تُعد ولاء جديان (37 عامًا) الكبة والمناسف وجيبة التاجر، إلى جانب أصناف من الطعام والمونة التي يطلبها زبائنها في مدينة داريا، وتعتمد على هذا العمل في تغطية نفقات أسرتها وإيجار منزلها.
بدأت جديان العمل في إعداد الطعام بالتطوع، قبل أن تنتقل إلى العمل المأجور وتبدأ استقبال الطلبات من الزبائن.
وإلى جانب عملها، تدرس اليوم في السنة الرابعة بكلية رياض الأطفال، بعدما عادت إلى التعليم عام 2023، إثر انقطاع استمر منذ إنهائها الصف التاسع عام 2005.
وتقول لعنب بلدي إن العمل في إعداد الطعام أتاح لها إعالة أطفالها الثلاثة، لكنه يتطلب وقتًا وجهدًا يجعلان التوفيق بينه وبين الدراسة الجامعية صعبًا في بعض الفترات.
من التطوع إلى مشروع لإعداد الطعام
بدأت ولاء جديان تعلم إعداد الطعام والعمل فيه عندما كانت أسرتها تتلقى كفالة للأيتام من جمعية «التميز»، التي شجعت النساء المستفيدات على العمل.
وتقول إنها التحقت مع مجموعة من النساء بعمل تطوعي في إعداد الطعام لدى الشيف فضل الله بمنطقة ركن الدين في دمشق، وكانت تحصل في البداية على سلال غذائية توزع بين حين وآخر، قبل أن يصبح العمل مدفوع الأجر لبعض المشاركات.
بعد هذه التجربة، بدأت جديان إعداد الطعام والمونة حسب الطلب من منزلها، وعملت أيضًا في تحضير الأطعمة والحلويات بمحل شقيقها.
واعتمدت في التعريف بعملها على تصوير الأطباق التي تعدها وعرضها للزبائن، ثم بدأت تتلقى طلبات من أشخاص تعرفوا إلى طعامها عن طريق زبائن سابقين.
ومن أبرز الأصناف التي تعدها الكبة والمناسف وجيبة التاجر، إلى جانب المونة التي تحضرها حسب الطلب.
واجهت جديان صعوبة في تنفيذ الطلبات الكبيرة داخل منزلها السابق بمنطقة المهايني شرقي داريا، بعدما اشتكى بعض الجيران من روائح الطبخ، فتوقفت عن إعداد تلك الطلبات في المنزل واتجهت إلى العمل خارجه.
ولا تزال تعمل في إعداد الطعام والمونة، وتوزع وقتها بين طلبات الزبائن ومسؤوليات الأسرة والدراسة.
العمل وإعالة الأسرة
تتولى جديان إعالة أطفالها الثلاثة، رغد وشفيق وزينة، منذ وفاة زوجها خلال الحرب.
كانت قد تزوجت بعد إنهائها الصف التاسع عام 2005 وتوقفت عن الدراسة. وخلال الحرب، فقدت إحدى بناتها، ثم قُتل زوجها بعد نحو عام، وكانت حينها في الرابعة والعشرين من عمرها.
بعد وفاة زوجها، أقامت مع أطفالها لدى أهلها في لبنان لمدة عامين، ثم عادت إلى داريا لزيارة أهل زوجها، لكن السلطات السورية فرضت عليها منعًا من السفر، فلم تتمكن من العودة إلى لبنان.
استأجرت منزلًا في منطقة المهايني وأقامت فيه خمس سنوات، قبل انتقالها إلى منزلها الحالي الذي تسكنه بالإيجار أيضًا.
وأصبح إعداد الطعام مصدر دخل تعتمد عليه في تأمين احتياجات الأسرة، مع حرصها على استمرار أطفالها في التعليم.
التحقت ابنتها رغد بالجامعة، بينما وصل شفيق إلى الصف العاشر، وكان يعمل خلال العطلة الصيفية.
وتقول جديان إنها طلبت من ابنها مؤخرًا البحث عن عمل لبضع ساعات بعد المدرسة للمساعدة في دفع الإيجار، بشرط ألا يؤثر ذلك في دراسته.
العودة إلى الدراسة بعد 18 عامًا
رغم انقطاعها عن التعليم منذ عام 2005، ظلت جديان ترغب في استكمال دراستها.
