيادة، من سكان حي النكاشات، إن بلدية داريا تستخدم أراضي الخليج لتجميع النفايات منذ نحو خمس سنوات، وإن المشكلة بدأت خلال حكم النظام السابق واستمرت بعد سقوطه، رغم مراجعات السكان وشكاواهم.

وأوضح زيادة، الذي يمتلك مع عائلته أراضي في المنطقة، أن البلدية تلقي النفايات في ممتلكات خاصة دون موافقة أصحابها، متسائلًا عن الجهة التي سمحت باستخدامها لهذا الغرض.

وقال لعنب بلدي: «مين أعطاهم تصريح رسمي يعملوا الخليج مكب نفايات؟».

وبحسب زيادة، تدخل إلى المكب يوميًا خمس أو ست شاحنات من القمامة، يشاهدها من منزله المطل على الخليج، بينما يمتد الدخان إلى حي النكاشات والمشروع المقابل لجامع الصادق الأمين ومنازل أخرى محيطة بالمنطقة.

وأضاف أن السكان جمعوا توقيعات على شكوى جماعية قدموها إلى البلدية، ثم راجعوا المحافظة، حيث أُبلغوا بتسجيل الشكوى واتخاذ إجراءات لمعالجتها، لكن إلقاء النفايات استمر.

وأشار إلى أنهم جددوا شكواهم خلال الأسبوع الماضي، قبل أن يشاهدوا نقل القمامة إلى الموقع مجددًا في اليوم التالي.

ولا تقتصر اعتراضات زيادة على الدخان والروائح، إذ يرى أن استخدام الأراضي مكبًا للنفايات يضيف مشكلة إلى أوضاع أصحاب العقارات في الخليج، الذين يواجه بعضهم مشكلات تتعلق بالاستملاك وإمكانية العودة إلى ممتلكاتهم.

وقال إن بعض الأهالي باعوا أراضيهم بأسعار منخفضة بعدما فقدوا الأمل بالعودة إليها، في ظل مشكلات الاستملاك وتحويل المنطقة إلى مكب للنفايات، بحسب روايته.

البلدية تبحث عن بديل

قال رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، لعنب بلدي، إن البلدية تواصلت مع المحافظة ومديرية النظافة لتحديد موقع بديل لتجميع نفايات المدينة، لكن الجهود لم تسفر حتى الآن عن اعتماد موقع جديد.

وأوضح أن نقص الإمكانات والآليات يضطر البلدية إلى الاستمرار باستخدام منطقة الخليج، مشيرًا إلى أنها غيرت نقطة إلقاء النفايات داخل المنطقة، ونقلتها باتجاه القوس لإبعادها عن الموقع السابق.

وتبحث البلدية، بحسب عبيد، خيارين مؤقتين للتخلص من النفايات، أولهما استخدام موقع قرب بئر العكش عند جامع فاطمة على طريق المعامل، والثاني نقل القمامة إلى مكب الكسوة.

وأضاف أن البلدية تقدمت بطلب للسماح باستخدام مكب الكسوة مؤقتًا بدلًا من نقل النفايات إلى دير الحجر، موضحًا أن المكب مخصص لدمشق، وأن نقل نفايات داريا إليه يتطلب الحصول على موافقة.

ولم يحدد عبيد موعدًا لبدء نقل النفايات إلى أي من الموقعين.

وعن الحريق الذي تجدد مساء الأربعاء، قال رئيس البلدية إن النيران اشتعلت في كومة النفايات الأولى، وإنه لا يعرف سبب تجدد الحريق، نافيًا علمه بوجود شخص أضرم النار فيها.

وتتداول بين السكان تفسيرات مختلفة لأسباب اشتعال النفايات، بينها ارتباط الحرائق بأشخاص ينبشون القمامة أو برماد الفحم، لكن لم يتسن لعنب بلدي التحقق من أي منها.

حملات ترحيل وإطفاء مؤقت

سبق أن تناولت عنب بلدي داريا مشكلة تراكم النفايات والحرائق في منطقة الخليج، ورصدت حملات نفذتها البلدية لترحيل القمامة المتراكمة، بمشاركة جهات محلية وأهالٍ قدموا آليات ومعدات للمساعدة في العمل.

ورغم هذه الحملات، استمر استخدام المنطقة لتجميع نفايات المدينة، في ظل صعوبات تتعلق بنقص الآليات وتكاليف نقل القمامة إلى المكبات البعيدة.

