من البساتين إلى الكتل الإسمنتية.. كيف أعادت مخططات التنظيم رسم داريا

جزء من المخطط التنظيمي لمدينة داريا 2026

من يقف اليوم على أطراف منطقة «الخليج»، أو يسير في شارع الثورة وسط داريا، قد يصعب عليه تخيل أن مساحات واسعة حول المدينة كانت قبل عقود كروم عنب وبساتين متصلة، وأن الكتلة العمرانية التي امتدت لاحقًا في أكثر من اتجاه كانت تتجمع يومًا حول حارات ضيقة وساحة يتوسطها الجامع الكبير.

لم تتغير داريا بالحرب وحدها، فقبل الدمار الذي أصاب أجزاء واسعة منها بعد عام 2011، مرت المدينة بنحو نصف قرن من التوسع العمراني والمخططات التنظيمية وضوابط البناء، رافقتها زيادة في السكان وتراجع في المساحات الزراعية، إلى جانب قرارات إدارية واستثناءات وصراعات نفوذ تركت أثرها على شكل المدينة.

وتظهر الخرائط القديمة لداريا نواة عمرانية صغيرة تحيط بها مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، قبل أن تبدأ الكتلة الإسمنتية بالتمدد تدريجيًا فوق البساتين وفي المناطق الواقعة خارج مركز البلدة القديم.

وتستعيد عنب بلدي في هذا التقرير جانبًا من تاريخ هذا التحول، مستندة بصورة أساسية إلى رواية المهندس محمد مظهر شربجي، المتابع للواقع العمراني في المدينة وصاحب خبرة طويلة في العمل الهندسي والنقابي، وإلى روايات محلية ومعلومات من قوانين التخطيط ومصادر رسمية ودراسات متخصصة.

داريا القديمة.. «الشمالى» و«القبالى»

في ذاكرة أهل داريا، كانت البلدة القديمة تنقسم إلى منطقتين رئيستين: الحارة الشمالية، أو «الشمالى»، والحارة القبلية، المعروفة باسم «القبالى».

وكان شارع الوحدة، الذي يرجع شربجي افتتاحه إلى أواخر خمسينيات القرن الماضي خلال فترة الوحدة بين سوريا ومصر، من المحاور التي فصلت بين الامتدادين.

أما خارج هذه النواة، فكانت البساتين تبدأ سريعًا.

يتذكر شربجي أن الطريق بين داريا ومعضمية الشام في ستينيات القرن الماضي كان ترابيًا، ولا تنتشر على جانبيه سوى دور قليلة وأبنية متفرقة وسط المزارع.

وتظهر خريطة تعود إلى عام 1968، منشورة ضمن دراسة عن التركيبة العقارية في داريا، كتلة سكنية محدودة تحاصرها الأراضي الزراعية من معظم الجهات.

وفي داخل البلدة، ربطت الحارات الضيقة بين البيوت والتجمعات السكنية، بينما كانت ساحة الجامع الكبير إحدى أبرز نقاط اللقاء.

ويشبّه شربجي تكوين داريا في تلك المرحلة بالقرى القديمة التي تتشكل حياتها حول ساحة مركزية، لكن النموذج المحلي كان يتكون من الجامع والمقهى والدكاكين القريبة.

إلى جانب الجامع الكبير، كان مقهى البلدة ودكان «ديب البيك» جزءًا من المشهد اليومي، وكان الأهالي ووجهاء البلدة يجتمعون في المنطقة لتبادل الأخبار ومتابعة شؤون الزراعة والتجارة.

ويقول شربجي إن مئذنة الجامع الكبير تعود إلى أكثر من 300 عام، ويرى في طرازها عناصر تعود إلى العهدين الأيوبي والمملوكي.

البيت الداراني.. طين وخشب وكرمة عنب

كانت بيوت كثيرة في داريا القديمة تبنى من الطين والتبن، بينما تقوم الأسقف على أخشاب تغطى بطبقة أخرى من الطين.

وساعدت هذه المواد على توفير عزل طبيعي، يحتفظ بالدفء شتاء ويخفف الحرارة صيفًا.

