أضاحي العيد في داريا.. طقس مستمر رغم الغلاء

نشطت في مدينة داريا، منذ صباح اليوم، أول أيام عيد الأضحى، حركة الناس أمام محال اللحامين، مع توجه الأهالي لذبح أضاحيهم وتوزيع اللحوم، في طقس ديني واجتماعي ما يزال حاضرًا رغم ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية لدى كثير من العائلات.

ولا يقتصر مشهد الأضحية في داريا على الذبح وحده، بل يمتد إلى عادات التوزيع، واجتماع الأقارب، وسؤال الأهالي عن شروط الأضحية وسلامتها ووزنها، في وقت يقول مواطنون إن هذا الطقس كان في السابق أكثر حضورًا وسهولة، حين كانت عائلات كثيرة تربي الخراف في المنازل أو الأراضي طوال العام استعدادًا للعيد.

“جبر خاطر للناس”

محمود خاروف، القادم من كفرسوسة، قال لعنب بلدي إن الأضحى “عيد مبارك وفيه خير وبركة وجبر خاطر للمسلمين”، معتبرًا أن توزيع الأضاحي يمنح الفقراء شيئًا من الفرح، ولو عبر “قطعة لحم” تقدم في سبيل الله.

وأضاف أن الأضحية لا تقتصر على المحتاجين فقط، بل تذكر المقتدرين أيضًا ببركة العيد، وتدفعهم إلى الذبح والتوزيع ومشاركة الناس.

وعن أجواء العيد قديمًا، قال خاروف إن “البركة كانت أكثر”، وإن كثيرًا من العائلات في داريا وكفرسوسة كانت تربي خروفًا أو أكثر طوال العام استعدادًا للأضحية، بينما أصبح ذلك أصعب اليوم بسبب ضيق المساحات وارتفاع التكاليف.

أسعار تحد من المشاركة

أيمن سيد سليمان قال لعنب بلدي إن ما يميز عيد الأضحى هو الأضحية نفسها، “فالاسم من المسمى”، بحسب تعبيره.

وأضاف أن أجواء العيد سابقًا كانت مختلفة، إذ كان كثير من الأهالي يربون المواشي داخل منازلهم أو أراضيهم، ما يجعل الأضحية أقل كلفة ولا يحولها إلى عبء مالي كبير.

وأشار سليمان إلى أن أسعار الأضاحي هذا العام مرتفعة جدًا، وتصل إلى نحو ضعف أسعار العام الماضي، معتبرًا أن ذلك قلل قدرة كثير من العائلات على الذبح.

محمد غزال رأى أيضًا أن الظروف المعيشية الحالية جعلت فرحة العيد “ناقصة قليلًا”، رغم بقاء معنى الأضحية حاضرًا بين الأهالي.

وأوضح إن الأضحية في العيد تقوم على توزيع اللحم على الفقراء والمساكين، إلى جانب حصة صاحب الأضحية والأقارب والأصدقاء، مضيفًا أن القدرة تختلف من شخص إلى آخر، و”لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها”.

شروط الأضحية ومخاوف الغش

في أحد محال اللحامين، قال ياسر خرياطي، وهو لحام في “ملحمة الأخوة”، إن من أهم شروط الأضحية أن يكون عمرها مناسبًا، وألا يقل عن ستة أشهر، وأن تكون سليمة من العيوب الظاهرة، فلا تكون عرجاء أو مريضة أو ناقصة.

وأضاف أن بعض حالات الغش قد تحصل أحيانًا في الوزن أو في طريقة إطعام الخروف قبل بيعه، موضحًا أن امتلاء الكرش بالماء أو العلف قد يعطي وزنًا غير حقيقي.

وبحسب خرياطي، يمكن للمشتري ملاحظة ذلك من حجم بطن الخروف مقارنة بوزنه، إذ لا يكون منطقيًا أن يبدو الخروف بوزن معين ثم يسجل رقمًا أعلى بكثير على الميزان.

وأوضح أن الخروف الذي يزن نحو 50 كيلوغرامًا حيًا يفترض أن يعطي قرابة 25 كيلوغرامًا من اللحم بعد الذبح، مع اختلاف بسيط بحسب جودة الخروف وكمية اللحم فيه.

من التربية المنزلية إلى الشراء المباشر

يعكس حديث من التقتهم عنب بلدي تغيرًا واضحًا في طريقة التعامل مع الأضحية في داريا.

ففي السابق، كانت بعض العائلات تربي الخراف داخل المنازل أو في الأراضي القريبة، ما يجعل الأضحية جزءًا من استعداد طويل يبدأ قبل العيد بأشهر.

أما اليوم، فصار الاعتماد أكبر على الشراء المباشر من الأسواق أو عبر اللحامين، وهو ما يجعل السعر مرتبطًا بتقلبات السوق وتكاليف التربية والنقل والطلب الموسمي.

ومع ارتفاع الأسعار، تتراجع قدرة بعض العائلات على الذبح، بينما يواصل آخرون الحفاظ على الطقس بدافع ديني واجتماعي، أو من خلال تقليص الكمية الموزعة، أو المشاركة في أضحية واحدة بحسب القدرة.

معنى ديني واجتماعي

حسان الحو، قال لعنب بلدي إن لكل عيد “بهجته وسروره”، موضحًا أن عيد الفطر يأتي بعد الصيام، بينما يرتبط عيد الأضحى بسنة الأضحية وقصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل.

وأضاف أن الأضحية تحمل معنى دينيًا واجتماعيًا يتجدد كل عام، من خلال الذبح والتقرب إلى الله وتوزيع الخير على الناس.

وتبقى الأضحية من أبرز مشاهد أول أيام العيد، ليس فقط باعتبارها شعيرة دينية، بل لأنها تفتح باب الزيارات والتوزيع والتكافل بين العائلات والجيران.

ومع استمرار الغلاء، لم يعد حضور الأضحية في المدينة كما كان قبل سنوات، لكنها ما تزال طقسًا يحاول الأهالي الحفاظ عليه كل بحسب استطاعته، بين من يذبح، ومن يشارك، ومن ينتظر نصيبه من التوزيع.

مقالات ذات صلة

حدائق ومقاهٍ جديدة في داريا.. شابات يجدن متنفسًا وأخريات يفضلن دمشق

«الديراني لحق الدبور».. أمثال وحكايات من ذاكرة الجدات في داريا

تزفيت طريق الفصول الأربعة في داريا.. ترحيب من الأهالي ومخاوف من السرعة