لا يبدو رمضان داريا مجرد شهر في التقويم، بل مرآة تعكس تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة عاشتها المدينة خلال السنوات الماضية.
فبين جيل نشأ على موائد جماعية مفتوحة في أحياء متقاربة، وجيل يكبر اليوم في بيوت أصغر ومساحات أكثر خصوصية، تتغير صورة الشهر وتتفكك بعض طقوسه، فيما تبقى أخرى صامدة بأشكال مختلفة.
لم يعد السؤال كيف يستقبل رمضان فحسب، بل كيف يعاش، فالتفاصيل التي كانت يومًا جزءًا من نسيج يومي ثابت، أصبحت اليوم مرتبطة بظروف المعيشة، وتبدل العلاقات، ونتائج الحرب التي أعادت تشكيل الخريطة السكانية والاجتماعية للمدينة.
حين كان الحي بيتًا واحدًا
بالنسبة لأميرة شريدي (73 عامًا)، يرتبط رمضان بذاكرة حي كامل، لا ببيت واحد فقط.
تتحدث الحاجة عن زمن كانت فيه العلاقات بين الجيران وثيقة إلى حد يجعل التحضير للإفطار نشاطًا جماعيًا يوميًا.
تقول إن نساء الحي كن يجتمعن قبيل المغرب لتقاسم مهام الطهي. واحدة تلف اليبرق، وأخرى تحضر الكبة، وثالثة تتولى تجهيز الخضار. وبعد الانتهاء، تتبادل الجارات الأطباق، وأحيانًا يجتمعن على مائدة واحدة في منزل إحداهن.
ولم يقتصر الأمر على الطعام، فقبل الشهر، كانت تنظم “جمعية” شهرية تساعد من تحتاج إلى مبلغ إضافي لشراء مستلزمات رمضان أو تجهيزات العيد.
تصف أميرة تلك المرحلة بأن الجيران كانوا يتشاركون الأفراح والمصاعب، في شبكة تضامن اجتماعي يومية غير معلنة.
الرجال والشباب بدورهم كانوا يجتمعون بعد صلاة التراويح، يتنقلون بين البيوت أو يصلون جماعة في أحدها. كان الحي، كما تقول السيدة، أشبه بعائلة ممتدة.
اليوم تغيرت الصورة، فبعد سنوات الحرب وما رافقها من نزوح واعتقالات وتفرق عائلي، تقلصت تلك الدائرة.
تتناول أميرة إفطارها مع إحدى بناتها فقط، وتقول إن البيوت باتت أكثر انغلاقًا، وإن ضجيج الأطفال وضحكاتهم لم تعد كما كانت.
رمضان بطعم الأرض
بشير شبرق (60 عامًا) يربط رمضان بالأرض، فقد كان يقضي نهاره في بستانه في منطقة فشوخ، يعمل بين الأشجار، ويتوضأ من مياه الأرض الباردة فيخف عليه حر الصيف.
لم يكن يشعر بثقل الصيام، كما يقول، بل كان يعتبر العمل جزءًا من يومه الرمضاني.
قبيل المغرب، يعود بشير إلى منزله، ينظف أمام الباب، ويجلس مع جيرانه لتبادل الأحاديث اليومية.
وبعد الإفطار والتراويح، تمتد السهرة في باحة المنزل، حيث يفرش أبناؤه الأرض، يتابعون المسلسلات، وتُقدم الفواكه التي جناها من أرضه.
اليوم، تزوج الأبناء، وكل منهم في منزله، باستثناء أحدهم الذي يشاركه الإفطار يوميًا.
لا يزال بشير يذهب إلى بستانه، لكن السهرات الجماعية تقلصت، وباتت الأسرة حول السفرة أصغر مما كانت عليه.
بين تراجع الدخل وتقلص العزائم
سامر عليان (44 عامًا) يستحضر رمضان من زاوية العمل والقدرة المادية.
كان محل النجارة الذي يعمل فيه يشهد طلبًا كبيرًا، ما مكنه من إقامة عزائم متكررة خلال الشهر، واستقبال الأقارب والأصدقاء.
لكن المعادلة تغيرت اليوم، فالطلبات تراجعت، والدخل انخفض، ما انعكس على نمط الضيافة.
يقول سامر إن العزائم لم تعد كما كانت، وإن الضيافة باتت تُحضر وفق الإمكانات المتاحة، حتى النشاطات الرمضانية البسيطة، كألعاب المضارب والريشة في أيام العطلة، أصبحت أقل انتظامًا.
ويشير إلى أن غياب والدته التي كانت تجمع العائلة في بيتها ترك أثرًا واضحًا على شكل الشهر، معتبرًا أن دورها كان محوريًا في لمّ شمل الأسرة.
جيل ينشأ على تفاصيل مختلفة
في المقابل، تعيش هديل السمرة (19 عامًا) رمضان بصورة مختلفة.
تهتم بزينة الشهر وتفاصيله البصرية، وتشارك لحظات قهوتها بعد الإفطار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تتابع المسلسلات، وتمضي وقتًا في مشاهدة مقاطع قصيرة، إلى جانب مساعدتها والدتها في إعداد الطعام.
بالنسبة للشابة، يبقى تجهيز السفرة جزءًا أساسيًا من يومها الرمضاني، لكنه يتقاطع مع حضور واضح للتكنولوجيا في تفاصيل الشهر.
أما خالد العر (16 عامًا)، فيقضي جزءًا من يومه في متابعة مقاطع قصيرة أو لعب “بابجي”، ويشارك أحيانًا في قضاء حاجيات المنزل.
ورغم انشغال خالد بالألعاب، يؤكد أنه يحب المشاركة في إعداد السفرة، خصوصًا الحلويات بعد الإفطار.
بين الحنين والتكيف
تكشف هذه الشهادات عن تحول تدريجي في شكل رمضان داخل داريا.
لم يعد الحي كله يجتمع كما في السابق، وتقلصت العزائم الواسعة أمام ضغوط المعيشة، فيما دخلت وسائل التواصل والألعاب الإلكترونية إلى يوميات الجيل الأصغر.
ومع ذلك، لا يغيب رمضان عن البيوت، وما يزال الإفطار لحظة تجمع، ولو في نطاق أضيق، وما تزال بعض الأطباق حاضرة، وإن بأشكال أبسط.
رمضان في داريا لم يفقد معناه، لكنه يعاد تعريفه مع كل جيل، فبين حنين الكبار إلى زمن “الحي الواحد”، ومحاولة الشباب صناعة طقوسهم الخاصة، تتشكل صورة شهر يتغير مع الناس، كما تغيرت المدينة نفسها.