خسر عمال العتالة في مدينة داريا جزءًا من فرص العمل اليومية بعد منع تجمعهم في ساحة الترب ونقلهم إلى المنطقة الحرفية، وفق ما قاله عدد منهم لعنب بلدي، مشيرين إلى أن الزبائن لا يعرفون مكانهم الجديد، وأن الموقع الذي طلبت البلدية منهم الوقوف فيه لا يوفر حركة عمل كافية.
في المقابل، طالب بعض أصحاب المحال والمارة بتنظيم وجود العمال بسبب الازدحام وما يرافقه أحيانًا من مضايقات، في واحدة من أكثر النقاط الحيوية داخل المدينة.
ساحة الترب.. نقطة يعرفها الزبائن
لسنوات طويلة، شكلت ساحة الترب في داريا نقطة تجمع معروفة لعمال العتالة، بحكم موقعها على مفترق طرق يصل المدينة بدمشق والمعضمية، وبقربها من حركة الناس ووسائل النقل.
هناك، اعتاد الأهالي وأصحاب الورش والمحال العثور على من يحمل البلوك والرمل والبلاط، أو ينجز أعمال النقل والتنزيل والتنظيف مقابل أجر يومي.
لكن في الوقت نفسه، كان الأهالي والسائقون يشتكون من تجمع العمال في وسط الطريق وعلى مفرق الترب، وما يرافق ذلك من ازدحام كلما جاء زبون وتجمع العمال حوله للتفاوض على العمل.
العمال: نقلنا أوقف مصدر رزقنا
قال هاني السيد جمعة، أحد العمال القادمين من الرقة إلى داريا، لعنب بلدي، إنه جاء إلى المدينة من أجل كسب الرزق، لكن قرار نقلهم من ساحة الترب أضر بعملهم.
وأضاف أن البلدية أبلغت العمال أن منظر وقوفهم في الساحة “غير حضاري”، وأن بقاءهم هناك لم يعد مسموحًا بسبب شكاوى من الناس وأصحاب المحال.
وبحسب جمعة، أمضى العمال عشرة أيام في الموقع البديل من دون فائدة، لأن الزبائن لا يعرفون أنهم انتقلوا إليه، بينما اعتادوا أن يجدوهم في ساحة الترب منذ سنوات.
وأضاف أنهم قدموا شكوى إلى البلدية، لكن من دون نتيجة حتى الآن، معتبرًا أن العمال يساعدون الناس في أعمالهم مقابل أجر بسيط يعينهم على إعالة أسرهم.
وفي السياق نفسه، قال أبو ليث، وهو عامل آخر، إن نقلهم من ساحة الترب ألحق ضررًا مباشرًا بعملهم ومعيشتهم، واصفًا الوضع بأنه “مأساوي”.
وأضاف أنهم تركوا أولادهم وجاؤوا إلى داريا فقط من أجل الرزق، ولا يريدون الاصطدام بأحد، لكنهم يحتاجون إلى مكان يعرفه الزبائن ويؤمن لهم فرصة عمل حقيقية.
وقال إن ساحة الترب ليست مكانًا جديدًا على العمال، بل وقف فيها آباؤهم وأجدادهم منذ سنوات، والجميع يعرف أن وجودهم هناك مرتبط بالعمل فقط.
وأضاف أن منظر التجمعات قد لا يرضي بعض الناس، لكنهم يقفون مضطرين من أجل كسب لقمة العيش.
كما قال محمود عبد حسين الهاشمي، وهو عامل أيضًا، إن وقوف العمال في ساحة الترب كان من أجل العمل فقط، وإن نقلهم إلى مكان لا يوجد فيه عمل فعلي دفعه إلى التفكير في السفر والعودة إلى الرقة، لأن بقاءه في داريا لم يعد مجديًا بعد منعه من الوقوف في الساحة التي يعرفه الناس فيها.
عمل شاق والدخل يوم بيوم
تحدث عمال آخرون لعنب بلدي عن طبيعة عملهم التي تعتمد على الجهد البدني المباشر، من حمل البلوك والرمل والبلاط إلى التنزيل والتنظيف وأعمال النقل المختلفة.
