“روح اسكن ببيروت وشوف قديش الإيجار هنيك”، بهذه المقارنة يلخص أحد سكان داريا جانبًا من أزمة السكن في المدينة.
يقول الرجل، وهو قادم حديثًا من لبنان، إن إيجار منزل في بيروت قد لا يتجاوز 300 دولار، بينما يتراوح في بعض مناطق البقاع بين 75 و100 دولار، وقد يصل في حده الأقصى إلى 150 دولارًا، مقابل بيوت “مرتبة وديلوكس”، في حين يطلب بعض مالكي المنازل في داريا 200 دولار مقابل بيت “مثل قن الدجاج”، على حد وصفه، مع اشتراط الدفع لسنة كاملة مقدمًا.
تعكس هذه الشهادة جانبًا من الغضب المتصاعد بين الباحثين عن سكن في داريا، حيث تواصل بدلات الإيجار ارتفاعها إلى مستويات تفوق قدرة كثير من الأسر، في ظل قلة المنازل الجاهزة للسكن، واشتراط كثير من المالكين الدفع بالدولار مقدمًا ولعدة أشهر، بينما يربط عاملون في القطاع العقاري الأزمة بندرة البيوت المكسية وارتفاع كلفة الترميم.
وبحسب شهادات رصدتها عنب بلدي، تبدأ إيجارات بعض البيوت الصغيرة من مليون ونصف ليرة سورية (نحو 120 دولارًا) شهريًا، وتصل في حالات كثيرة إلى ثلاثة ملايين ليرة (نحو 235 دولارًا)، فيما تتراوح الإيجارات في غالبية الأحياء بين مليونين ونصف وثلاثة ملايين ليرة (نحو 200 إلى 235 دولارًا).
إيجارات مرتفعة وبيوت متدنية
وصف أحد سكان داريا مستوى المعيشة في المدينة بأنه “أغلى من أوروبا”، من حيث المصروف والمعيشة والإيجارات، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين الأسعار والدخل المحلي.
وقال آخر إن الإيجارات قرب مدرسة المحدثة، مثلًا، تدور بين مليونين ونصف وثلاثة ملايين ليرة (نحو 200 إلى 235 دولارًا)، بينما رأى أحد الأهالي أن ندرة البيوت وارتفاع الطلب عليها شجعا أصحاب المنازل على رفع الأسعار أكثر، مضيفًا أن الناس “لم تعد تحس ببعضها البعض”.
وفي شهادة أخرى، قال أحد السكان إن أقل إيجار اليوم يبلغ 200 دولار، رغم أن مستوى بعض البيوت “سيئ جدًا”، موضحًا أن منزلًا عرض عليه مؤخرًا بهذا السعر كان في طابق ثالث وبحالة متدنية، واضطر لاستئجاره بسبب الحاجة الملحة إلى السكن.
وأشار أحد المستأجرين إلى أن البيت الصغير المقبول يبدأ من مليون ونصف ليرة (نحو 120 دولارًا)، فيما تصل بعض المنازل إلى ثلاثة ملايين ليرة (نحو 235 دولارًا)، ما يجعل مجرد العثور على سكن مناسب عبئًا بحد ذاته.
ولخص أحد أبناء المدينة طبيعة السوق بقوله إن “كل واحد عم يسعر البيت على كيفه”، موضحًا أن مالك منزل صغير مؤلف من غرفة وصالون قد يطلب 150 دولارًا، رغم أن هذا النوع من البيوت لم يكن يجد من يستأجره قبل عامين، حين كانت معظم المنازل فارغة.
لكنه أضاف أن الوضع تغير اليوم مع غياب البدائل المتاحة أمام الناس.
الدفع مسبقًا وبالدولار
لا تتعلق المشكلة، بحسب إفادات السكان، بقيمة الإيجار وحدها، بل تشمل أيضًا آلية الدفع وشروط التعاقد.
وقال أحدهم إن أصحاب البيوت باتوا يطلبون الإيجار بالدولار، “وما حدا عم يرضى بالليرة السورية”، فيما أشار آخر إلى أن بعض المالكين يشترطون دفع بدل الإيجار لستة أشهر أو سنة كاملة مقدمًا، رغم أن العقد قد يكون لسنة واحدة فقط، ما يضع المستأجر أمام عبء مالي كبير من دون ضمان استقرار طويل.