وفي الداخل، توزعت الغرف حول فناء مفتوح، لم يكن مجرد مساحة للجلوس، بل جزءًا من الحياة المنزلية والزراعية.

ويقول شربجي إن الأشجار المثمرة كانت حاضرة في معظم البيوت، وإن كرمة العنب خصوصًا كانت جزءًا مألوفًا من البيت الداراني.

لكن هذا الشكل بدأ يتراجع مع انتشار الإسمنت وزيادة السكان وارتفاع قيمة الأراضي، لتحل الأبنية متعددة الطوابق تدريجيًا محل جانب من البيوت القديمة.

وفي الوقت نفسه، بدأت المدينة تخرج من حدودها التقليدية نحو الأراضي الزراعية المحيطة بها.

1973.. أول مخطط تنظيمي

بدأ التحول المنظم بصورة أوضح في السبعينيات.

وتشير دراسة متخصصة في التركيبة العقارية لداريا إلى أن أول مخطط تنظيمي للمدينة يعود إلى عام 1973، وهي المرحلة التي يربط بها شربجي أيضًا بداية التخطيط الحديث للبلدة.

وجاء ذلك بالتزامن مع تغيرات تشريعية في سوريا، بينها قانون الإدارة المحلية في بداية السبعينيات، ثم قانون تقسيم وعمران المدن رقم 9 لعام 1974، الذي وضع قواعد للمخططات العامة والتفصيلية وتنظيم الأراضي.

ويقول شربجي إن بلدية داريا لم تكن تمتلك حينها جهازًا هندسيًا قادرًا على إعداد مخطط متكامل بصورة مستقلة، لذلك لعبت الجهات المركزية في دمشق الدور الأساسي في التخطيط، بينما انحصر دور البلدية بدرجة أكبر في المتابعة وتقديم الملاحظات.

ويرى أن هذا البعد عن المصالح المحلية كان يمنح المخططات الأولى قدرًا أكبر من الانضباط الفني، حتى لو لم تكن الجهات المركزية تعرف كل تفاصيل حياة المدينة.

تنظيم الموجود قبل التوسع

بحسب شربجي، لم يكن مخطط السبعينيات محاولة لإقامة مدينة جديدة، بقدر ما كان تثبيتًا وتنظيمًا للواقع الموجود.

شمل المخطط الحارتين الشمالية والقبلية، وشارعي الثورة والوحدة، وطريق المعضمية، وحارة المسيحية، وحارة الخولاني، وفتح المجال أمام الأبنية الطابقية ضمن الكتلة القديمة.

وكانت ضابطة البناء تراعي صغر العقارات وتشابكها داخل البلدة.

ويتذكر شربجي أن بعض العقارات التي تتراوح مساحتها بين 100 و300 متر مربع كان يمكن البناء على نحو ثلثي مساحتها، بينما تراوحت النسب في مناطق التوسع بين 50% و60%، مع اختلاف الوجائب والبروزات بحسب عرض الشارع وموقع العقار.

ومع مرور الوقت، أخذ عرض الطريق نفسه يلعب دورًا في تحديد ارتفاع الأبنية.

الطريق يحدد عدد الطوابق

بحسب شربجي، ربطت ضابطة البناء في مرحلة لاحقة عدد الطوابق المسموح بها بعرض الشارع.

ففي الشوارع بعرض 12 مترًا كان يسمح بثلاثة طوابق، وفي الشوارع بعرض 16 مترًا بأربعة، بينما يسمح في الشوارع الرئيسة بعرض 20 مترًا بخمسة طوابق، إضافة إلى محال تجارية في الطابق الأرضي.

وانطبق النموذج الأخير على عدد من المحاور الرئيسة، بينها شارع الثورة وطريق دمشق حتى ساحة شريدي وشارعا الوحدة والبلدية.

ومع ذلك، لم يكن توسع المدينة مجرد تطبيق لضابطة هندسية.

فخلال العقود التالية، بدأت المصالح المحلية والصراعات السياسية والحزبية تدخل بصورة أكبر إلى ملف التنظيم، وفق رواية شربجي.

