عندما تقدم شاب من خارج سوريا لخطبة نسرين، لم يكن السؤال بالنسبة لها متعلقًا بموافقتها وحدها، بل بما سيقوله المحيطون بها عن قرارها.
وبين تجربة زواج سابقة، وطفلتين تعيشان بعيدًا عنها، وجدت نسرين نفسها أمام قرار شخصي تحول، تحت وطأة الرقابة الاجتماعية، إلى شأن قابل للنقاش والتقييم.
لا تبدو تجربة نسرين استثنائية في داريا، إذ يقول عدد من الشباب إنهم يعيدون التفكير في قرارات تتعلق بالزواج أو السفر أو تعليم أبنائهم أو حتى مشاركة تفاصيل حياتهم اليومية، خوفًا من أحكام المجتمع أو التعليقات التي قد ترافق خياراتهم الشخصية، في ظاهرة يصفها البعض بالرقابة الاجتماعية غير المعلنة.
قرارات شخصية تحت أنظار الآخرين
تقول نسرين (24 عامًا)، لعنب بلدي، إن تجربة زواجها السابقة، التي انتهت بالطلاق، جعلت قرار الارتباط من جديد أكثر حساسية بالنسبة لها، خاصة أن لديها طفلتين تعيشان لدى عائلة زوجها السابق.
ورغم أنها شعرت بأن الشاب مناسب لها، فإن تعليقات من محيطها الاجتماعي جعلتها تتردد أكثر من مرة. وتقول إن كثيرين توقفوا عند كونه من خارج سوريا، بدل النظر إلى مدى توافقهما أو إمكانية بناء حياة مستقرة معه.
وتضيف نسرين أن ما يزعجها لا يقتصر على قرار الارتباط، بل يمتد إلى أسئلة شخصية اعتادت سماعها عن راتبها السابق، والمبلغ الذي يرسله لها خطيبها، وتعليقات على لباسها وخياراتها اليومية.
ورغم انزعاجها من هذه الأسئلة، تقول إنها تجيب أحيانًا حتى لا تتهم بأنها شخص غير لطيف، لكنها ترى في المقابل أن كثيرين يرفضون الإجابة عندما تطرح عليهم الأسئلة نفسها، ما يجعل الخصوصية حقًا محفوظًا للبعض ومتاحًا للنقاش عند آخرين.
من الزواج إلى تعليم الأطفال.. حسابات إضافية
لا يقتصر تأثير أحاديث الناس على قرارات الزواج فقط، وفق مايا (27 عامًا)، التي عادت إلى داريا بعد سنوات قضتها في لبنان.
تقول مايا لعنب بلدي إن أكثر ما شعرت بالراحة تجاهه أثناء وجودها خارج سوريا هو غياب التدخل في شؤونها الخاصة، موضحة أن أي تصرف تقوم به اليوم قد يصبح موضوعًا للتعليق أو التفسير داخل محيطها الاجتماعي.
وتضيف أن هذا الواقع يدفعها أحيانًا إلى إعادة التفكير في قراراتها الشخصية، مشيرة إلى أنها ترغب في تسجيل أطفالها في مدارس خاصة، لكنها ما تزال مترددة خوفًا من التعليقات والأسئلة التي قد تطرح حول قدرتها المادية أو مصدر أموالها، خاصة أنها عادت حديثًا من الخارج.
كما تحاول أحيانًا إخفاء أمور عادية من حياتها اليومية، مثل ذهابها إلى النادي الرياضي، تجنبًا للانتقادات أو التفسيرات التي لا ترغب في خوضها.
وتوضح أن شعورها بالراحة خارج البلاد كان مرتبطًا بكونها تعيش في بيئة لا يعرفها فيها أحد بالقدر الذي يسمح بتتبع تفاصيل حياتها أو الحديث عنها، مضيفة أن بعض الأسئلة المتعلقة براتب زوجها أو حياتها الشخصية تضعها في مواقف محرجة، فتضطر أحيانًا إلى المراوغة لتجنب الإجابة.
مجتمع مترابط أم رقابة اجتماعية؟
يرى جمال (33 عامًا) أن طبيعة المجتمع في داريا لعبت دورًا في ترسيخ هذه السلوكيات، إذ يعرف كثير من الأهالي بعضهم بعضًا منذ سنوات طويلة، وترتبط العائلات بعلاقات قرابة ومصاهرة، ما يجعل أخبار الناس متداولة بصورة مستمرة.
