في نهاية شارع البلدية بداريا، تقف سيارة “جاكوار” سوداء على جانب الطريق، وقد بدت عليها آثار الزمن وقلة الاستخدام، لكنها ما تزال حاضرة.
من بعيد، قد تبدو مجرد سيارة كلاسيكية قديمة، لكن الاقتراب منها، ثم من صاحبها، يفتح بابًا على حكاية رجل لا يرى فيها مجرد هيكل معدني نادر، بل جزءًا من عمره الشخصي وذاكرة طويلة بقيت معه رغم كل ما تبدل حوله.
سعيد بيطار، صاحب سيارة “جاكوار” نادرة، لا يتحدث عنها كما يتحدث الناس عادة عن سيارة قديمة أو مركبة ثمينة.
لغته معها مختلفة، أقرب إلى لغة العِشرة منها إلى لغة الاقتناء، وحين يريد اختصار العلاقة كلها، يكتفي بجملة واحدة: “هرمت أنا والسيارة سويًا”.
قد تبدو هذه الجملة، عند سماعها أول مرة، أقرب إلى مبالغة عاطفية، لكن ما يرويه بعدها يجعلها أقرب إلى وصف لحياة امتدت بين الرجل وسيارته على مدى عقود، حتى غدت عنده أكثر من مجرد وسيلة نقل.
جاءت بالمصادفة وبقيت بالعشرة
يقول سعيد بيطار إن السيارة وصلت إليه عام 1985، بعدما كانت مملوكة لشخص عزيز عليه كان يستعد للهجرة.
ويروي أن صاحبها قال له يومها إن هذه السيارة “لا تليق إلا بك”، ثم باعها له بسعر زهيد، حتى إنه شعر في تلك اللحظة كأنه يعيش حلمًا.
لم تكن “الجاكوار” بالنسبة لسعيد صفقة، ولا مشروع اقتناء مدروس، بل جاءت، كما يقول، بالمصادفة، لكن هذه المصادفة تحولت مع الوقت إلى علاقة شخصية عميقة، حتى بات يصعب عليه تخيل حياته من دونها.
وبحسب روايته، لا يوجد من هذا الطراز سوى ثلاث سيارات فقط في سوريا، وهو ما يفسر جانبًا من الفضول الذي تثيره لدى المهتمين بالسيارات كلما ظهرت في الشارع أو في صورة.
ومع ذلك، فإن ما يعنيه في المقام الأول ليس ندرتها في السوق، بل مكانها في ذاكرته.
ليست للبيع
يقول سعيد إنه تلقى عروضًا عدة لبيع السيارة، بعضها كان مغريًا، وإنه مر بظروف كان فيها بأمس الحاجة إلى المال، لكنه لم يستطع التفريط بها.
ولا يقدم الرجل تفسيرًا اقتصاديًا لهذا الرفض، ولا يتحدث عن ارتفاع سعرها مستقبلًا أو عن كونها استثمارًا، فتفسيره أبسط من ذلك، لكنه أكثر ثقلًا بالنسبة إليه.
يقول إنه إذا باعها، يشعر كأن قلبه سيخرج من مكانه، ثم يضيف بلهجته البسيطة أن السيارة “مو طالعة من خاطري”.
هذه العبارة تختصر القصة كلها تقريبًا، فبيع السيارة، بالنسبة إليه، لا يعني التخلي عن شيء قديم يمكن تعويضه، بل عن قطعة من سيرته الشخصية، وشيء بقي إلى جانبه بينما كانت المدينة تتغير، والحياة تضيق، والخسارات تكبر.
كائن حي
حين يصف سعيد سيارته، لا يتوقف عند مواصفاتها أو شكلها الخارجي فقط، فهو يرى فيها أكثر من تصميم جميل، وأكثر من اسم معروف في عالم السيارات.
يقول إنها تتميز بالرصانة والثبات والقوة، وإن الراكب فيها لا يشعر بالسرعة حتى عندما تسير بسرعة عالية.
لكن أكثر ما يكشف طبيعة علاقته بها هو طريقته في النظر إلى شكلها، فهو يصفها بأنها “لوحة فنية”، ثم يبدأ في تفكيك ملامحها كما لو كانت وجهًا أو كائنًا حيًا: لها عيون، ولها أنف، ولها فم، ولها نابات، ولها أذنان، وهي تشبه الفهد تمامًا.
وبهذا الوصف، تخرج السيارة من كونها جمادًا إلى شيء له شخصية وملامح ومزاج. وربما لهذا يقول أيضًا إنه يشعر بأنها “زعلانة مني” بسبب الحالة التي وصلت إليها اليوم، وهي حالة يؤكد أنها خارجة عن إرادته.
وفي هذا الأسلوب من التعبير، لا يعود الحديث عن سيارة فقط، بل عن علاقة حميمة بين رجل وشيء قديم رافقه سنوات طويلة.
طراز بريطاني جمع الفخامة بالأداء
تنتمي سيارة سعيد بيطار إلى طراز Jaguar Mark II الكلاسيكي، وهو طراز بريطاني رباعي الأبواب من فئة الصالون، أنتج بين عامي 1959 و1967، وكان أنجح موديلات جاكوار حتى ذلك الوقت.