عندما دخل النفوذ إلى المخطط

يربط شربجي بين تطور الإدارة المحلية في داريا وبين صراعات داخل المجلس البلدي، ولا سيما في الثمانينيات والتسعينيات.

ويرى أن الولاءات الحزبية والعائلية أثرت في بعض القرارات المتعلقة بالشوارع والمرافق والاستملاك، وأن المجتمع المحلي لم يكن شريكًا حقيقيًا في وضع المخطط أو مناقشته.

وبحسب روايته، لم تعد الرؤية الهندسية في بعض الحالات هي العامل الوحيد الذي يحدد شكل المدينة، إذ بدأت تدخل حسابات مرتبطة بالنفوذ والعلاقات الشخصية.

ويورد شربجي عدة أمثلة بقيت في الذاكرة المحلية على هذا النوع من التدخل.

حمام داريا.. معلم اختفى

من أبرز الخسائر التي يتوقف عندها شربجي هدم حمام داريا القديم.

ويصفه بأنه كان معلمًا أثريًا مهمًا، ويربط بعض طبقاته بتاريخ قديم يمتد إلى عصور متعددة.

وبحسب روايته، هُدم الحمام في بداية الثمانينيات، وأقيم على موقعه لاحقًا بناء حديث.

ولا تتوفر لعنب بلدي وثائق أثرية منشورة تكفي لتأريخ مبنى الحمام بكل مراحله، لكن المنطقة المعروفة باسم «حارة الحمام» نفسها تضم طبقات أثرية قديمة، وسبق أن ظهرت فيها مكتشفات تعود إلى العصرين الروماني والبيزنطي.

وبالنسبة إلى شربجي، لم يكن هدم الحمام مجرد فقدان بناء قديم، بل مثالًا مبكرًا على تعامل المدينة مع تراثها العمراني من دون رؤية تحفظه داخل التوسع الحديث.

من «مخطط الثمانينيات» إلى توسعة 1993

يتذكر شربجي أن التوسع بدأ عمليًا منذ الثمانينيات باتجاه أطراف المدينة، ومنها المنطقة القريبة من مؤسسة الكهرباء الحالية وطريق داريا- معضمية الشام.

لكن المصادر التي أمكن تدقيقها تضع محطة واضحة في عام 1993، حين توسع المخطط التنظيمي رسميًا.

وهذا يجعل الأدق الحديث عن مسار توسع بدأ قبل ذلك، ثم أخذ صيغة تنظيمية واضحة مع توسعة 1993.

ويقول شربجي إن المدينة توسعت قبل استكمال تنفيذ المخطط السابق، ويشير إلى معيار كان معمولًا به، وفق خبرته، يقضي بألا يجري التوسع قبل تنفيذ نحو 70% من المخطط القائم.

ولا تظهر هذه النسبة كقاعدة قانونية عامة في قانون عام 1974، وتبقى أقرب إلى معيار تخطيطي كان يستخدم في بعض الجهات والمراحل، وفق ما يرويه.

قضية عائلة «قصاص»

من الأمثلة التي يستعيدها شربجي وعدد من أبناء المدينة قضية عائلة «قصاص».

وبحسب هذه الروايات، دخلت العائلة في خلافات مع جهات نافذة في الإدارة المحلية، ثم صنفت أجزاء من أراضيها لاحقًا ضمن الخدمات والمنافع العامة.

ويقع جزء من هذه الملكيات، وفق الروايات المحلية، ضمن موقع الحديقة العامة خلف المخفر وأرض المركز الثقافي.

ويقول من عاصروا القضية إن أفراد العائلة خاضوا نزاعات قضائية طويلة بشأن الاستملاك والتعويض.

التسعينيات.. الإسمنت يزحف نحو البساتين

يصف شربجي التسعينيات بأنها من أسوأ المراحل عمرانيًا في داريا، ولا سيما خلال فترة تولي علي زيود منصب محافظ ريف دمشق.

