شهد مركز الشهيد يحيى شربجي في داريا، الخميس 2 نيسان، عرض الفيلم الوثائقي “مشاهد من العودة إلى سوريا” (2025)، بالتعاون مع نادي سينما جرمانا، ضمن فعالية مجانية خصصت لجمهور المدينة، وركزت على توثيق رحلة عودة إلى سوريا بعد سقوط النظام، وما تكشفه من دمار واسع في عدد من مناطق دمشق وريفها، قبل أن تفتح باب النقاش مع الحضور حول الذاكرة السورية وتجارب الحصار والتهجير والعودة.
الفيلم، الذي تبلغ مدته 85 دقيقة، أنجزه المخرجان الفرنسيان فانسان كوماريه وكاترين إسترادا، بمشاركة الفنان محمد آل رشي، ويتتبع رحلة عودتهم إلى سوريا، مستعرضًا مشاهد من الدمار في عدد من المناطق، وما تتركه العودة من أثر نفسي على من غادروا البلاد طويلًا ثم عادوا إليها بعد سنوات من الانقطاع.
ذاكرة الدمار والعودة
على هامش العرض، قال أسامة البسرك، أحد الحضور، لعنب بلدي، إن الفيلم “يسلط الضوء على الدمار الذي حصل” من خلال قصة عائلة واحدة تمثل، برأيه، كثيرًا من العائلات السورية التي اضطرت إلى السفر والتهجير، ثم عادت لتصطدم بما حلّ بأماكنها.
وأضاف أن الفيلم يلامس صدمة الذين عادوا فلم يجدوا بيوتهم كما تركوها، ولا الجيران الذين عرفوهم، مشيرًا إلى أن أهمية هذا النوع من الأعمال تكمن في أنه يروي قصص أشخاص عاشوا التهجير والحصار والعودة، ويضعها أمام جمهور أوسع، بمن فيهم من لم يعيشوا تلك التجارب بأنفسهم.
ورأى البسرك أن مثل هذه الأفلام تساعد أيضًا على نقل صورة عن فترات الحصار التي عرفتها مناطق سورية عدة، من بينها اليرموك والقابون وجوبر وداريا في دمشق، موضحًا أن كثيرين، حتى داخل سوريا، لا يعرفون على نحو دقيق ما جرى في تلك الأماكن، ولا كيف عاش أهلها تلك السنوات. وبالنسبة إليه، فإن هذه الأعمال تستعيد “ذاكرة غائبة عن عموم السوريين”.
صدمة العودة بعد الغياب
يوسف المنجد، أحد المشرفين في مركز يحيى شربجي، رأى أن الرسالة الأساسية للفيلم تكمن في نقل حالة الصدمة التي تصيب الشخص العائد إلى بلده بعد اغتراب طويل.
وقال لعنب بلدي إن الفيلم لا يتوقف عند مشاهد الدمار وحدها، بل يتناول أيضًا الأثر النفسي للعودة نفسها، عندما يدخل العائد إلى مكانه الأول ويواجه واقعًا مختلفًا جذريًا عما بقي في ذاكرته.
وأضاف أن كثيرين من السوريين الذين عاشوا في الخارج سنوات طويلة لم يكونوا يتوقعون أن يشاهدوا بلدهم مرة أخرى، وربما اعتقد بعضهم أنه سيمضي حياته كلها في الغربة. لذلك، فإن لحظة العودة لا تكون عادية، بل محمّلة بصدمة مزدوجة: صدمة النجاة والعودة، وصدمة مواجهة ما حلّ بالمكان.
من جرمانا إلى داريا
من جهته، قال ناصر منذر، مدير نادي سينما جرمانا، لعنب بلدي، إن النادي كان يقيم قبل سقوط النظام عروضًا لأفلام الثورة ضمن هامش محدود، لكنه بعد سقوطه أطلق تظاهرة “سينما الحرية”، التي عرض خلالها 24 فيلمًا من أفلام الثورة.
وأضاف أن النادي حاول بعد ذلك الخروج بالعروض إلى خارج جرمانا، فنظم عروضًا في مخيم اليرموك (دمشق)، وتأتي هذه الفعالية في داريا ضمن هذا المسار، مشيرًا إلى أن زيارة داريا الحالية هي الثانية.
وأوضح منذر أن فيلم “مشاهد من العودة إلى سوريا” أُنجز في العام الماضي، وأن أهمية هذا النوع من الأفلام التوثيقية تكمن، أولًا، في توثيق حجم الدمار للسوريين أنفسهم، لأن سنوات الحرب عزلت المناطق عن بعضها، بحيث إن كثيرين لا يعرفون بدقة ما الذي جرى في مناطق أخرى خارج أماكنهم.
وأضاف أن الوظيفة الثانية لهذه الأعمال هي توثيق ما جرى أمام العالم الخارجي أيضًا، لا سيما أن الفيلم أنجزه مخرجان فرنسيان، ويُعرض في دول أوروبية عدة. وأشار إلى أن الفيلم كان معروضًا أيضًا في 2 نيسان في مدينة مارسيليا الفرنسية، بالتزامن مع عرضه في داريا.
نقاش بعد العرض
لم يتوقف الحدث عند عرض الفيلم فقط، بل تلاه نقاش مع الحضور، وهو ما قال منذر إنه يمثل جزءًا أساسيًا من فكرة الفعالية.
وبحسب قوله، فإن الاستماع إلى آراء النساء والرجال بعد العرض لا يقل أهمية عن مشاهدة الفيلم نفسه، لأنه يتيح للسوريين أن يتحدثوا مع بعضهم حول ما عاشوه، وكيف ينظرون إلى هذه التجارب اليوم بعد مرور السنوات.
وبدت هذه الجلسة في داريا امتدادًا لطبيعة الفيلم نفسه، الذي لا يكتفي بتسجيل مشاهد الخراب، بل يفتح بابًا على أسئلة الذاكرة والعودة وما انقطع بين السوريين خلال سنوات الحرب.
ويأتي تنظيم العرض في مركز الشهيد يحيى شربجي، التابع لمؤسسة فكر وبناء، ضمن نشاط ثقافي يربط بين السينما والتوثيق والحوار، في مدينة كانت هي الأخرى واحدة من المدن التي عرفت الحصار والدمار والتهجير، قبل أن تبدأ تدريجيًا باستعادة بعض حراكها العام والثقافي.