وقال أحدهم إنهم يعملون في مهن متعبة ومرهقة فقط من أجل تأمين الطعام، ولا يملكون مصدر دخل آخر.
وبحسب رواية عدد منهم، جرى توقيف عشرات العمال وأخذت عليهم تعهدات بعدم الوقوف في ساحة الترب مرة أخرى، قبل إخلاء المكان.
كما قال عمال إنهم راجعوا البلدية والمحافظة لمعرفة سبب منعهم من الوقوف في الساحة القديمة، لكنهم لم يصلوا إلى حل.
وقال عدد منهم إنهم لا يرفضون محاسبة أي عامل يسيء التصرف، بل يطالبون بعدم تحميل الجميع المسؤولية.
وأضاف أحدهم أنهم مستعدون لتحمل مسؤولية أي تصرف غير مقبول، وتسليم أي شخص يثبت تجاوزه، لكن من دون منع جميع العمال من الوقوف في المكان الذي يعتاشون منه.
وقال عامل آخر إنهم تعرضوا للطرد من أماكن عدة من قبل، واليوم يجدون أنفسهم ممنوعين من الوقوف في ساحة اعتادوا العمل فيها داخل بلدهم، متسائلًا: “إلى أين نذهب؟”.
قرار المنع جاء ضمن تنظيم مروري
يأتي منع تجمع العمال في ساحة الترب في سياق إجراءات مرورية كانت شرطة المرور في داريا بدأت تنفيذها في 12 آذار الماضي، بهدف تخفيف الازدحام في محيط الساحة، بعد شكاوى من الأهالي والسائقين من الاختناقات المتكررة وتداخل حركة النقل والعمال والسيارات.
وكان رئيس قسم المرور في مخفر داريا، عدنان قدور زيتون، قال في تقرير سابق نشرته عنب بلدي إن اجتماعًا عقد لمعالجة بعض التجمعات التي تسهم في زيادة الازدحام في ساحة الترب، ومن بينها وجود العمال في المكان، إذ تقرر نقلهم إلى موقع آخر بدل بقائهم في الساحة.
وبحسب التقرير نفسه، شملت الإجراءات أيضًا تنظيم حركة المركبات العامة، ومنع بعض وسائل النقل من التوقف الطويل في محيط الترب، ومنع اصطفاف “السوزوكيات” في الشارع، في إطار خطة قالت شرطة المرور إن هدفها توزيع الضغط المروري على أكثر من محور وتخفيف الاختناق في واحدة من أكثر النقاط ازدحامًا داخل المدينة.
البلدية: خصصنا موقعًا في المنطقة الحرفية لتخفيف الازدحام والمضايقات
خالد خشيني، مسؤول الصيانة والحدائق في مجلس مدينة داريا، قال لعنب بلدي إن الموقع الذي خصصته البلدية للعمال يقع في المنطقة الحرفية (مستودعات السكر سابقًا) قبل المالية بجانب مجمع داوود قيد الإنشاء حاليًا، وعلى بعد نحو 200 متر من الفرن الآلي.
وأضاف أن الموقع تابع للبلدية، واقترح المكان لنقل العمال إليه بهدف تخفيف الازدحام في ساحة الترب، والحد من مضايقة المارة وطلاب المدارس والعائلات والسكان، إلى جانب تقليل المشكلات وحالات التحرش في المنطقة.
وبحسب خشيني، فإن السيارات يمكن أن تدخل إلى الموقع المخصص وتتفق مع العمال وتنقلهم من هناك، بدل التوقف في ساحة الترب لمدة تتراوح بين خمس وعشر دقائق، وهي مدة قال إنها كانت تسهم في صنع اختناقات مرورية متكررة.
وأضاف أن البلدية اقترحت هذا المكان، لكن العمال لم يلتزموا بالانتقال إليه لأنهم يريدون البقاء في ساحة الترب، فاتجهوا لدوار الفرن الآلي بما يخالف توجيهات البلدية.
الموقع الجديد لا يوفر عملًا
قال أبو عيسى، أحد العمال الذين انتقلوا مع زملائهم إلى الموقع البديل، إن العمل هناك ضعيف جدًا بسبب بعده عن المنطقة التي اعتاد الناس أن يجدوا العمال فيها.
