كانت جدة وسيم تبلو ترش «أرض الديار» بالماء قبل وصول أبنائها وأحفادها، وتعتني بنباتات الزينة وشجرة الليمون المحيطة بالمنزل، استعدادًا للقاء أسبوعي تمتلئ خلاله الدار بأبناء الخالات والأخوال، ويمضي الأطفال ليلتهم في اللعب معًا.
ظلت هذه الاجتماعات موعدًا ثابتًا تنتظره العائلة، قبل أن تتراجع تدريجيًا بعد وفاة اثنين من أخوال وسيم، ثم تكاد تنقطع برحيل جده، رغم بقاء المنزل في مكانه.
وتشبه تجربة عائلته ما تتحدث عنه عائلات أخرى في داريا، إذ لم تعد بيوت الجدود والجدات تستقبل الأبناء والأحفاد كما كانت قبل سنوات، بعدما تحولت الزيارات الأسبوعية لدى كثير من الأسر إلى لقاءات شهرية أو مناسبات متباعدة.
ويربط من تحدثوا إلى عنب بلدي هذا التراجع بأسباب عدة، منها انشغال الأبناء بالعمل والدراسة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتغير اهتمامات الجيل الجديد، إلى جانب رحيل كبار السن وأفراد العائلة الذين كانوا يحافظون على انتظام اللقاءات.
موعد لا يحتاج إلى مناسبة
يتذكر عامر حيدر، البالغ من العمر 61 عامًا، أن زيارة بيت الجد والجدة كانت جزءًا ثابتًا من حياة كثير من العائلات في داريا، ولم تكن مرتبطة بمناسبة أو دعوة مسبقة.
وكان الأطفال ينتظرون انتهاء المدرسة وبداية العطلة ليمضوا أيامًا في منزل الجدين، حيث يلتقون بأبناء العمومة والخؤولة، ويتشارك أفراد العائلة الطعام والحديث، بينما يقضي الصغار وقتهم في اللعب داخل المنزل وفي الأراضي المحيطة به.
ويقول حيدر لعنب بلدي إن بيت الجد كان يشكل مركزًا طبيعيًا للعائلة، يلتقي فيه أفرادها بصورة منتظمة، ويتابع كبار السن أحوال أبنائهم وأحفادهم، ويقدمون لهم النصائح، في وقت كانت فيه العلاقات بين الأقارب أكثر حضورًا في الحياة اليومية.
وساعدت طبيعة الحياة الاقتصادية آنذاك على استمرار الزيارات واستضافة أعداد كبيرة، بحسب حيدر، إذ اعتمدت عائلات كثيرة على أراضيها الزراعية وما تعدّه من مؤونة منزلية، تشمل الزيت والزيتون واللبنة والجبنة والمكدوس، إلى جانب حفظ اللحوم بطريقة «القاورما».
وكانت هذه المنتجات تخفف من كلفة إعداد الطعام واستقبال أفراد العائلة، ما جعل الزيارات الطويلة والمتكررة أمرًا معتادًا، بخلاف الوقت الحالي، إذ أصبحت نفقات الضيافة عبئًا إضافيًا على أسر تواجه أصلًا ارتفاع تكاليف المعيشة.
من كل أسبوع إلى مرة في الشهر
كانت أم فهد خولاني تستقبل أبناءها وأحفادها كل يوم سبت تقريبًا، قبل أن تتراجع الزيارات خلال السنوات الأخيرة إلى مرة واحدة في الشهر في معظم الأحيان.
وتقول لعنب بلدي إن التزامات العمل والحياة اليومية تشغل أبناءها، وإن بعضهم يزورها بمفرده من دون اصطحاب زوجته وأطفاله، ما جعل اللقاءات أقل عددًا وحضورًا مما كانت عليه سابقًا.
ولا تلوم أم فهد أبناءها على ذلك، فهي تدرك أن ظروفهم ونمط حياتهم تغيرا، لكنها تفتقد الاجتماعات التي كانت تجمع أفراد الأسرة في منزل واحد، وتمنحها شعورًا بالألفة والحضور العائلي.
كما أسهم فقدان عدد من أفراد عائلتها خلال السنوات الماضية في إضعاف هذه اللقاءات، بعدما غاب أشخاص كانوا يشكلون جزءًا أساسيًا منها ويسهمون في جمع بقية أفراد الأسرة.