وتقول إن والدها عارض الفكرة في البداية بسبب مسؤولياتها تجاه أطفالها، لكنه وافق لاحقًا بعدما أكدت له أنها ستواصل العمل ورعاية الأسرة.
التحقت بدورة صيفية في معهد «مداد»، ثم تابعت الدراسة في الدورة الشتوية استعدادًا لامتحانات البكالوريا.
وكانت اللغة الإنجليزية من أصعب المواد بالنسبة إليها، لأنها درست الفرنسية قبل انقطاعها عن المدرسة.
وتذكر أن مدرس الإنجليزية كان يخصص وقتًا خلال الاستراحات لمساعدتها هي وزميلاتها على فهم القواعد وتشجيعها على متابعة الدراسة.
ومع اقتراب الامتحانات، لم تعد تكتفي بهدف النجاح، بل أرادت الحصول على مجموع يتيح لها اختيار اختصاص جامعي.
«كنت بعرف إني بنجح، بس ما كنت بدي نجاح، كنت بدي مجموع عالي»، تقول جديان لعنب بلدي.
وخلال التحضير للبكالوريا، توقفت عن العمل المنتظم خارج المنزل، لكنها استمرت في تنفيذ بعض طلبات الطعام.
وقبل الامتحانات، انتقلت إلى منزل أهلها لرعاية أطفالها ووالدها وإخوتها خلال سفر والدتها إلى مصر.
ولأن المنزل كان صغيرًا ويشهد حركة مستمرة، رتبت سقيفة لتدرس فيها، وكانت تتوقف عن المذاكرة لإعداد الطعام والاهتمام بشؤون المنزل، ثم تعود إلى كتبها.
وتتذكر أن والدها كان يجدها أحيانًا نائمة والكتاب على وجهها، فتخبره بأنها تريح عينيها قليلًا قبل متابعة الدراسة.
نجحت جديان في البكالوريا وحصلت على مجموع أتاح لها المفاضلة على عدة اختصاصات. وكانت تفكر في دراسة الأدب العربي، لكن إحدى معلماتها نصحتها باختيار رياض الأطفال، باعتباره اختصاصًا قد يوفر فرص عمل تتناسب مع مسؤولياتها الأسرية.
بين الجامعة وطلبات الزبائن
تدرس جديان اليوم في السنة الرابعة بكلية رياض الأطفال، بعدما واجهت في البداية صعوبة في التأقلم مع الحياة الجامعية.
وتقول إنها شعرت بالخجل وسط طالبات أصغر منها سنًا، وواجهت صعوبة في إجراءات التسجيل، قبل أن تتعرف إلى زميلات ساعدنها على التأقلم.
كما ساعدها تشجيع أحد أساتذتها على تجاوز شعورها بفارق العمر بينها وبين بقية الطلاب.
«اللي بده يدرس، لا في عمر كبير ولا صغير»، تقول جديان.
وتواصل العمل في إعداد الطعام والمونة إلى جانب الدراسة، وتحضر إلى الجامعة عندما يكون الدوام العملي إلزاميًا.
لكن حاجتها إلى العمل خلال فترة الامتحانات هذا العام قللت الوقت المتاح للمذاكرة، فرسبت في ثلاث مواد، ولا تزال تواجه صعوبة في بعض مقررات اللغة الإنجليزية.
وتأمل جديان أن تعمل في مجال التعليم بعد التخرج، وأن تخفف اعتمادها على إعداد الطعام الذي يتطلب منها ساعات طويلة من العمل.
ولم تتقدم حتى الآن إلى وظيفة في مدرسة، خشية تعارض الدوام مع حضورها الجامعي وامتحاناتها.
وتقول إنها ستكون أول خريجة جامعية بين إخوتها، وهو ما تنتظره مع اقترابها من إنهاء دراستها.
وحتى ذلك الحين، تواصل ولاء جديان استقبال طلبات الطعام والمونة لتغطية نفقات أسرتها، بالتوازي مع متابعة دراستها الجامعية.
حلويات أعدتها ولاء جديان ضمن طلبات عملها في داريا (عنب بلدي)
وجبات طعام أعدتها ولاء جديان ضمن طلبات عملها في داريا (عنب بلدي)
وجبات طعام أعدتها ولاء جديان ضمن طلبات عملها في داريا (عنب بلدي)