تتجه نساء في داريا إلى إطلاق مشاريع منزلية صغيرة في مجالات إعداد الطعام والحلويات والأعمال اليدوية، في محاولة لتأمين مورد مالي يساعد أسرهن على مواجهة الأعباء المعيشية، في ظل ارتفاع تكاليف الحياة وضعف فرص العمل.
تُدار هذه المشاريع من داخل المنازل بإمكانات بسيطة، وتعتمد أساسًا على شبكة المعارف ووسائل التواصل الاجتماعي في تسويق المنتجات.
ورغم أن عائدها غير ثابت، فإنه يسهم، ولو بشكل محدود، في تغطية جزء من المصاريف اليومية.
والتقت عنب بلدي بعدد من السيدات العاملات في هذه المشاريع، لرصد دوافعهن وتجاربهن اليومية، وحجم العائد الذي يحققنه في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة.
من مطبخ المنزل إلى مصدر دخل
بالنسبة لأماني الحصان، لم يكن العمل المنزلي خيارًا مخططًا، بل نتيجة مباشرة لظروف طارئة.
بدأت قبل عام بإعداد الطعام لأقاربها دون مقابل، قبل أن يتحول الأمر إلى عمل مأجور بعد أن خضع زوجها لثلاث عمليات جراحية أثرت على قدرته على الاستمرار في عمله خياطًا.
تعيل أماني طفلة، فيما لدى زوجها طفلان من زوجته السابقة المتوفاة.
وخلال فترة العلاج، عجزت الأسرة عن دفع إيجار المنزل، واضطرت للإقامة مؤقتًا في منزل قريب مسافر، بانتظار عودته إلى داريا، ما يعني البحث مجددًا عن منزل للإيجار.
تعمل أماني من داخل منزلها، وهو شرط وضعه زوجها للموافقة على عملها دون خروجها إلى السوق.
تختص بإعداد أطباق تقليدية مثل الكبة وورق العنب والمحاشي والبرك، ويزداد الطلب في رمضان على طبق “المغربية”، وهي أكلة شتوية تقليدية في داريا، تقول إن كثيرات لا يتقنّ إعدادها.
تستقبل الطلبات عبر معارفها وصفحتها على “فيسبوك”، بمعدل طلب أو طلبين أسبوعيًا. وتوضح أن الدخل غير منتظم، لكنه يساعد في سداد بعض الديون وتغطية جزء من المصاريف.
أحيانًا تتحمل ارتفاع أسعار المواد دون تعديل السعر المتفق عليه، أو تعمل بمواد أولية يحضرها الزبون مقابل هامش ربح محدود.
تواجه أماني صعوبات في التوصيل وارتفاعًا مستمرًا في تكاليف المواد، إلى جانب ضغط العمل المنزلي.
وتؤكد أن المشروع جاء بدافع الحاجة لا بهدف التوسع، لكنها تأمل مستقبلًا بإطلاق مشروع خياطة منزلي، رغم أن كلفة المعدات تفوق قدرتها حاليًا.
مواسم مزدحمة.. وعائد محدود
في منزل آخر، بدأت مرح العبار إعداد الحلويات المنزلية عام 2021 بدافع حب العمل ومساندة أسرتها.
طورت مهاراتها بالممارسة، وخضعت لدورة تدريبية في صناعة الكيك.
تنتج مرح المعمول والبرازق والبيتيفور والغريبة والبقلاوة والكوكيز، إضافة إلى الكيك للمناسبات، كما تصنع الشموع.
ويزداد الطلب عندها خلال الأعياد ورمضان، خاصة على الحلويات التقليدية، بينما يرتبط الكيك بمناسبات مثل التخرج وأعياد الميلاد.
تعمل مرح بأدوات منزلية وفرن عادي، وتأمل في اقتناء معدات احترافية، فمع اقتراب نهاية رمضان، يتضاعف ضغط العمل، إذ تعمل غالبًا بمفردها، وأحيانًا يساعدها إخوتها.
تستقبل الطلبات عبر “فيسبوك”، ولديها زبائن دائمون. ورغم أن المشروع يوفر دخلًا إضافيًا، فإنه لا يغطي مصاريف المواسم بالكامل، ولا يمكن الاعتماد عليه كمصدر دخل ثابت.
تحرص مرح على استخدام موادها الخاصة لضبط الجودة، لكنها تضطر أحيانًا للعمل بمواد يحضرها الزبائن.
ومع ارتفاع الأسعار، ترفع سعر المنتج للحفاظ على المستوى ذاته. وتشير إلى أن انقطاع الكهرباء يؤثر على إنتاجيتها، كما ينعكس الضغط النفسي على قدرتها على العمل.
أعمال يدوية.. ادخار لخطوة أكبر
أما عفاف السقا، فبدأت قبل نحو ثمانية أشهر بصناعة ورد الساتان وستاندات المحابس، وأضافت التمر المغطى بالشوكولا خلال رمضان.
تقول إن دافعها كان استثمار وقت الفراغ وتوفير دخل خاص بها، وهي تدخر أرباحها تمهيدًا لافتتاح صالون تجميل مستقبلًا، وهو مجال عملها الأساسي.
تعلمت عفاف المهنة عبر الإنترنت، ويزداد الطلب على باقات ورد الساتان في المناسبات. تستقبل الطلبات عبر المعارف ووسائل التواصل الاجتماعي، وتتفاوت بحسب الموسم.
توضح أن هامش الربح محدود بسبب تكاليف المواد والمواصلات، وأحيانًا تخفض نسبة ربحها للحفاظ على زبائنها.
وتبدأ عفاف يومها بإنجاز أعمال المنزل قبل التفرغ للعمل، محاولة التوفيق بين الجانبين، لكن إنتاجها إنتاجها بانقطاع الكهرباء، خاصة عند استخدام أدوات تحتاج إلى حرارة، ما يضطرها أحيانًا لاستخدام بدائل متاحة لإتمام الطلبات المستعجلة دون زيادة السعر.
حلول محدودة في واقع صعب
تشترك هذه المشاريع في كونها مبادرات فردية نشأت من الحاجة، في ظل واقع اقتصادي ضاغط يدفع نساء داريا إلى البحث عن مصادر دخل من داخل منازلهن.
ورغم أن العائد محدود وغير مستقر، فإن هذه المشاريع تمثل محاولة لتخفيف الأعباء اليومية، بين مطبخ منزلي وطاولة عمل بسيطة، في انتظار فرص أوسع قد تتيح دخلًا أكثر استقرارًا.