وبحسب بيانات Jaguar Daimler Heritage Trust بلغ إجمالي إنتاج هذا الطراز 83,701 سيارة، منها 27,848 سيارة من نسخة 3.8 لتر، التي عدت الأكثر رغبة بين نسخ Mark II.
وكانت هذه النسخة مزودة بمحرك يولد 220 حصانًا، مع سرعة قصوى تصل إلى 125 ميلًا في الساعة، أي نحو 201 كيلومتر في الساعة، وتسارع من 0 إلى 50 ميلًا في الساعة خلال 6.4 ثانية.
واشتهرت Jaguar Mark II أيضًا بحضورها في سباقات سيارات الصالون الدولية والراليات، كما ارتبطت بصورتين متناقضتين في بريطانيا خلال تلك المرحلة، إذ استخدمتها قوات الشرطة على نطاق واسع، وفي الوقت نفسه ظهرت في بعض الوقائع الجنائية الشهيرة، ومنها استخدامها كسيارة هروب في سرقة القطار الكبرى عام 1963.
وتضيف هذه الخلفية التقنية والتاريخية بعدًا آخر إلى القصة، فالسيارة التي يحتفظ بها سعيد ليست مجرد مركبة قديمة، بل طراز كلاسيكي معروف، وهو ما يفسر اهتمام بعض المختصين بالسيارات القديمة بها، ويعطي تمسكه بها بعدًا إضافيًا يتجاوز الجانب العاطفي إلى القيمة التراثية أيضًا.
من الشارع إلى الشاشة
يقول سعيد إن سيارته شاركت أيضًا في تصوير مسلسل “ملح الحياة”، الذي أنتج عام 2011 وأخرجه أيمن زيدان، ويتناول مرحلة من تاريخ سوريا بين عامي 1946 و1958.
لكن حضورها في الدراما يبقى تفصيلًا ثانويًا مقارنة بحضورها في حياته اليومية، فالقصة بالنسبة إليه ليست مرور السيارة أمام الكاميرا، بل بقاؤها إلى جانبه طوال هذه السنوات.
ويضيف سعيد أن السيارة احتفظت بحضور بصري لافت، حتى وهي متوقفة اليوم على جانب الطريق، لذلك كان يغسلها صباحًا ومساءً، ويخصص يوم الجمعة لتلميعها بالبوليش كي يحافظ على لونها الأسود “الملكي”.
الحرب مرت على الاثنين
حين ينتقل سعيد من الحديث عن السيارة إلى الحديث عن حياته، تصبح النبرة أثقل.
يتحدث عن أيام صعبة مرت عليهم، وعن بكاء كثير، وعن حزن دخل البيوت. ويستحضر فقدان ابنه بوصفه جرحًا شخصيًا عميقًا، يضع القصة كلها في سياق مختلف.
وعند هذه النقطة، يصبح التمسك بالسيارة أكثر وضوحًا، فهي ليست مجرد هواية، ولا شكلًا من أشكال الترف العاطفي، بل جزء مما بقي.
ففي مدينة مثل داريا، التي حملت آثار الحرب والتهجير والدمار والعودة البطيئة، تصبح بعض الأشياء أكثر من مجرد أشياء، وتتحول إلى ما تبقى من حياة سابقة.
لهذا لا تزال “الجاكوار” جزءًا من يومه، رغم حالتها الحالية، ورغم ما تحتاجه من إصلاح وترميم.
ولا يقتصر حضورها على كونها سيارة قديمة احتفظ بها صاحبها، بل تحمل داخلها أيضًا أثرًا من حياة العائلة، إذ لا تزال “شريطة” قماشية معلقة في مرآتها الداخلية، كانت ابنته قد وضعتها حين كان عمرها سنتين، وبقيت في مكانها حتى اليوم، بعد نحو 33 عامًا.
بين من يقدر سعرها ومن يعرف معناها
لا ينظر الجميع إلى السيارة بالطريقة نفسها، فبعض من يراها يرى قيمتها المادية، وبعضهم يفكر في ندرتها، وبعضهم ينجذب إلى شكلها الكلاسيكي ويتساءل عن ثمنها لو رممت.
أما سعيد، فيقف في جهة أخرى تمامًا. فبالنسبة إليه، لا تبدأ قيمة السيارة من السوق ولا تنتهي عنده، فهو لا يحسبها بهذا المنطق، لأن ما يراه فيها لا يقاس بالقطع النادرة ولا بحسابات الترميم، بل بالسنوات التي عاشها معها، وبما بقي فيها من صورته القديمة، وبالمعنى الذي اكتسبته مع الزمن.
هذا التباين بين نظرة الناس إليها بوصفها سيارة نادرة، ونظرته إليها بوصفها جزءًا من ذاكرته، هو ما يمنح القصة بعدها الإنساني الأوضح.
في النهاية، لا تبدو “جاكوار” سعيد بيطار في داريا مجرد سيارة كلاسيكية نادرة، بل شيئًا ارتبط بعمر طويل، وبقي حاضرًا في حياته رغم كل ما تبدل.