بحث مسؤولون محليون وناشطون وأهال من مدينة داريا واقع المدينة الخدمي والإداري، على هامش أمسية رمضانية أقيمت مساء الثلاثاء 10 آذار، وسط مطالبات بتحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية، وتوسيع مشاركة السكان في متابعة الشأن المحلي واتخاذ القرار.
وأقيمت الأمسية في صالة القناطر بفندق “آرت هاوس” في حي المزة بدمشق، بدعوة إلى إفطار رمضاني ولقاء ودي جمع ناشطين من داريا، إلى جانب مدير منطقة داريا ونائبه، ورئيس بلدية داريا، وممثلين عن الإدارة المدنية والمكتب التنفيذي للمجلس البلدي، إضافة إلى شباب وسيدات من أبناء المدينة.
المشاركة المجتمعية ودورها في النهوض
خلال الأحاديث والمداخلات، ركز المشاركون على أهمية دور المجتمع المحلي في دعم عمل المؤسسات الرسمية والمساهمة في تطوير المدينة.
مدير أوقاف داريا، رامي السقا، اعتبر أن النهوض الحضاري لا يمكن أن يتحقق دون تفاعل بين المجتمع والسلطات، موضحًا أن دور المجتمع لا يقتصر على النشاط الاجتماعي، بل يشمل المشاركة في الشأن العام وتقديم النصح والتوجيه ونقد الأخطاء بما يخدم المصلحة العامة.
وربط السقا بين فاعلية المجتمع ومشروعية الحكم، سواء من حيث وصول السلطة بوصفها معبرة عن إرادة المجتمع، أو من حيث ممارستها بما يتوافق مع قيم الناس ومصالحهم.
من جهته، شدد مدير منطقة داريا جميل مدور على أهمية التعاون بين المجتمع المحلي والجهات المسؤولة في المدينة، سواء على مستوى الإدارة المدنية أو المجلس البلدي، معتبرًا أن معالجة التحديات الخدمية والإدارية تتطلب تكاملًا بين المؤسسات الرسمية والسكان.
البلدية: نقص في الكوادر وخطط لزيادة الشفافية
وتناول رئيس بلدية داريا رائد عبيد خلال اللقاء عددًا من الملفات المرتبطة بعمل البلدية، وفي مقدمتها نقص الكوادر البشرية، موضحًا أن البلدية تعمل بإمكانات محدودة في وقت تتزايد فيه احتياجات المدينة مع عودة السكان تدريجيًا.
وأشار عبيد إلى توجه البلدية لإطلاق موقع إلكتروني خاص بها يهدف إلى نشر الأعمال والخطط والمشروعات، وإطلاع الأهالي على ما يجري تنفيذه داخل المدينة. ولفت إلى أن البلدية تسعى عبر هذه المنصة إلى تعزيز التواصل مع السكان وتلقي مشكلاتهم ومقترحاتهم.
وفيما يتعلق بالخدمات، تحدث عبيد عن استمرار أعمال النظافة في المدينة بعد حملة شارك فيها الأهالي، موضحًا أن العمل جار حاليًا في المنطقة الممتدة من دوار الشهداء عند الكورنيش الجديد حتى الفرن الآلي، مع خطط لزراعة أشجار في الموقع.
وتأتي هذه الجهود في وقت يطالب فيه سكان داريا بتحسين الخدمات بصورة أكثر انتظامًا، خاصة في ملفات النظافة وتنظيم الشوارع ومعالجة المظاهر التي تؤثر في المشهد العام داخل المدينة.
كما أشار رئيس البلدية إلى أن الموارد المالية للمجلس البلدي ما تزال خاضعة لقوانين وأنظمة سابقة تحد من قدرة البلدية على الاستفادة الكاملة من العائدات المحلية في تنفيذ المشروعات الخدمية.
وأوضح أن البلدية تطالب بصيغ أوسع من اللامركزية، بما يسمح باستخدام الرسوم والعائدات المحلية، مثل رسوم المحال والتعهدات، في تنفيذ مشاريع خدمية مباشرة داخل المدينة.
