على حصيرة زرقاء، تجلس أميرة إلى جانب ابنتها، وتساعدها على فرد قطعة من العجين داخل صحن معدني. تضعان القشطة في وسطها، ثم تلفان العجين حول الحشوة وتديرانه على شكل حلزوني، قبل نقل الفطيرة إلى صينية تضم قطعا أخرى أعدت بالطريقة نفسها.
تحضر أميرة «فطاير بلف»، إحدى الأكلات الشعبية المعروفة قديمًا في داريا، وتشرح لابنتها طريقة إعدادها، كما تعلمتها من أمها عندما كانت في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمرها.
تتكون الأكلة من عجين محشو بالقشطة، يلف بطريقة تمنحه شكلا دائريا، ثم يخبز ويضاف إليه القطر. وتحتاج عملية تحضيرها إلى عدة مراحل، تبدأ بالعجن والتخمير، وتنتهي بخبز الفطائر وتحليتها.
وتقول أميرة لعنب بلدي إنها تعلمت إعداد هذه الفطائر قبل زواجها، خلال مشاركتها أمها وأخواتها في تحضير الطعام، وما زالت تعدها في منزلها بالطريقة التي تعلمتها.
ولا تقتصر ذكرياتها المرتبطة بهذه الأكلة على مكوناتها وطريقة تحضيرها، بل تشمل جلسات العمل العائلية التي كانت تجمع النساء حول الصاج، لإعداد الفطائر وأصناف أخرى من الطعام والخبز.
السيدة أميرة أثناء إعدادها “فطاير بلف” في مطبخ منزلها بداريا – 6 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)
مم تتكون «فطاير بلف»
تبدأ أميرة بتحضير العجينة من الطحين والسكر واللبن والفانيلا والخميرة، مع إضافة الماء والزيت. تعجن المكونات بيدها حتى تتماسك، ثم تغطي العجينة وتتركها في مكان دافئ حتى تختمر.
بعد ذلك، تقسم العجينة إلى كرات صغيرة وترتبها على صينية معدنية واسعة، فيما تحضر الحشوة بإضافة السكر وزيت الزيتون إلى القشطة، وتجهز القطر من السكر والماء وعصير الليمون.
وتوضح أميرة أن العجين يحتاج إلى وقت كاف للتخمير قبل البدء بفرده وحشوه، وأن طريقة اللف من الخطوات الأساسية التي تمنح الفطائر شكلها المعروف.
تأخذ ابنتها إحدى كرات العجين وتضغط عليها براحة يدها داخل الصحن المعدني، بينما تساعدها أميرة على فردها. وبعد وضع القشطة، تطوى حافة العجين فوق الحشوة، وتلف القطعة حتى تصبح طويلة، ثم تدار حول نفسها لتأخذ شكلها الحلزوني.
وتوضع القطع في صينية كبيرة، الواحدة إلى جانب الأخرى، مع اختلاف بسيط في أحجامها بحسب مقدار العجين وطريقة فرده ولفه.
وخلال العمل، تشرح أميرة لابنتها كيفية ضبط شكل الفطيرة، وتساعدها في بعض الخطوات، مشيرة إلى أن إتقان إعدادها يحتاج إلى الممارسة وتكرار المحاولة.
وترى أن تعلم إعداد الأكلات المنزلية يرتبط أيضا بالرغبة في تحضيرها، أو «المزاج» كما تسميه، إذ كانت تراقب أمها أثناء العمل، وتحاول تقليد طريقتها حتى تعلمتها.
وبعد الانتهاء من ترتيب القطع، تدخل الصينية إلى فرن الصاج حتى تنضج الفطائر وتتحمر أسطحها. وتتركها لتبرد، ثم تضيف إليها القطر قبل تقديمها.
اللمة العائلية وإعداد الطعام
تستعيد أميرة جلسات إعداد الفطائر في منزل أهلها، حين كانت تجتمع مع أمها وأخواتها حول الصاج، وتتوزع بينهن الأعمال اللازمة لتحضير الطعام.
لم تكن الأم تتولى جميع مراحل العمل وحدها، بل كانت تطلب من بناتها إحضار المكونات وتجهيز الحشوات والقطر والزيت، فيما تشارك الأخريات في إعداد العجين والفطائر.
وتتذكر أميرة أن تلك الجلسات كانت تبدأ أحيانا في وقت العصر، وتستمر حتى الانتهاء من إعداد الأصناف التي قررت الأسرة تحضيرها في ذلك اليوم.
ولم يكن العمل يقتصر على «فطاير بلف»، إذ كانت الأسرة تستغل تشغيل الفرن في إعداد الفطائر العادية و«الفرايك» وفطائر الجبنة واللحم، ثم تنتقل إلى خبز الخبز بعد الانتهاء من الفطائر.
وتقول أميرة إن أمها كانت تناديها لمساعدتها كلما أرادت إعداد إحدى هذه الأكلات، فتشاركها العمل وتتعلم منها خطوات التحضير.
ومن خلال هذه المشاركة، تعلمت أميرة إعداد أصناف متعددة، منها الكنافة و«فطاير بلف»، واستمرت في تحضيرها بعد زواجها.
وكانت جلسات إعداد الطعام في داريا فرصة اجتماعية وتعليمية، تجمع بين إنجاز العمل المنزلي وتعليم البنات طرق التحضير، إذ تتولى الأم توزيع المهام، وتتعلم البنات بالمشاهدة والمشاركة المباشرة.
وبحسب أميرة، فقد احتفظت بطرق إعداد الأكلات التي تعلمتها من أمها، وكان زوجها يحب بعض هذه الأصناف ويطلب منها تحضيرها بالطريقة نفسها.
ذكريات مرتبطة بالأكلة
تحتفظ أميرة بذكريات عائلية مرتبطة بـ«فطاير بلف»، من بينها عادة أبيها في تناولها ساخنة، إذ كان يسألها صباحا عما إذا كان لديها شيء من الفطائر، ثم يطلب منها إحضار صحن ووضعه تحت المدفأة حتى تسخن وتسيل القشطة داخلها.
أما ذكرياتها مع أمها، فتعود إلى جلسات إعداد الطعام حول الصاج، حين كانت تجتمع مع أخواتها للمساعدة في تحضير الفطائر والخبز، وتتعلم منهن أصنافا استمرت في إعدادها بعد زواجها.
واليوم، تعلّم أميرة ابنتها إعداد «فطاير بلف» بالطريقة التي تعلمتها من أمها قبل سنوات، وتتابع محاولاتها الأولى في فرد العجين وحشوه ولفه، وتساعدها عند الحاجة، قبل أن تبدي رضاها عن النتيجة وتشجعها على تكرار التجربة.