مونة داريا هذا العام.. شراء “كل يوم بيومه” وتخزين صعب

بائع خضار في داريا يعرض الفول الأخضر مع بداية موسم المونة المحلية في السوق - 9 نيسان 2026 (عنب بلدي - أنس تقى)

مع اقتراب موسم المونة المحلية في داريا، الذي يبدأ عادة مع مطلع نيسان ويستمر نحو شهرين، يواجه كثير من الأهالي صعوبة متزايدة في شراء الخضراوات وتخزينهما، في ظل ارتفاع الأسعار، وتأثر السوق بسعر الدولار، واستمرار غياب الكهرباء في أحياء عدة.

ويعد موسم المونة من العادات المعيشية الأساسية لدى كثير من العائلات في داريا، إذ يرتبط بتخزين أصناف محلية لاستخدامها لاحقًا، ولا سيما الفول والبازلاء، قبل أن تتوسع المونة لاحقًا إلى أصناف أخرى.

إلا أن الموسم يحل هذا العام وسط ضغوط معيشية مضاعفة، وفق شهادات رصدتها عنب بلدي من السكان وباعة الخضار والعاملين في السوق.

الغلاء والكهرباء يغيران عادات الشراء

في منطقة جمعيات الدبس على طريق روضة فرسان الغوطة في داريا، قالت غصون الفارس إنها لا تستطيع تحضير المونة، رغم دخول الموسم، بسبب غياب الكهرباء.

وأضافت أن من يملك طاقة بديلة فقط يستطيع الشراء والتخزين، بينما تضطر عائلتها إلى “شراء طبخة كل يوم بيومه”، في ظل عدم وجود أعمدة كهرباء أصلًا في المنطقة، بحسب قولها.

ولا تقتصر المشكلة، بحسب شهادات الأهالي، على ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى صعوبة التخزين أيضًا. وقال ضياء مدور إنه لا يرى جدوى من شراء المونة، لأنه لا يملك برادًا منذ ثلاث سنوات.

أما أبو ماجد العلاوي فرأى أن الأسعار مرتفعة، ومع انقطاع الكهرباء لا فائدة من شراء المونة إذا كان مصير الطعام التلف أو الرمي، معتبرًا أن الأولوية اليوم لتحسن الوضع الاقتصادي.

وفي ساحة شريدي، قال سكان لعنب بلدي إن الأسعار “مرتفعة جدًا”، مضيفين أن بعض العائلات باتت تفكر في مقاطعة بعض الخضراوات، كما يقاطع الناس أصنافًا أخرى مرتفعة الثمن مثل الفروج، لأن ما يشترونه لا يكفي.

وقالت سيدة من سكان الحي إنها اشترت أربعة كيلوغرامات من البازلاء، لكنها لم تجد فيها كمية تكفي لطبخة واحدة، متسائلة كيف يمكن للأسر أن تحضر المونة في ظل انقطاع الكهرباء منذ نحو ثلاثة أشهر.

بين انتظار “البلدي” واللجوء إلى المفرزات

لا يزال بعض الأهالي ينتظرون نزول المنتج البلدي إلى الأسواق على أمل أن يكون أوفر أو أفضل جودة.

وقال طارق جمال الدين، من سكان داريا، إن أسعار المونة “غالية قليلًا”، لكنه ما يزال ينوي شراء المونة البلدية عند توفرها، موضحًا أن الفول الموجود حاليًا يأتي من درعا، بينما لا يزال ينتظر المنتج المحلي.

من جهتها، قالت أم يامن، وهي سيدة من داريا، إن الوضع صعب، وإنها باتت تعتمد على المفرزات عند الحاجة بدل شراء كميات كبيرة للتخزين.

وفي مقابل هذه الشهادات، بدت نظرة أم حسين قريطم، وهي عائدة من لبنان منذ سبعة أشهر وتستأجر منزلًا في شارع الثورة بداريا، أكثر تمسكًا بالمونة، إذ اعتبرت أن أسعارها “مناسبة”، وأن الأهم بالنسبة لها هو “لمة العائلة” وما يرافق الموسم من طابع اجتماعي.

وتعكس هذه الشهادات اختلاف أوضاع الأسر بين من يقيس الأمر بقدرته اليومية على الشراء، ومن ينظر إليه بوصفه عادة موسمية لا تزال تستحق التمسك بها، ولو بحدود ضيقة.

