من داريا إلى حقول ريف دمشق.. فلاحو المدينة يواصلون زراعة القمح

في حقل يمتد على نحو 25 دونمًا في منطقة أشرفية العباسي بريف دمشق، يقف المزارع الداراني نزار العزب قرب عماله، الذين يتناوبون على تلقيم آلة الدراسة بسنابل القمح المحصودة قبل أيام، فيما تتراكم الحبوب الذهبية في أكوام، ويتطاير التبن إلى الجهة الأخرى من الآلة، تمهيدًا لتعبئته ونقله علفًا للمواشي.

ورغم أن المشهد يبدو بعيدًا عن داريا، فإنه أصبح مألوفًا لكثير من فلاحي المدينة، الذين اتجهوا خلال سنوات التهجير وما بعدها إلى استئجار أراض زراعية في أشرفية العباسي وديرخبية ودروشا وغيرها من مناطق ريف دمشق الغربي والجنوبي، لزراعة القمح والشعير والمحاصيل التي تحتاج إلى مساحات واسعة، بعد أن ضاقت الأراضي الزراعية داخل داريا نتيجة التوسع العمراني وتجزؤ الملكيات.

لكن استمرار هذه الزراعة بات يواجه تحديات متزايدة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف مصادر الري، وعدم وضوح أسعار شراء القمح، وهي عوامل يقول المزارعون إنها تقلص هامش الربح عامًا بعد آخر، في وقت وثقت فيه عنب بلدي داريا خلال الأشهر الماضية شكاوى متكررة من المزارعين بشأن تراجع الموارد المائية، وارتفاع تكاليف الزراعة، وانحسار المساحات الخضراء داخل المدينة.

زراعة انتقلت خارج المدينة

يقول المزارع نزار العزب، من داريا، إن القمح ظل لعقود من أهم المحاصيل التي اشتهرت بها المدينة، غير أن واقع الزراعة تغير خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح لعنب بلدي أن كثيرًا من فلاحي داريا باتوا يعتمدون على أراضٍ خارج المدينة لزراعة المحاصيل الحقلية، لأن معظم الأراضي المتبقية داخل داريا لم تعد تسمح بزراعة القمح على مساحات اقتصادية.

وأضاف أن انتقال المزارعين إلى هذه المناطق بدأ خلال سنوات التهجير، واستمر بعد عودة قسم منهم إلى المدينة، إذ بقيت الأراضي التي استأجروها هناك مصدرًا رئيسيًا لإنتاج القمح والشعير.

ويقول إن هذا النمط أصبح شائعًا بين فلاحي داريا، فبينما يواصل كثير منهم زراعة الخضروات الموسمية داخل المدينة، تتجه زراعة القمح والشعير والمحاصيل الحقلية إلى الأراضي الواسعة في محيطها، حيث تتوفر مساحات تسمح بالعمل باستخدام الجرارات والحصادات وآلات الدراسة.

موسم يبدأ قبل أشهر

ولا تبدأ رحلة القمح مع الحصاد، بل قبل ذلك بأشهر.

ويشرح العزب أن المزارع يبدأ بحراثة الأرض وتسويتها، ثم يبذر البذار باستخدام الآلات الزراعية، قبل أن تبدأ مرحلة الري المنتظم.

ويضيف أن الأرض تحتاج إلى الري كل نحو 15 يومًا بحسب الظروف، مع متابعة مستمرة للمحصول، واستخدام المبيدات الحشرية والفطرية خلال مرحلة تكوين السنابل لحمايتها من الآفات.

ويقول إن نجاح الموسم يرتبط بانتظام هذه المراحل جميعها، لكن المياه أصبحت العامل الأكثر حساسية بالنسبة للمزارعين، إذ قد يؤدي ضعف الري في المراحل الأخيرة إلى انخفاض الإنتاج بصورة واضحة.

وينسجم هذا التحدي مع ما رصدته عنب بلدي في تقارير سابقة، إذ بات شح المياه وارتفاع تكاليف الضخ والري من أبرز التحديات التي تواجه الزراعة في ريف دمشق، إلى جانب تراجع المساحات المزروعة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

الدراسة.. آخر مراحل الموسم

بعد نضج السنابل، تبدأ الحصادات الآلية عملها في الحقول، ثم يترك القمح عدة أيام قبل جمعه استعدادًا للدراسة.