ويقول إن الموافقات والاستثناءات توسعت في تلك المرحلة، وإن منشآت كثيرة بدأت تظهر فوق أراضٍ كانت زراعية.

وتتوافق الصورة العامة مع دراسات لاحقة تصف التوسع العمراني في داريا بأنه تجاوز حدود المخطط واتجه نحو البساتين والمناطق الزراعية المحيطة بها.

وبحسب شربجي، كانت بعض الأراضي تحصل على موافقة محدودة لإقامة «غرفة زراعية»، ثم تتحول في بعض الحالات، مع ضعف الرقابة والفساد والرشاوى، إلى منزل أو معمل أو مطعم أو منشأة تجارية.

وبالتدريج، لم يعد الإسمنت موجودًا داخل حدود البلدة القديمة فقط، بل بدأ يأكل أجزاء من الحزام الأخضر.

المخالفة تتحول إلى حي دائم

لم يكن البناء العشوائي في داريا منفصلًا عن مشكلة أوسع عرفتها مدن سورية كثيرة.

فمع ارتفاع الطلب على السكن وبطء تنفيذ المخططات، توسعت تجمعات مخالفة، ثم دخلت إليها المياه والكهرباء والخدمات.

ويرى شربجي أن هذا الأسلوب ساعد على تثبيت المخالفات بدل حلها، لأن البناء الذي بدأ خارج التنظيم أصبح بمرور السنوات حيًا يسكنه الناس ويتلقى الخدمات.

ويعيد شربجي جزءًا من هذه السياسة إلى قرارات اتخذت منذ بداية الثمانينيات لتخديم المناطق المخالفة.

أما دوافع هذه القرارات وعلاقتها بكسب الولاءات، فتبقى ضمن قراءته للسياق السياسي في تلك المرحلة.

اللجنة الإقليمية.. القرار يقترب من المحافظة

مع توسع صلاحيات المحافظات واللجان الإقليمية في ملفات التخطيط، تغير مركز القرار.

ويرى شربجي أن نقل جانب من الصلاحيات من المركز إلى المحافظة لم يؤد دائمًا إلى تخطيط أكثر قربًا من الناس.

فالمحافظ، بحسب وصفه، أصبح قادرًا على التأثير بصورة كبيرة في تعديلات المخططات، رغم أن منصبه لا يشترط تخصصًا هندسيًا أو تخطيطيًا.

ويقول إن هذه البنية فتحت المجال أمام تدخلات سياسية وأمنية وشخصية في بعض القرارات.

ويستعيد شربجي شارع الكورنيش مثالًا على شكل هذه التدخلات.

فالتصور الهندسي، بحسب روايته، كان يقوم على تناظر الأرصفة وأعمدة «الأركاد» على جانبي الطريق.

لكن التنفيذ انتهى إلى «أركاد» في جهة واحدة فقط، بينما خلت الجهة الأخرى منها.

ويرى شربجي أن الأمر لم يكن له مبرر هندسي، بل نتج عن تدخلات غيرت التصور الأصلي.

«اتصال يغير شارعًا»

يقول شربجي إن الأمر لم يكن يقتصر دائمًا على تفاصيل صغيرة.

وخلال عمله الهندسي، يتذكر حالات كان فيها اتصال من مسؤول رفيع أو وزير أو رجل أعمال أو ضابط أمني قادرًا على تغيير شارع في مخطط تنظيمي.

ويورد مثالًا من منطقة الصبورة بريف دمشق، يقول إن شارعًا تنظيميًا ألغي لحماية حدود مزرعة تعود لشخصية نافذة.

وفي داريا، يروي مصدر محلي مطلع لعنب بلدي أن أحد رؤساء البلدية السابقين عمل على تعديل مسار الطريق بين داريا ومعضمية الشام بحيث يمر بالقرب من منزله، إضافة إلى ضم جزء من ملك عام إلى العقار.

خمسة مهندسين يبحثون عن مخطط جديد

في أواخر التسعينيات، بدأت محاولة جديدة لمعالجة توسع المدينة.