المزارعون والباعة: الموسم البلدي لم يدخل كاملًا بعد

بحسب المزارع محمد يحيى، فإن موسم الفول البلدي في داريا يبدأ فعليًا في منتصف نيسان تقريبًا، موضحًا أن الفول الموجود حاليًا يأتي من جديدة يابوس، بينما يحتاج الفول البلدي في داريا إلى نحو 20 يومًا إضافية حتى يصل إلى الأسواق.

ويرى يحيى أن المشكلة الأساسية ليست في الطعام نفسه، بل في تأثير ارتفاع الدولار على الأسعار عمومًا، معتبرًا أن السوق ما زالت تتأثر بسعر الصرف رغم تغيرات اقتصادية أوسع.

وقال إن خفض سعر الدولار سينعكس مباشرة على بقية المواد.

وفي السوق، قال سعيد كساح، من سكان داريا، إن المونة الموجودة حاليًا تأتي من الساحل السوري، بينما يأتي البلدي لاحقًا من بيت جن، وسعسع، ومنطقة جبل الشيخ، وداريا.

وأضاف أن البازلاء المتوفرة الآن مصدرها البرادات، وأن المونة البلدية لا تزال مرتفعة السعر، إذ يبلغ سعر نصف كيلو البازلاء 15 ألف ليرة، وكذلك الفول.

دخل محدود وسوق لا يراعي القدرة الشرائية

يظهر الأثر الأوضح لارتفاع الأسعار عند أصحاب الدخل المحدود.

مدحت دلعين، وهو مساعد مهندس متقاعد يبلغ من العمر 70 عامًا، يتقاضى 900 ألف ليرة فقط بعد 35 سنة من العمل، وهو مبلغ “لا يكفي أبدًا”، على حد تعبيره.

وقدر دلعين أن المصروف الشهري لأسرة صغيرة يحتاج إلى نحو خمسة ملايين ليرة للطعام والشراب فقط، من دون احتساب المواصلات أو الإيجار أو الدواء.

وأضاف أن من يريد شراء المونة بات يضطر إلى اختيار الأرخص، معتبرًا أن هذا هو حال أغلب الناس الذين يعيشون على “تدبير الحال” مع ارتفاع مستمر في الأسعار.

وبحسب مدحت، فإن المونة البلدية تصل أحيانًا إلى سبعة أو ثمانية آلاف ليرة للكيلو الواحد، وتأتي من الغوطة (محيط دمشق) ومنطقة جبل الشيخ، بينما يوجد نوع أرخص بنحو خمسة آلاف ليرة.

أما علاء الخطيب، صاحب محل خضار، فقال إن الأسعار مرتفعة فعلًا، موضحًا أن سعر الفول البلدي يبلغ ثمانية آلاف ليرة، في حين يصل سعر النوع الثاني إلى خمسة آلاف، لكنه أقل جودة و”لا يوجد حب بداخله”، بحسب وصفه.

وأضاف أن سعر كيلو البازلاء يبلغ 12 ألف ليرة، مع وجود نوع أقل جودة بنحو تسعة آلاف، مشيرًا إلى أن الزبائن يشتكون باستمرار من الغلاء.

وفي شكوى مباشرة من واقع السوق، قال أحد العاملين إن الأسعار لا ترتفع في المونة فقط، بل في الفواكه والخضراوات أيضًا، داعيًا التجار إلى مراعاة الناس، لأن بعض الأسر لم تعد قادرة حتى على تأمين “طبخة” لبيتها.

بدوره، أشار محمد معضماني، وهو يعمل في محل خضار، إن موسم الفول والبازلاء يليه لاحقًا الثوم والمكدوس، مضيفًا أن الأسعار تأتي من سوق الهال، لكن الإقبال من الناس لا يزال جيدًا رغم الغلاء.

مونة محدودة لكنها حاضرة

تكشف الشهادات التي رصدتها عنب بلدي أن موسم المونة في داريا لم يعد مرتبطًا بتوفر المنتج فقط، بل بات محكومًا بعوامل مثل السعر، وسعر الصرف، والكهرباء.

وبين من ينتظر نزول المنتج البلدي، ومن اكتفى بالمفرزات، ومن تخلى أساسًا عن فكرة التخزين، تبقى المونة عادة حاضرة في المدينة، وإن كانت هذا العام أكثر محدودية وتفاوتًا بين أسرة وأخرى تبعًا لقدرتها الشرائية وظروف التخزين لديها.

مقالات ذات صلة

مشروع الخليج في داريا.. أسئلة معلقة حول حصص المالكين وحقوقهم

خريجون في داريا يبحثون عن عمل باختصاصاتهم.. فرص محدودة والخبرة شرط

حفر الشوارع تزيد تكاليف صيانة السيارات في داريا.. سكان يخففون مشاويرهم