ويقول العزب لعنب بلدي إن الدراسة تبدأ عادة بعد غروب الشمس، وتستمر حتى ساعات الصباح، لأن العمل نهارًا يصبح أكثر صعوبة مع ارتفاع درجات الحرارة.

ويشرح أن آلة الدراسة تفصل الحبوب عن السنابل، إذ يلقمها العمال بالقمح يدويًا، فتخرج الحبوب من جهة، بينما يتطاير التبن من الجهة الأخرى ليجمع لاحقًا ويباع علفًا للمواشي.

وأضاف أن العمل يتوقف عند تشكل الندى، لأن الرطوبة تؤثر في عملية فصل الحبوب، ما يفرض على العمال إنهاء العمل قبل ارتفاع نسبة الرطوبة في ساعات الفجر.

تكاليف تتجاوز العائد

لكن انتهاء الحصاد لا يعني انتهاء القلق بالنسبة للمزارعين.

ويقول العزب إن تكاليف زراعة أرضه هذا الموسم بلغت نحو 12 مليون ليرة سورية، شملت الحراثة والري والخدمات الزراعية، فيما بلغت أجور الحصاد نحو تسعة ملايين ليرة، إضافة إلى تكاليف الدراسة.

وأضاف لعنب بلدي أن ضعف المياه في آخر ريات الموسم انعكس أيضًا على كمية الإنتاج، في وقت ما يزال فيه سعر شراء القمح غير واضح بالنسبة للمزارعين.

وقال: “كل همنا أن نطلع تكاليفنا”.

ويرى أن الأسعار المتداولة لا تغطي النفقات التي تحملها المزارع طوال الموسم، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الوقود، وأجور الآليات الزراعية، وكلفة الري، وأعمال الحصاد والدراسة.

المياه والتوسع العمراني

ولا يربط المزارعون تراجع زراعة القمح بالأسعار وحدها، فبحسب العزب، أدى انخفاض منسوب المياه وانتشار الآبار الخاصة إلى زيادة الضغط على المياه الجوفية، ما جعل تأمين الري أكثر صعوبة في بعض المناطق.

كما يرى أن التوسع العمراني داخل داريا قلص المساحات الزراعية عامًا بعد آخر، الأمر الذي دفع كثيرًا من الفلاحين إلى البحث عن أراضٍ أوسع خارج المدينة لمواصلة زراعة المحاصيل الحقلية.

وكانت عنب بلدي قد رصدت في تقارير سابقة تراجع الغطاء الأخضر في داريا، مع انخفاض المساحات المزروعة من نحو تسعة آلاف دونم إلى قرابة أربعة آلاف دونم وفق تقديرات محلية، نتيجة آثار الحرب، وشح المياه، وارتفاع تكاليف الزراعة، والتوسع العمراني داخل الأراضي الزراعية.

إرث زراعي يبحث عن الاستمرار

ولا تزال داريا معروفة بزراعة الخضروات الصيفية، مثل الفاصولياء والبامية والكوسا والخيار والباذنجان والقثاء، إلى جانب العنب الذي ارتبط باسم المدينة لعقود، إلا أن المزارعين يؤكدون أن القمح يحتفظ بمكانة خاصة بوصفه أحد المحاصيل التقليدية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.

وبينما تستمر آلات الدراسة في الدوران حتى ساعات الفجر، يرى المزارعون أن مستقبل القمح بالنسبة لفلاحي داريا لن يقف عند وفرة الموسم فقط، بل بقدرتهم على تغطية تكاليف الإنتاج، وتأمين المياه، والحفاظ على ما تبقى من النشاط الزراعي الذي شكل لعقود جزءًا اقتصادها المحلي.

مقالات ذات صلة

حملة لجمع الكلاب الشاردة في داريا.. السكان يشتكون من خطرها على الأحياء وطرق المدارس

من الأكاديمية إلى الدوري.. نادي داريا يجهز فئاته للمنافسة والملعب ينتظر التمويل

«جنة داريا» تفتح أبوابها.. مساحة خضراء جديدة في حارة المسيحية بداريا