وتحدثت البلدية في تغطيات سابقة لعنب بلدي عن مساعٍ بالتنسيق مع محافظة ريف دمشق لتخصيص مكب نظامي، وتوفير آليات وضواغط تساعد على تحسين جمع النفايات ونقلها، لكن موقعًا بديلًا لم يُعتمد حتى الآن.

كما سبق أن أوضحت البلدية أنها تتدخل لإخماد الحرائق بالتعاون مع الدفاع المدني، وتلجأ إلى طمر النفايات بالتراب، في حين تعوق قلة العاملين مراقبة الموقع بصورة دائمة.

وقدمت البلدية في تصريحات سابقة تفسيرات محتملة لاشتعال النفايات، بينها انتقال النار من حاويات القمامة عند تفريغها، أو إشعالها من أشخاص ينبشون النفايات، دون أن يثبت سبب محدد للحرائق المتكررة.

الدخان داخل الغرف

يسكن أحمد عليان تبلو قرب الباب الخلفي لجامع الرضا، وتطل نوافذ منزله على منطقة الخليج.

وقال لعنب بلدي إن رائحة الدخان ملأت غرفته بعد العشاء، مساء الأربعاء، حتى ظن أن حريقًا اندلع داخل المنزل، قبل أن تخبره زوجته بأن مصدر الدخان هو مكب النفايات.

ووصف كثافة الدخان بقوله: «تقول عندي الحريقة بالغرفة».

وأوضح تبلو أن الحرائق لا تستمر بصورة دائمة، لكنها تتكرر بين فترة وأخرى، وتدفع الرياح دخانها باتجاه المنازل المطلة على الخليج.

وأضاف أن حريق الأربعاء كان أشد من المعتاد، وأنه نام متضايقًا من الرائحة والدخان.

وأشار إلى إمكان مشاهدة أعمدة الدخان من الكورنيش، قرب موقع المدرسة الرابعة سابقًا، عند النظر باتجاه أراضي الخليج، حيث يظهر الدخان متصاعدًا من أكثر من موضع.

وطالب بتدخل يمنع تكرار الحرائق، مشيرًا إلى أن شكاوى السكان على وسائل التواصل الاجتماعي لم تؤدِّ إلى معالجة المشكلة.

أما غياث الشربجي، وهو ناشط بيئي من داريا، فقال إن الحرائق تتكرر ليلًا ونهارًا، لكن تأثير الدخان يكون أشد على السكان خلال الليل، عندما يدخل إلى المنازل ويعوق نوم أصحابها.

وقال إن الأهالي لا يستطيعون تهوية منازلهم بسبب الدخان: «عم نسكر الشبابيك عم نختنق، عم نفتحها عم نختنق».

وأعرب الشربجي عن مخاوفه من وصول الدخان إلى المنازل أثناء نوم السكان، مستحضرًا ذكريات الهجمات الكيميائية التي تعرضت لها مناطق سورية خلال سنوات الحرب.

واعترض على استمرار إلقاء النفايات قرب المنازل ومدرسة الحكمة، التي تضم نحو ألف طالب وطالبة، بحسب تقديره.

وقال إن الحرائق تتكرر منذ نحو سنتين، مطالبًا المسؤولين المحليين بالتدخل لمعالجة المشكلة بدل الاكتفاء بالاستجابة المؤقتة للشكاوى.

أطفال ومرضى ربو يعانون من الدخان

تحدث سكان لعنب بلدي عن مشكلات تنفسية رافقت تصاعد الدخان من مكب الخليج، خصوصًا لدى الأطفال والمصابين بالربو.

وقال جمال معضماني إن الدخان امتد إلى مناطق قريبة من الملعب وطريق المعضمية والشاميات، إضافة إلى المنطقة الشرقية من المدينة.

وأضاف أن ابنته المصابة بالربو لم تتمكن من النوم خلال ليلة الأربعاء، واضطر إلى استخدام جهاز أوكسجين لمساعدتها على التنفس لعدة ساعات.

ووصف كثافة الدخان قرب منزله بأنها أشبه بالضباب، مشيرًا إلى أنه حاول التواصل مع الإطفاء لطلب إخماد الحريق، لكنه لم يتلقَّ ردًا، بحسب قوله.

كما نشر شكاوى عبر إحدى مجموعات واتساب، مطالبًا بتدخل مباشر يحد من وصول الدخان إلى الأحياء السكنية.

وفي حي النكاشات، قال محمد زيادة إن طفلته البالغة ثلاثة أشهر عانت من السعال طوال ليلة الأربعاء، بينما كان الدخان يدخل إلى المنزل كلما فُتحت النوافذ.

