لا تفرض كأس العالم 2026 أجواءها على شوارع ومقاهي داريا كما يحدث عادة في كثير من المدن والبلدان خلال البطولات الكبرى، حين تتحول المباريات إلى حديث يومي في أماكن العمل والتجمعات العامة، ويتابعها حتى الأشخاص الذين لا يهتمون بكرة القدم.
وكان متوقعًا أن تكون البطولة أقرب إلى الناس هذا العام، بعد انتهاء الحرب وسقوط النظام السابق وتراجع بعض الضغوط الأمنية التي طبعت السنوات الماضية، إضافة إلى مشاركة ثمانية منتخبات عربية للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم، ووجود عدد من أبرز نجوم اللعبة الذين قد تكون هذه البطولة آخر ظهور لهم على المسرح العالمي.
لكن جولة أجرتها عنب بلدي في المدينة، منذ انطلاق البطولة في 12 حزيران الجاري، أظهرت أن المونديال بقي أقرب إلى المتابعة الفردية داخل المنازل أو عبر الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن يتحول إلى حالة عامة في المقاهي والأسواق والتجمعات، كما يحدث في كثير من المدن خلال بطولات كأس العالم.
ويربط سكان تحدثت إليهم عنب بلدي هذا الهدوء باستمرار الضغوط المعيشية وانشغال الناس بأعمالهم اليومية، إلى جانب إقامة عدد من المباريات في ساعات متأخرة من الليل أو خلال الفجر بسبب فارق التوقيت، ما حد من فرص المتابعة الجماعية في المقاهي والأماكن العامة.

الأولوية للمعيشة والعمل
يرى سعيد محمد حيدر أن الظروف الاقتصادية الحالية تلعب دورًا رئيسيًا في تراجع الاهتمام بالمونديال، موضحًا أن كثيرًا من الناس باتوا منشغلين بتأمين احتياجاتهم اليومية أكثر من متابعة المباريات.
ويوضح لعنب بلدي أن محبي كرة القدم سيبقون مهتمين بالبطولة بطبيعة الحال، لكن الأولويات بالنسبة لكثير من العائلات تغيرت خلال السنوات الأخيرة، وأصبح التركيز منصبًا على العمل وتأمين الدخل ومتطلبات الحياة اليومية.
ويشير إلى أن متابعة المباريات تحتاج إلى وقت وفراغ بعد يوم عمل طويل، بينما يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لتخصيص معظم وقتهم وجهدهم للبحث عن مصادر دخل أو متابعة شؤون أسرهم.
وبحسب حيدر، فإن حتى الأشخاص الذين كانوا ينتظرون البطولات الكبرى بحماس في السابق أصبحوا أقل تفاعلًا نتيجة الضغوط الاقتصادية وكثرة المسؤوليات اليومية.
توقيت المباريات هو السبب الأبرز
من جهته، يرى سعد الدين شحادة أن توقيت المباريات أسهم بشكل واضح في إضعاف التفاعل مع البطولة.
ويلفت إلى أن عددًا من المباريات يقام في ساعات لا تناسب كثيرًا من المتابعين في سوريا، ما يجعل متابعة جميع اللقاءات أمرًا صعبًا بالنسبة للعاملين والطلاب وأصحاب المهن.
ويعتقد أن الاهتمام قد يرتفع مع اقتراب الأدوار الإقصائية والمباريات الحاسمة، التي تستقطب عادة جمهورًا أوسع من دور المجموعات.
ويضيف أن الظروف الاقتصادية والتوقيت اجتمعا معًا لتقليص مساحة الاهتمام بالمونديال مقارنة بالسنوات السابقة، موضحًا أن الناس تميل إلى تخصيص وقت أكبر للترفيه ومتابعة الأحداث الرياضية عندما تكون أوضاعها المعيشية أكثر استقرارًا.
متابعة انتقائية بدل السهر اليومي
في إحدى الكافيتيريات بمدينة داريا، يلاحظ عدي، العامل في المقهى، أن الحدث الرياضي ما يزال مهمًا بالنسبة لعشاق كرة القدم، لكن طريقة المتابعة تغيرت.
ويقول إن كثيرًا من الناس لم يعودوا يتابعون جميع المباريات كما كان يحدث في بطولات سابقة، بل يكتفون بمباريات منتخباتهم المفضلة أو المواجهات الكبرى بين المنتخبات المرشحة للمنافسة على اللقب.
ويشير إلى أن فارق التوقيت مع الولايات المتحدة جعل عددًا من المباريات يقام خلال ساعات الفجر أو الصباح الباكر، وهو ما يقلل من قدرة الجمهور على المتابعة المنتظمة أو التجمع في المقاهي لمشاهدتها.
ورغم ذلك، يرى أن الاهتمام يرتفع عندما تلعب المنتخبات العربية، إذ يحرص كثير من المتابعين على متابعة نتائجها ومشوارها في البطولة أكثر من اهتمامهم ببقية المنتخبات.

المقاهي تنتظر الحضور
أما باسم خولاني، فيرى أن التوقيت يبقى العامل الأكثر تأثيرًا في حجم المتابعة الجماعية.
ويشير إلى أن كثيرًا من العاملين يغادرون أعمالهم مساءً ويحتاجون إلى الراحة استعدادًا ليوم جديد، ما يجعل السهر حتى ساعات الفجر لمتابعة المباريات خيارًا غير متاح للكثيرين.
ويضيف أن معظم من يشاهدون المباريات مباشرة هم الأشخاص الذين تسمح لهم طبيعة أعمالهم أو أوقات راحتهم بذلك، بينما يكتفي آخرون بمتابعة الملخصات أو الاطلاع على النتائج في اليوم التالي.
وفي أحد المقاهي بمدينة داريا، يوضح محمد خير مدور أن الإقبال على متابعة المباريات أقل مما كان متوقعًا قبل انطلاق البطولة.
ويشير إلى أن أصحاب المقاهي كانوا ينتظرون حضورًا أكبر، خاصة مع وجود عدد غير مسبوق من المنتخبات العربية في البطولة، إلا أن الظروف الاقتصادية وأوقات المباريات انعكست على أعداد المتابعين.
ويضيف أن بعض مباريات المنتخبات العربية حظيت باهتمام أكبر من غيرها، لافتًا إلى أن مباراة مصر شهدت إقبالًا ملحوظًا مقارنة بعدد من المباريات الأخرى.

المنتخبات العربية تحافظ على جزء من الحماس
ورغم تراجع الأجواء الجماعية المرتبطة بالمونديال داخل المدينة، فإن المنتخبات العربية ما تزال تشكل عنصر جذب رئيسيًا للمتابعين.
ويقول عدد ممن تحدثت إليهم عنب بلدي إنهم يحرصون على متابعة مباريات المنتخبات العربية أكثر من غيرها، ويتمنون لها تحقيق نتائج إيجابية في البطولة.
كما يرى بعضهم أن الاهتمام قد يرتفع خلال الأسابيع المقبلة مع اقتراب الأدوار النهائية، وهي المرحلة التي تشهد عادة أعلى نسب متابعة عالميًا.