ولا يرى عامر حيدر أن ارتفاع تكاليف المعيشة وحده يفسر هذا التراجع، إذ يشير أيضًا إلى انشغال الأبناء بالعمل والدراسة، وقضاء الشباب وقتًا أطول على الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي، بدل تخصيصه للزيارات العائلية.
ويعتقد أن هذه التحولات أثرت في علاقة الجيل الجديد ببيوت الجدود، بعدما كانت مكانًا يلتقي فيه أفراد الأسرة دوريًا ويتبادلون تفاصيل حياتهم بصورة مباشرة.
المنزل بقي واللقاءات تفرقت
يرى وسيم تبلو، البالغ من العمر 27 عامًا، أن انتظام الاجتماعات العائلية كان مرتبطًا بالأشخاص أكثر من ارتباطه بالمنزل نفسه.
ويتذكر أن بيت جده كان يستقبل لقاءً أسبوعيًا يجمع أبناء الخالات والأخوال، يمضون خلاله الليل معًا ويلعبون في «أرض الديار» المحيطة بالبيت، وسط نباتات الزينة وشجرة الليمون التي كانت جدته تعتني بها.
وكان خاله يتولى دعوة إخوته وأفراد الأسرة أسبوعيًا، حتى أصبحت الزيارة موعدًا ثابتًا ينتظره الجميع.
لكن اللقاءات بدأت تتراجع بعد وفاة اثنين من أخواله، ثم تقلصت بصورة أكبر بعد وفاة جده، حتى أصبحت تقتصر على مناسبات متباعدة.
ولا يحدد وسيم سببًا واحدًا لهذا التغير، لكنه يرى أن رحيل الأشخاص الذين كانوا يتولون جمع أفراد الأسرة بدّل شكل العلاقة بين أفرادها، رغم استمرار وجود المنزل الذي كان يحتضن لقاءاتهم.
برغل ولبن وطريق بين البساتين
رغم تراجع الزيارات، بقيت تفاصيل صغيرة من بيوت الجدود حاضرة في ذاكرة من عاشوها.
يتذكر عامر حيدر جلسات الطعام التي كانت تجمع أفراد العائلة حول أطباق بسيطة، أبرزها «البرغل واللبن» الذي كانت تعده جدته، إلى جانب ساعات اللعب مع أبناء العمومة بين الأشجار والكروم المحيطة بالمنزل.
كما يستعيد الطريق الذي كان يسلكه الأطفال للوصول إلى بيت الجد، مرورًا بمنطقة «اللَّوان» والسكة، ثم «موتور المي» الذي كان معلمًا معروفًا في المنطقة، قبل متابعة السير بين بساتين المشمش والدراق المحيطة بالمدينة.
ويرتبط حضور تلك المرحلة في ذاكرته، بحسب قوله، بما وفرته من لقاء متكرر مع الأقارب، لا بالمكان وحده، إذ كان الأطفال يكبرون وهم يعرفون أبناء عمومتهم وخؤولتهم ويمضون معهم أوقاتًا طويلة.
أما وسيم، فاحتفظ بصورة جدته وهي تهيئ أرض الديار قبل حضور العائلة، وبالليالي التي كان يمضيها مع أقاربه في منزل جده، قبل أن تتحول هذه الاجتماعات إلى ذكريات مرتبطة بأشخاص رحلوا.
جيل يسمع الحكايات
لم تتح الفرصة لجميع أبناء الجيل الجديد لتكوين ذكريات مماثلة.
تقول شام جمال الدين، البالغة من العمر 15 عامًا، إن أجدادها توفوا قبل أن تتمكن من معرفتهم أو زيارة منزلهم بصورة منتظمة، ولذلك لم تعش تجربة بيت الجد كما عاشها والداها وأقاربها.
وتسمع شام من أفراد عائلتها قصصًا عن الاجتماعات التي كانت تقام في بيت الجدة، والليالي التي كان يمضيها أبناء العائلة معًا، والأنشطة والتفاصيل التي كانت ترافق تلك الزيارات.
وتقول لعنب بلدي إن هذه الحكايات جعلتها تتمنى لو خاضت التجربة بنفسها، إذ تعرف بيت الجد من روايات أهلها أكثر مما تعرفه من تجربة شخصية.
وهكذا أصبح المنزل جزءًا من ذاكرتها العائلية المنقولة، رغم أنها لم تزره ولم تعش الاجتماعات التي ارتبطت به.