وتشير هذه الشروط، إلى جانب ارتفاع الأسعار، إلى أن السكن في المدينة بات خاضعًا لمعادلة يفرضها نقص المعروض أكثر مما تضبطها معايير واضحة أو مستويات مقبولة من الجودة.
كلفة السكن تتجاوز الدخل
يرى بعض السكان أن الإيجار لم يعد عبئًا منفصلًا عن بقية المصاريف، بل صار جزءًا من أزمة معيشية أوسع.
وقال أحدهم إن الأسرة التي تريد دفع إيجار المنزل، وتأمين الكهرباء، وتغطية احتياجاتها الأساسية، تحتاج إلى أكثر من ستة ملايين ليرة سورية شهريًا (نحو 470 دولارًا).
وقدر آخر أن المواطن يحتاج إلى دخل لا يقل عن 700 دولار شهريًا حتى يستطيع دفع الإيجار وتأمين المصروف والطبابة والثياب والأدوية وبقية متطلبات الحياة.
وفي تقدير أقل، رأى أحد السكان أن الحد الأدنى المطلوب للعيش لا يقل عن 500 دولار شهريًا، متسائلًا كيف يمكن لموظف أو متقاعد يتقاضى 300 ألف أو 400 ألف أو 500 ألف ليرة سورية (نحو 25 أو 30 أو 40 دولارًا) أن يدفع إيجار منزل أصلًا.
مكتب عقاري: المشكلة في قلة البيوت المكسية
من جهته، قال حسان حبيب، صاحب مكتب عقاري في داريا، لعنب بلدي، إن السبب الأساسي في غلاء الإيجارات هو قلة البيوت المكسية والجاهزة للسكن، مقابل ارتفاع الطلب عليها.
وأوضح أن من يقوم بإكساء منزله يطلب إيجارًا يعوض ما دفعه على أعمال الكسوة، لكنه في كثير من الأحيان “يأخذ زيادة عن اللزوم”، مستفيدًا من حاجة الناس وعدم وجود بيوت جاهزة كافية في السوق.
وأضاف أن الإيجارات تتراوح وسطيًا بين 150 و250 دولارًا، مشيرًا إلى حالة مستأجر قدم مؤخرًا من كندا واضطر إلى استئجار منزل مقابل 350 دولارًا بسبب حاجته السريعة إلى السكن.
وربط حبيب استمرار الأزمة أيضًا بارتفاع تكاليف البناء والكسوة، موضحًا أن كسوة شقة واحدة قد تتراوح بين 150 و200 مليون ليرة سورية (نحو 11,800 إلى 15,750 دولارًا)، وهي كلفة كبيرة تجعل كثيرًا من أصحاب البيوت يترددون في ترميم منازلهم أو تجهيزها للسكن.
وقال إن بعض المالكين ينظرون إلى المسألة من زاوية الجدوى الاقتصادية، إذ يتساءلون: كيف يمكن إنفاق 200 مليون ليرة (نحو 15,750 دولارًا) على كسوة منزل مقابل تحصيل ثلاثة ملايين ليرة فقط شهريًا (نحو 235 دولارًا)؟ لذلك يفضل بعضهم، بحسب قوله، إكساء البيت تدريجيًا وعلى مهل، أو السكن فيه بأنفسهم بدل طرحه للإيجار.
عودة السكان وترميم البيوت.. المخرج الأوضح
يرى صاحب المكتب العقاري أن الحل الأكثر واقعية لتخفيف أزمة الإيجارات يتمثل في عودة سكان داريا إلى ترميم منازلهم وكسوتها، ما يزيد عدد البيوت المتاحة ويخلق فائضًا في العرض، الأمر الذي قد يدفع الإيجارات إلى الانخفاض تلقائيًا.
لكن إلى أن يتحقق ذلك، تبقى أزمة السكن واحدة من أكثر الأعباء ضغطًا على سكان داريا، في ظل أسعار مرتفعة، وشروط قاسية، ودخول شهرية لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من الإيجار والمعيشة.