ويقول شربجي إن لجنة من خمسة مهندسين تشكلت، وضمت إلى جانبهم أعضاء في المجلس المحلي ومهندسين من أبناء داريا.

وعلى مدى نحو ستة أشهر، اجتمعت اللجنة بصورة دورية داخل البلدية، وناقشت نمو المدينة والهجرة إليها والحاجة إلى توسيع المخطط.

ثم رفع المقترح إلى الجهات المعنية، ودخل في سنوات من المراجعة قبل الوصول إلى الدورة التنظيمية الجديدة في مطلع الألفية.

2005.. المدينة تتوسع مرة أخرى

في عام 2005، صدر المخطط التنظيمي العام الأخير لداريا، وفق الدراسة المتخصصة في التركيبة العقارية للمدينة.

وسع المخطط الحدود باتجاه مناطق جديدة، ويذكر شربجي بينها الكورنيش والفرن الآلي وبداية طريق المعامل وطريق جامع الفارس والخليج وأجزاء من فشوخ والمراح.

لكن صدور المخطط لم يكن يعني أن هذه المناطق أصبحت جاهزة للبناء فورًا.

فالمرحلة التالية، وهي إعداد المخططات التفصيلية وتنفيذ الطرق والمرافق وحل مشكلات الملكيات، احتاجت سنوات.

وتشير المصادر إلى تصديق مخططات تفصيلية لأجزاء من التنظيم عام 2010.

تنظيم “على الورق»

هذا الفارق بين المخطط والتنفيذ يظهر بوضوح في مناطق مثل الخليج والمراح.

فوجود الأرض داخل حدود التنظيم لا يعني وحده أن صاحبها يستطيع الحصول على رخصة والبناء.

تحتاج المنطقة إلى طرق ومقاسم وتحديد للمرافق وتسوية للملكيات وإفرازات عقارية.

وبحسب شربجي، بقيت مناطق واسعة عالقة بين وجودها على الخريطة وبين غياب الظروف العملية التي تسمح باستثمارها.

وهكذا ظهرت مفارقة عمرانية رافقت داريا سنوات: مناطق «منظمة» رسميًا، لكنها ما تزال أقرب في واقعها إلى أراضٍ معلقة تنتظر تنفيذ التنظيم.

سكة القطار.. أرض لا يمكن استثمارها

من المشكلات التي يتذكرها شربجي حرم سكة القطار.

ويقول إن المخطط فرض حرمًا واسعًا على جانبي المسار، ما أثر في ملكيات عدد كبير من الأهالي ومنع استثمار أجزاء منها.

ومع تراجع استخدام السكة، شعر أصحاب الأراضي بأن ملكياتهم بقيت مجمدة من دون أن تحقق المنشأة العامة التي فرض الحرم من أجلها استخدامًا يتناسب مع حجم الضرر.

«التوزيع الإجباري» الذي لم يصل إلى داريا

يرى شربجي أن أحد الحلول التي كان يمكن أن تغير شكل داريا هو «التوزيع الإجباري».

ويقوم هذا النظام على التعامل مع منطقة كاملة كوحدة واحدة.

تقدّر حقوق جميع المالكين، ثم يعاد رسم الأرض إلى شوارع وحدائق ومدارس ومرافق ومقاسم سكنية، وبعدها يحصل أصحاب الحقوق على حصص في المقاسم الجديدة بدل بقاء كل عقار بالشكل القديم نفسه.

ويقول شربجي إن هذا النظام طُبق في مناطق مجاورة مثل صحنايا وجديدة عرطوز، ويرى أنه أنتج هناك شوارع ومقاسم أكثر انتظامًا.

ويشير إلى أن المساحات المخصصة للشوارع والمرافق بلغت في بعض الحالات التي عاينها بين 40% و45%، بينما عادت البقية إلى أصحاب الحقوق في صورة مقاسم صافية.

ولا تمثل هذه النسبة قاعدة ثابتة لجميع حالات التنظيم، إذ تختلف بحسب المخطط والاحتياجات العامة.

