“كل شيء فرح صار بهالدنيا بضل ناقص إذا هم ما كانوا موجودين”، بهذه الكلمات تختصر هدى زيادة، من مدينة داريا، مأساة مدينة لم يُغلق ملف معتقليها رغم مرور أكثر من عقد على بدء الاعتقالات الواسعة بحق أبنائها.
لا تتوقف المأساة عند حدود الفقد، بل تمتد إلى روايات عن تعذيب ممنهج، وجثث بلا ملامح داخل برادات المشافي، وابتزاز مالي طال عائلات المعتقلين دون أن يفضي إلى إنقاذ أبنائهم أو معرفة مصيرهم.
أرقام الغياب والموت
وفق بيانات وثقتها جهات محلية في داريا، بلغ عدد المعتقلين الموثقين من أبناء المدينة 5212 شخصًا. وتمكن 2298 معتقلًا من نيل حريتهم خلال سنوات سابقة، بينما لا يزال مصير 2572 شخصًا مجهولًا حتى اليوم.
وبحسب ما أفاد به ياسر جمال الدين، المسؤول في مكتب التوثيق التابع لتنسيقية داريا، جرى توثيق استشهاد 342 شخصًا تحت التعذيب، استنادًا إلى بلاغات رسمية من الأهالي، أو عبر مطابقة صور “قيصر” المسرّبة. ويشير جمال الدين إلى أن هذه الأرقام تبقى جزئية، وسط اعتقاد واسع بأن العدد الحقيقي للضحايا أكبر بكثير من الموثق.
شهادات من خلف الأسوار
تروي هدى زيادة لعنب بلدي فصولًا من مأساة عائلتها، التي فقدت نحو 20 شخصًا بين معتقل ومفقود. اعتُقل أشقاؤها وأبناؤها بين عامي 2012 و2013، في مرحلة شهدت تصعيدًا واسعًا في حملات الاعتقال بحق أبناء داريا، خاصة على الحواجز العسكرية.
وتشير إلى أن “حاجز الجوية” كان أحد أبرز نقاط الاعتقال التي لم يخرج منها كثيرون. وفي عام 2016، تبلغت بوفاة أشقائها الثلاثة جمال وطالب وخالد زيادة في السجن المدني.
وتصف هدى لحظة تعرفها على جثامين داخل برادات المشافي قائلة: “روائح قوية، تعفن بالجسد، وما في ملامح… حتى الأم إذا شافت ابنها ما بتعرفه”، في مشهد يلخص حجم الانتهاكات التي تعرض لها المعتقلون.
مطار المزة في صلب الملف
تُظهر شهادات الأهالي وبيانات التوثيق أن مطار المزة العسكري شكّل محطة رئيسية في ملف اعتقال أبناء داريا، وكان مسؤولًا عن جزء كبير من حملات الاعتقال والتصفية.
ورغم مرور سنوات على التهجير وعمليات “التسوية”، لا يزال ملف المعتقلين يشكل أحد أكبر العوائق أمام السلم الأهلي في المدينة، في ظل غياب أي معلومات رسمية عن مصير آلاف المغيبين.
وتُعد قضية معتقلي داريا نموذجًا مصغرًا لملف المعتقلين في سوريا عمومًا، حيث لا تزال مئات العائلات تنتظر خبرًا أو دليلًا يبدد الغياب، فيما تحولت السجون إلى مساحات مغلقة تبتلع الضحايا، وتترك خلفها ذاكرة جماعية مثقلة بالفقد، يصعب على الزمن محو آثارها.