وأضاف أن ساحة الترب “استراتيجية” وقريبة من المواصلات، والناس تعرف العمال فيها منذ السبعينيات والثمانينيات.
وقال إن المنطقة الجديدة لا يوجد فيها عمل كاف، وإنها لا توفر سوى “التراب والغبار”، مضيفًا أن المشكلة ليست فقط في تغيير مكان الوقوف، بل في انقطاع الصلة بينهم وبين الزبائن الذين كانوا يقصدونهم مباشرة في ساحة الترب.
وأضاف عمال أن بعضهم لا يملك “موتورًا” أو وسيلة نقل تساعده على البقاء في مكان بعيد عن حركة المواصلات والناس، ما يجعل الانتقال إلى الموقع الجديد أكثر صعوبة وأقل فائدة.
كما قالوا إن توزيع أرقام هواتفهم لم يحل المشكلة، لأن هذا النوع من المهن يعتمد أساسًا على الوجود المباشر في مكان معروف.
شكاوى من التجمعات في ساحة الترب
في المقابل، قال بعض أصحاب المحال والمارة إنهم لا يعترضون على عمل العمال بحد ذاته، بل على طريقة تجمعهم في ساحة الترب.
وقال سمير العبار، من سكان داريا، إنه لا توجد مشكلة شخصية مع العمال، ولا يريد الإضرار بهم، لكن وقوفهم أمام المحال غير مناسب ويؤثر على المنظر العام، واقترح تخصيص مكان واضح لهم بدل بقائهم في الساحة القديمة.
كما وصف محمود العبار، من سكان داريا، التجمعات الكبيرة عند ساحة الترب بأنها مزعجة للمارة، خصوصًا للنساء.
وكررت هديل، وهي شابة كانت تمر في الساحة مع صديقتها، الرأي نفسه، إذ قالت إنها تتعرض أحيانًا للكلام و”التلطيش” أثناء المرور، وطالبت بإيجاد مكان خاص للعمال بعيدًا من الجلوس في الطرقات العامة، لأن النساء لا يشعرن بالراحة مع وجود تجمعات كبيرة من الشباب والعمال.
الحل في التنظيم لا المنع
في المقابل، قالت صاحبة أحد المحال في ساحة الترب إن العمال لا يؤثرون عليها سلبًا، وإنهم يعملون من أجل الرزق فقط.
كما شاركتها الرأي سيدتان من داريا خلال مرورهما في الساحة، وقالتا إن الوضع المعيشي صعب، والناس “بدها تسترزق”، ولا ينبغي الوقوف في وجههم ما داموا يبحثون عن قوت يومهم وإطعام أولادهم.
ويرى العمال أن ساحة الترب ليست مجرد مكان وقوف، بل نقطة عمل رئيسية في داريا بحكم موقعها واتصالها بحركة النقل والناس.
ويقولون إنهم عملوا في كثير من بيوت المدينة وورشها ومحالها، وإن مطلبهم ليس الفوضى، بل تخصيص مكان منظم داخل منطقة تؤمن لهم عملًا فعليًا.
وبين شكاوى بعض المارة وأصحاب المحال من التجمعات، وشكاوى العمال من تراجع العمل بعد منعهم من الوقوف في ساحة الترب ونقلهم إلى دوار الفرن الآلي، تبقى المشكلة معلقة بين مطلبين، تنظيم وجود العمال في مكان مناسب، وعدم قطع مصدر رزقهم بنقلهم إلى موقع يقولون إنه لا يوفر لهم عملًا يكفيهم.
المنطقة الحرفية بالقرب من الفرن الآلي – 13 نيسان 2026 (عنب بلدي)
عمال يتجمعون في ساحة الفرن الآلي بداريا بعد نقل تجمعهم إلى المنطقة الحرفية بالقرب من الفرن الآلي – 13 نيسان 2026 (عنب بلدي)
عمال يتجمعون في ساحة الفرن الآلي بداريا بعد نقل تجمعهم إلى المنطقة الحرفية بالقرب من الفرن الآلي – 13 نيسان 2026 (عنب بلدي)
عمال يفرغون حمولة بلاط في محيط ساحة الترب بمدينة داريا – 13 نيسان 2026 (عنب بلدي)