وبرأي شربجي، فإن عدم معالجة أجزاء واسعة من داريا بالطريقة نفسها أبقى العقارات القديمة المتداخلة والممتدة والملكيات المشتركة بين عدد كبير من الورثة، ثم أضيفت إليها الطرق والمرافق من دون حل جذري للبنية العقارية نفسها.

«مقام سكينة».. قصة من مرحلة لاحقة

كان الربط بين ما عرف باسم «مقام سكينة» وإدارات البلدية في الثمانينيات يحتاج إلى تصحيح زمني.

فالمصادر المتاحة تضع بداية ظهور المشروع بالشكل المعروف لاحقًا بين أواخر التسعينيات ومطلع الألفية.

وتشير دراسة لمركز حرمون إلى ظهور لافتة تشير إلى «مقام السيدة سكينة» في الموقع عام 1999، في حين تضع مصادر أخرى بداية تشييد البناء الكبير عام 2003.

ويربط شربجي المشروع بتوسع النفوذ الإيراني في المدينة، ويقول إنه حظي بدعم سياسي وأمني، ويرى أنه لم يكن مجرد إنشاء ديني، بل جزءًا من بناء حضور اجتماعي وسياسي جديد.

وتتحدث روايات محلية أخرى عن شراء عقارات في محيط الموقع وتزايد حركة الزوار الإيرانيين إليه قبل عام 2011.

العمليات العسكرية تغير كل شيء

كانت داريا قد دخلت عام 2011 وهي تحمل أصلًا مشكلات تنظيمية وعقارية لم تحسم.

ثم جاءت العمليات العسكرية التي رافقت الثورة السورية لتضيف إليها دمار الأبنية، وتجريف مناطق، وتضرر شبكات المياه والصرف والكهرباء والطرق، وغياب أصحاب العقارات سنوات طويلة.

وهكذا لم تعد المسألة تتعلق فقط بكيفية تنظيم مدينة توسعت فوق البساتين، بل بكيفية إعادة بناء مدينة دمرت أجزاء كبيرة منها، من دون خسارة حقوق أصحاب الأراضي والمنازل.

وفي كانون الثاني 2026، عرضت وزارة الأشغال العامة والإسكان ونقابة المهندسين نتائج تجربة مسح ميداني في داريا شملت نحو خمسة آلاف مبنى وتوثيق قرابة 15 ألف حالة، ضمن أعمال تقييم الأضرار الإنشائية.

كما تحدثت الجهات المحلية خلال العام نفسه عن حاجة أجزاء واسعة من شبكة الصرف الصحي داخل المخطط وخارجه إلى إعادة التأهيل أو الاستبدال.

وفي عام 2025، زار وفد من وزارة الإدارة المحلية والبيئة والوكالة الألمانية للتعاون الدولي المدينة لتقييم احتياجات المناطق المتضررة، وكان إثبات الملكية من المشكلات التي طُرحت ضمن ملف عودة السكان.

قبل إزالة الأنقاض.. لمن البيت؟

في عام 2026، دخلت مناطق متضررة من داريا ضمن إجراءات القانون رقم 3 لعام 2018، الخاص بحصر الأضرار وتنظيم التعامل مع الأبنية المهدمة والأنقاض.

وتكشف هذه الإجراءات أن إزالة الركام ليست الخطوة الأولى دائمًا.

فقبل ذلك يجب تحديد صاحب العقار، وتوصيف البناء، وحصر الحقوق، ثم معرفة ما إذا كان الموقع سيعاد بناؤه كما كان أو سيدخل ضمن مخطط جديد.

وفي مناطق مثل الخليج، يصبح هذا السؤال أكثر تعقيدًا، لأن المشكلة لم تبدأ مع الدمار وحده، بل كانت مرتبطة أصلًا بالتنظيم والملكية قبل الحرب.

مشاريع إعادة التنظيم ليست جديدة

بدأ التفكير في إعادة تنظيم المناطق المتضررة في داريا قبل سقوط نظام الأسد.

ففي عام 2018، أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان عن إعداد حلول تخطيطية لبعض مناطق المدينة المتضررة.

