مع كل ارتفاع جديد في سعر الدولار، تتسع في داريا الفجوة بين ما تكسبه الأسر وما تحتاجه للإنفاق اليومي.
ولا يظهر هذا الأثر في نشرات الصرف فقط، بل ينعكس سريعًا على أسعار الخضروات والمواد الغذائية، وعلى كلفة العمل لدى أصحاب المهن، وعلى قدرة السكان على تغطية الاحتياجات الأساسية.
وتكشف شهادات عاملين وأصحاب مهن وتجار التقتهم عنب بلدي في داريا أن تغير سعر الصرف بات حاضرًا في كل تفصيل معيشي تقريبًا، من إيجار المنزل، إلى ثمن مواد العمل، إلى كلفة الطعام اليومي، في وقت لا تواكب فيه الأجور هذا الارتفاع، ولا تنخفض الأسعار بالسرعة نفسها عندما يتراجع الدولار.
دخل لا يكفي
ينعكس هذا الضغط مباشرة على حياة محمد غنوم، العامل في قطاع الإكساء، والذي يعيل زوجته وطفليه.
وحتى عندما يصل دخله الشهري إلى مليونين ونصف المليون ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 200 دولار، فإن المبلغ لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل مصاريف معيشية يستهلكها السكن والطعام وبقية الالتزامات اليومية.
وبحسب تقديره، تحتاج الأسرة إلى نحو ألف دولار شهريًا حتى تعيش بشكل جيد، لا سيما أن إيجار المنزل وصل إلى 300 دولار.
ويضيف أن الأسعار في السوق لا تحتسب دائمًا وفق سعر النشرة الرسمية، بل ترفع أحيانًا فوقها، وحين ينخفض الدولار لا ينعكس ذلك بالسرعة نفسها على أسعار البيع، بحجة أن البضائع اشتريت سابقًا بسعر أعلى.
ويعكس كلام محمد واحدة من أكثر الشكاوى تكرارًا بين السكان، وهي أن الأسعار تتجاوب سريعًا مع ارتفاع الدولار، لكنها تتباطأ عند انخفاضه، ما يجعل المستهلك في الطرف الأضعف دائمًا.
الكلفة ترتفع على أصحاب المهن والزبائن
الأثر نفسه يطال أصحاب المهن في داريا.
مهند كساح، وهو كهربائي، قال إن بعض المواد التي يستخدمها في عمله ارتفع سعرها من 1.10 دولار إلى دولارين، ما رفع كلفة الأعمال المنفذة على الحرفي والزبون معًا.
هذا الارتفاع، بحسب قوله، انعكس مباشرة على قيمة فواتير المواد التي يحصل عليها من التجار، إذ زادت كلفة بعض التعهدات التي ينفذها بما لا يقل عن 100 دولار، بينما لم تعد قدرة الزبائن على الدفع كما كانت من قبل.
ومع تفاوت أجور الكهربائيين واشتداد المنافسة بينهم، صار تنفيذ بعض التعهدات أصعب في سوق أضعف من السابق.
ورغم أن كساح يسكن في منزل يملكه، فإنه يدفع إيجار محل عمله، إلى جانب تكاليف المهنة وتقلبات التسعير.
كما يوضح أن اعتماد عدد كبير من التجار على البيع بالدولار يضطره أحيانًا إلى تسديد بعض الفواتير بالدولار مباشرة، ما يضيف عبئًا جديدًا على أصحاب المهن الذين يتقاضى كثير منهم أجورهم بالليرة السورية.
الخضروات والمواد الغذائية أول ما يلمسه الناس
في السوق اليومي، يظهر الغلاء بسرعة أكبر في الخضروات والمواد الغذائية.
أحمد ناعمة، وهو صوّاج سيارات ويعيش في منزل مستأجر، وصف الأسعار بأنها مرتفعة جدًا، ولا سيما في السلع التي يحتاجها البيت بشكل يومي.
وخلال أسبوع واحد فقط، قفز سعر كيلو البندورة من 13 ألف ليرة إلى ما بين 17 ألفًا و20 ألف ليرة. ولا يقتصر الأمر على الزيادة نفسها، بل يشمل أيضًا تفاوتًا واضحًا بين محل وآخر، مع تبريرات تتكرر حول الجودة أو ارتفاع الكلفة.
وبالنسبة إليه، فإن الواقع في السوق لا يشبه الكلام المتداول عن الضبط والرقابة، إلى درجة يقول معها إن تدبير أموره المعيشية لم يعد ممكنًا من دون مساعدة أبنائه.
التجار: المستهلك هو الحلقة الأضعف
في المقابل، يرى عمار يحيى، وهو صاحب محل لبيع المواد الغذائية بالجملة، أن المتضرر الأكبر من ارتفاع الدولار هو المستهلك، لأن التاجر يبيع وفق سعر السوق والنشرة، بينما يبقى المشتري هو من يتحمل النتيجة النهائية لارتفاع سعر الصرف.
ويظهر ذلك بوضوح أكبر في مواد مثل السمنة والزيت والسكر، وهي من السلع الأكثر تأثرًا بالدولار، لارتباطها بالاستيراد والشراء بهذه العملة.
ونتيجة لذلك، لم تعد كثير من الأسر تشتري بالكميات نفسها، بل باتت تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، وتعيد ترتيب أولوياتها بحسب الدخل المتاح.
ولا يقتصر الضغط على المواد المستوردة أو المرتبطة بالدولار مباشرة، فأحد باعة الخضار أرجع جزءًا من ارتفاع الأسعار إلى صعوبة تأمين بعض الأصناف، مع جلبها من الساحل السوري في ظل نقص الإنتاج هناك، ما يرفع كلفة النقل والتوريد وينعكس مباشرة على سعر البيع في داريا.
أسعار السوق
بحسب رصد لأسعار السوق في داريا بتاريخ 12 نيسان 2026، بلغ سعر صرف الدولار 12850 ليرة سورية، فيما سجلت بعض المواد الأساسية الأسعار التالية:
• البطاطا: 8000 ليرة
• البندورة: 17500 ليرة
• السمنة: 31000 ليرة للكيلو
• الزيت: 25000 ليرة للتر
• الرز المصري: 11500 ليرة للكيلو
• شرحات الدجاج: 65000 ليرة للكيلو
• لحم الخاروف: 280000 ليرة للكيلو
وتوضح هذه الأسعار حجم الفجوة بين الدخل والإنفاق، خاصة لدى الأسر التي تعتمد على دخل يومي أو راتب محدود، في وقت لم تعد فيه المواد الأساسية نفسها في متناول كثيرين بالكميات التي كانت تشترى سابقًا.
ضغط يتسع
تكشف شهادات السكان في داريا أن ارتفاع الدولار لا ينحصر في نشرات الصرف، بل ينتقل سريعًا إلى أسعار الغذاء، وكلفة المواد، وأجور المهن، وحجم المشتريات اليومية.
ولا تبدو المشكلة، بحسب من التقتهم عنب بلدي، مرتبطة بسلعة واحدة أو مهنة واحدة، بل بسلسلة مترابطة تبدأ من سعر الصرف، وتمر عبر التوريد والتسعير، وتنتهي عند قدرة الأسرة على الشراء.