ويقول لعنب بلدي إن الفضول لمعرفة أحوال الآخرين جزء من الثقافة الاجتماعية السائدة، لكنه يتحول أحيانًا إلى رقابة غير معلنة على خيارات الأفراد، سواء تعلق الأمر بالزواج أو السفر أو العمل.
ويضيف أن كثيرًا من الشباب لا يهتمون بما يقال عنهم، لكن هناك آخرين يعيدون التفكير في قرارات مهمة خوفًا من الانتقادات، مثل السفر بحثًا عن مستقبل أفضل أو الارتباط بشخص يختارونه بأنفسهم دون أن يحظى القرار بقبول كامل من العائلة أو المجتمع.
ويعتقد جمال أن هذه الظاهرة تحمل وجهين، فقد تنطلق أحيانًا من الحرص والاهتمام، لكنها تتحول إلى سلوك سلبي عندما تصبح وسيلة لفرض الآراء أو مراقبة تفاصيل حياة الآخرين.
ويشير إلى أن النقد المستمر قد يترك آثارًا نفسية تدفع بعض الأشخاص إلى التردد في اتخاذ قراراتهم أو التشكيك بخياراتهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا مصيرية تمس مستقبلهم الشخصي.
الحرب ووسائل التواصل.. مجتمع تغير وأحكام ما تزال حاضرة
أما أم طلال (65 عامًا) فتقول لعنب بلدي إن الحديث عن الناس ليس جديدًا على داريا، موضحة أن المدينة كانت أصغر حجمًا في الماضي، وكانت الزيارات والاجتماعات العائلية أكثر كثافة، ما جعل أخبار الأهالي تنتقل بسرعة.
وترى أن المجتمع تغير بعد سنوات الحرب، إذ سافر كثير من أبناء المدينة إلى بلدان مختلفة وتعرفوا على ثقافات جديدة، كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع تداول الأخبار والتعليقات.
وتضيف أن تطبيقات مثل “واتساب” أصبحت مصدرًا رئيسيًا لمعرفة تفاصيل حياة الآخرين، وأن مشاركة الصور والحالات اليومية جعلت انتقال الأخبار أسرع من السابق.
وتقول: “في السابق كانت هناك أمور خاصة يستحيل أن تخرج خارج نطاق شخصين، أما اليوم فقد يعرف الناس خبر الطلاق أو أي حدث شخصي من خلال حالة على واتساب، وهذا يفتح المجال أمام مزيد من التعليقات والكلام”.
لماذا يخاف الناس من أحكام المجتمع؟
ترى الأخصائية الاجتماعية سما الرفاعي أن ظاهرة التدخل في شؤون الآخرين وتقييم سلوكهم موجودة بدرجات متفاوتة في مختلف المجتمعات، لكنها تصبح أكثر وضوحًا كلما كان المجتمع أكثر تقاربًا وأقل تنوعًا.
وتوضح لعنب بلدي أن المجتمعات المغلقة تميل إلى وضع معايير محددة للنجاح والعلاقات والمكانة الاجتماعية، ما يجعل أي خيار مختلف عرضة للمراقبة والتقييم، مضيفة أن بعض أشكال التدخل يتم تبريرها تحت عناوين مثل الحرص أو المحبة، بينما يشعر الأفراد بأنهم مضطرون للامتثال لتوقعات المجتمع خوفًا من الانتقاد أو الرفض.
وتشير إلى أن الرقابة الاجتماعية المستمرة قد تؤثر في ثقة الأشخاص بأنفسهم، وتدفعهم إلى تجنب التغيير أو تأجيل قرارات مهمة خشية التعرض للأحكام السلبية، مؤكدة أن الحاجة إلى الانتماء تجعل كثيرين يفضلون التكيف مع توقعات المجتمع حتى لو لم يكونوا مقتنعين بها بالكامل.
وبحسب الرفاعي، فإن تعزيز المعرفة والانفتاح الفكري واحترام الخصوصية يمكن أن يساهم في بناء علاقات اجتماعية أكثر توازنًا، تقوم على الدعم والتواصل بدلًا من مراقبة الآخرين أو تقييم خياراتهم.
وتظهر شهادات من تحدثوا إلى عنب بلدي أن تأثير أحاديث الناس لا يقتصر على الشعور بالانزعاج من الأسئلة أو التعليقات، بل يمتد أحيانًا إلى إعادة التفكير في قرارات تتعلق بالزواج أو السفر أو تربية الأبناء، في مجتمع ما تزال فيه الحدود بين الاهتمام بحياة الآخرين واحترام خصوصيتهم محل نقاش، تبدو أحاديث الناس عاملًا حاضرًا في كثير من القرارات الشخصية لدى الأجيال المختلفة.