وفي عام 2020، تحدثت الوزارة عن دراسات تفصيلية لأربع مناطق، تضمنت معالجة السكن العشوائي والتوسع الشاقولي وحقوق المالكين، إلى جانب مناطق تجارية واستثمارية.

وبذلك يأتي أن النقاش الجاري اليوم حول مستقبل المناطق المهدمة بعد سنوات من تصورات ومشاريع لم تصل إلى تنفيذ يعيد السكان إلى بيوتهم.

تحذير من نموذج «ماروتا»

أكثر ما يقلق المهندس مظهر شربجي في إعادة الإعمار هو تحول صاحب المنزل إلى مالك سهم لا يعرف متى يتحول إلى بيت.

ويستشهد بتجربتي «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي» في دمشق، اللتين قامت آليتهما على إعادة تنظيم الأرض وتحويل حقوق المالكين إلى حصص سهمية في المشروع.

ويرى أن النموذج قد يكون مناسبًا من الناحية الاستثمارية، لكنه يصبح خطرًا على صغار المالكين إذا لم يعرفوا منذ البداية ما الذي سيحصلون عليه وموعد حصولهم عليه.

ولا يبتعد هذا الملف عن داريا، فالمنطقة التنظيمية الثانية التي أحدثها المرسوم 66 لعام 2012 جنوب المتحلق الجنوبي تشمل أجزاء من المنطقة العقارية لداريا، إلى جانب أجزاء من المزة وكفرسوسة وقنوات بساتين والقدم.

وبعد سقوط النظام، أعيد فتح ملف إثبات الحقوق والاعتراضات في هذه المناطق.

«لا تعطِني سهمًا لا أعرف قيمته»

بالنسبة إلى شربجي، يبدأ التنظيم المقبول بحق واضح للمالك.

فإذا كان المواطن يملك منزلًا أرضيًا داخل منطقة ستزال ويعاد بناؤها، فيجب أن يعرف منذ البداية ما الذي سيحصل عليه في المشروع الجديد، شقة؟ مقسم؟ مساحة معينة؟ أم قيمة مالية واضحة؟

ويرفض أن يبقى حقه مجرد أسهم مجهولة القيمة والمصير.

كما يرى أن السكن البديل يجب أن يكون جزءًا من أي مشروع تنظيم، لأن إعادة الإعمار قد تستغرق سنوات، ولا يمكن مطالبة السكان بترك بيوتهم وتحمل الإيجارات طوال مدة التنفيذ.

البناء إلى الأعلى بدل تغطية الأرض

يقترح شربجي أيضًا تغيير نموذج البناء، فبدل الأبنية المتلاصقة التي تغطي معظم العقار وترتفع أربعة أو خمسة طوابق، يرى إمكان الاتجاه في بعض المناطق إلى البناء الشاقولي.

أبراج أعلى، لكن على مساحة أصغر من الأرض، مقابل ترك مساحات أكبر للحدائق والشوارع والمواقف.

ويستشهد بنماذج شاهدها في إسطنبول، حيث تتجمع الوحدات السكنية في مبانٍ مرتفعة وتبقى حولها مساحات مفتوحة.

ويرى أن هذا النموذج يمكن أن يساعد على تنفيذ شبكات المياه والصرف والكهرباء بصورة أفضل، ويتيح إنشاء أبنية حديثة وفق شروط أكثر ملاءمة للسلامة ومقاومة الزلازل.

لكن ارتفاع البناء لا يعني تلقائيًا تخطيطًا أفضل.

فالمزيد من الشقق يعني مزيدًا من السكان والسيارات واستهلاك المياه والكهرباء والضغط على الصرف الصحي.

ولهذا، فإن زيادة الكثافة تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على تحملها، خصوصًا في مدينة ما تزال شبكاتها تعاني من أضرار واسعة.

الأهالي قبل الخريطة

يضع شربجي إشراك السكان في قلب أي مخطط جديد.

ويقول إن واحدة من مشكلات العقود السابقة كانت أن المخطط يأتي من الأعلى، ثم يُطلب من أصحاب الأراضي التكيف معه.