وأضاف أن تكرار الحرائق دفعه إلى التفكير في استئجار منزل بعيد عن المنطقة، رغم امتلاكه منزلًا فيها ووجود منزل عائلته في الحي.

وقال: «عم فكر استأجر برا داريا وأترك بيتي من وراء هالقصة».

السكان يرفضون الاكتفاء بإطفاء الحرائق

يرى سكان تحدثوا لعنب بلدي أن إخماد الحرائق لا يعالج المشكلة ما دامت البلدية تواصل نقل النفايات إلى الخليج.

وقال غياث الشربجي إن طمر النفايات المشتعلة بالتراب لا يمنع تجدد الحرائق، موضحًا أن النار قد تبقى مشتعلة تحت الردم، ثم تعود إلى الظهور بعد ثلاثة أو أربعة أيام، بحسب ملاحظته.

وطالب بوقف نقل مزيد من القمامة إلى الموقع، وإيجاد مكان بديل بعيد عن المنازل ومدرسة الحكمة.

وانتقد الشربجي عدم معالجة المشكلة رغم تكرارها، معتبرًا أن مسؤولية إيجاد البديل تقع على الجهات التي تتولى إدارة المدينة.

من جانبه، قال جمال معضماني إنه نشر شكوى على فيسبوك قبل نحو عشرة أيام، ولاحظ توقف الحرائق لفترة قصيرة قبل أن تتجدد مساء الأربعاء.

وأضاف أن المشكلة تتراجع أحيانًا عندما تتصاعد شكاوى السكان، ثم تعود بعد أيام.

وطالب المسؤولين بزيارة الأحياء المتضررة ومعاينة الدخان الذي يصل إلى المنازل، واقترح وضع سيارة إطفاء قرب أكوام النفايات ومراقبة الموقع للتدخل عند اندلاع الحرائق، إلى حين التوصل إلى حل دائم.

أما محمد زيادة، فاعتبر أن الجدل حول الجهة التي تشعل النفايات لا يغيّر جوهر اعتراض السكان على استمرار استخدامها مكبًا.

وقال إن البلدية سبق أن عزت الحرائق، خلال مراجعاته لها، إلى أشخاص ينبشون القمامة، بينما تلقى تفسيرات لاستمرار استخدام الموقع تتعلق بعدم وجود بديل أو عدم توفر نفقات المحروقات اللازمة لنقل النفايات إلى مكان أبعد.

وطالب زيادة البلدية بإعداد دراسة تحدد احتياجات نقل النفايات وتكاليفه، والسعي للحصول على دعم من المنظمات لتغطيتها، بدل استمرار إلقائها قرب المناطق السكنية.

وأشار إلى أن داريا من المدن التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب، إلى جانب مدن ومناطق أخرى مثل جوبر وحرستا، معتبرًا أن معالجة مشكلات الخدمات فيها تستدعي توفير دعم إضافي.

يعتزم مقاضاة البلدية

قال محمد زيادة إنه يعتزم رفع دعوى قضائية على بلدية داريا بصفتها الجهة المسؤولة عن استخدام أراضي الخليج مكبًا للنفايات، وليس على رئيس البلدية بصفته الشخصية.

وأوضح أنه سيوكل محاميًا لمتابعة الدعوى، بعد أن لم تحقق الشكاوى التي قدمها السكان إلى البلدية والمحافظة النتيجة المطلوبة.

ويطالب زيادة بوقف إلقاء النفايات في أراضي الخليج، معتبرًا أن نفي البلدية مسؤوليتها عن إشعال الحرائق لا يجيب عن اعتراض أصحاب الأراضي على استخدامها لتجميع القمامة.

ويتفق معه سكان آخرون على ضرورة نقل النفايات بعيدًا عن الأحياء السكنية، فيما لا تزال البلدية تنتظر الموافقة على استخدام مكب الكسوة أو تحديد موقع آخر، دون موعد معلن لإنهاء استخدام مكب الخليج.

تصاعد الدخان من حريق نفايات في أراضي الخليج بداريا – 21 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي – سعيد خشفة)

صورة جوية تظهر انتشار دخان النفايات فوق أبنية داريا – 21 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)

صورة جوية تظهر حركة دخان النفايات من أرض الخليج باتجاه أحياء داريا – 21 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي)

مقالات ذات صلة

سرطان الثدي في داريا.. توعية بالكشف المبكر وتعريف بخدمات الفحص المجاني

فواتير الكهرباء في داريا.. تقديرات متفاوتة وشكاوى من نقص العدادات

في انتظار المواليد.. خمس أفراس عشار على أطراف داريا