ويرى أن الاتجاه يجب أن ينعكس: يبدأ النقاش مع السكان وأصحاب الحقوق، ثم يحدد شكل التنظيم.

فالشارع الذي يرسم على الورق قد يمر داخل منزل، والحديقة قد تقع فوق أرض لعائلة، ونسبة البناء الجديدة يمكن أن ترفع قيمة عقار أو تخفضها.

لذلك، لا يرى شربجي أن المشاركة المجتمعية ترفًا، بل جزءًا من حل مشكلة الملكية نفسها.

ليس السكن وحده

لا يريد شربجي أن تكون إعادة إعمار داريا مجرد أبراج سكنية.

ويقترح استخدام بعض الأراضي لإقامة مشافٍ أو جامعات ومشاريع خدمية واستثمارية، على أن تعود منها منفعة مباشرة على سكان المدينة.

ويستشهد بتجربة جامعة القلمون، ويقترح منح أهالي داريا تخفيضات أو امتيازات في المشاريع التي تقام على أراضيهم.

كما يقترح تخصيص ما بين 3% و5% من أرباح بعض المشاريع لميزانية البلدية، بحيث تستخدم في خدمات الإنارة والنظافة والصرف الصحي.

ويقترح أيضًا منح أبناء المدينة تخفيضات قد تصل إلى 50% في بعض الخدمات.

مدينة صنعتها عوامل كثيرة

لم تتحول داريا من بيوت طينية وكروم عنب إلى مدينة إسمنتية بسبب قرار واحد أو مخطط واحد.

نمت أعداد السكان، وارتفعت قيمة الأرض، وتراجعت جدوى الزراعة في بعض المناطق، وظهرت المصانع والمتاجر، وزاد الطلب على السكن، ودخل الإسمنت إلى البساتين.

وفي الوقت نفسه، بقي تنفيذ المخططات متأخرًا في أجزاء من المدينة، ونشأت مخالفات حصلت لاحقًا على الخدمات، وتشابكت الملكيات بين الورثة، بينما يقول شربجي إن النفوذ الحزبي والأمني والشخصي تدخل أحيانًا في القرارات التي رسمت الطرق والمرافق.

ثم جاءت الحرب لتضيف طبقة جديدة من المشكلات: دمار وتجريف ونزوح وأنقاض وحقوق تحتاج إلى إعادة إثبات.

لهذا، فإن السؤال المطروح اليوم في داريا ليس فقط: كيف ستبنى الأبنية الجديدة؟

السؤال يبدأ قبل ذلك: لمن الأرض؟ وما حق صاحبها؟ وأين سيمر الشارع؟ وما الذي سيقتطع للمصلحة العامة؟ وأين سيعيش السكان خلال إعادة البناء؟ وهل تستطيع شبكات المياه والكهرباء والصرف والطرق تحمل ما سيبنى؟

وبالنسبة إلى شربجي، فإن فرصة داريا اليوم ليست في إعادة المدينة كما كانت حرفيًا، ولا في إزالة الماضي ووضع مشروع استثماري مكانه.

الفرصة، كما يراها، هي معالجة ما لم تستطع المخططات السابقة حله: ملكيات متداخلة، وطرق لم تنفذ، ومناطق دخلت التنظيم ولم تستفد منه، وأحياء نشأت خارج المخطط، وبنية تحتية ضعيفة.

صورة جوية لداريا من الأقمار الصناعية عام 1984 تظهر انتشار الكروم والبساتين والمساحات في غربي المدينة وشرقها (عنب بلدي – Google Earth)

صورة جوية لداريا من الأقمار الصناعية عام 2024 تظهر انحسار الغطاء الأخضر وتمدد الكتل الاسمنتية فيها (عنب بلدي – Google Earth)

 

 

مقالات ذات صلة

زراعة العنب في داريا.. هوية المدينة وأساس كرومها

بعدسة «أبو عبدو».. كيف تغيرت أعراس داريا في أربعة عقود

من «النقد» إلى «يوم الصمد».. كيف كان يكتمل «جهاز العروس» في داريا