دعوات لحلول تنظيمية سريعة
بدوره، دعا مهند الفرخ، طبيب أسنان وعضو لجنة المبادرات في الإدارة المدنية، إلى عدم ربط تحسين واقع المدينة بانتظار دعم الجهات المانحة، معتبرًا أن هذا الانتظار قد يستغرق سنوات.
ورأى أن داريا بحاجة إلى إجراءات تنظيمية سريعة لا تتطلب تمويلًا كبيرًا، مثل تنظيم الأرصفة، وضبط حركة السير، وتنظيم الدراجات النارية، ومعالجة مشكلة المحال الصناعية داخل الأحياء السكنية، إضافة إلى إنشاء مجمع للمهن الصناعية يخفف الضغط عن المناطق السكنية.
وأشار الفرخ إلى أن تراجع الواقع الخدمي قد يدفع بعض السكان إلى التفكير في مغادرة المدينة أو وضع خطط للانتقال مستقبلًا، ما يجعل التحرك السريع ضرورة للحد من هذا الاتجاه.
مقترحات لتنظيم المجتمع المحلي
وخلال الحديث، طرح الناشط محمد عبار فكرة تنظيم المجتمع المحلي ضمن روابط مهنية وأهلية، مشيرًا إلى ضعف الروابط بين الأحياء والسكان في الوقت الحالي.
وأوضح أن الفكرة تقوم على تشكيل تجمعات بحسب القطاعات والمهن، مثل روابط للفلاحين والصناعيين والنجارين والحدادين وأصحاب معامل البلوك، إضافة إلى المحامين والمهندسين والإعلاميين وغيرهم.
ويرى عبار أن وجود مثل هذه الروابط قد يسهل الوصول إلى أصحاب الاختصاص عند الحاجة لتنفيذ أعمال صيانة أو مبادرات خدمية، كما يمكن الاستفادة منها في الاستبيانات والتقييمات والتشاور حول احتياجات المدينة.
وأضاف أن المجتمع يشكل أساس بناء الحضارات، لكن فاعليته تحتاج إلى تنظيم وقيادة واضحة، معتبرًا أن نجاح الإدارة المحلية لا يكفي وحده ما لم يترافق مع مجتمع مدني منظم وفاعل.
كما أشار إلى أهمية وجود منصة توضح احتياجات المدينة وواقعها، وتتيح جمع المعطيات وربطها بالجهات المهنية والأهلية المختصة، بما يساعد في دعم القرار المحلي.
مطالب بتمثيل أوسع وشفافية أكبر
من جهته، اعتبر الناشط مجاهد خولاني أن تمثيل المجتمع المحلي ومشاركته أصبحا ضرورة في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن أهالي داريا ونخبها قادرون على تقديم نموذج متقدم في العمل المجتمعي إذا توفرت قنوات مشاركة واضحة.
وأضاف أن الشفافية وإطلاع السكان على الواقع الحقيقي للمدينة يسهمان في الحد من الإشاعات وتخفيف الاحتقان، كما يساعدان في توجيه الجهود نحو المساهمة في الحلول بدل حصر المسؤولية بجهة واحدة.
كما شددت الناشطة عبير معضماني على أهمية اطلاع الأهالي على ما يجري في المدينة، مطالبة بتوسيع نطاق الخدمات البلدية ليشمل الأحياء البعيدة، وعدم تركيز الأعمال في مركز المدينة فقط.
من جانبه، قال مدير شؤون الشباب في ريف دمشق سليم أبو رشيد إن بناء المدينة يتطلب تضافر جهود جميع الأطراف، مشيرًا إلى أن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي وقد يكون ضروريًا للوصول إلى أفضل الحلول.
وأضاف أن الخلافات يجب أن تبقى ضمن إطار النقاش والتعاون، لا أن تتحول إلى قطيعة تعطل العمل.
لقاء يعكس حجم التحديات
وأظهر النقاش الذي جرى على هامش الأمسية، التي دعت إليها الناشطة وسيدة الأعمال مجد شربجي، حجم التحديات الخدمية والإدارية التي تواجه مدينة داريا، كما عكس مستوى التوقعات التي يضعها السكان على المؤسسات المحلية والمجتمع المدني.
كما برز خلال الحديث توجه يدعو إلى شراكة أوسع بين الإدارة المحلية والأهالي، تقوم على وضوح الخطط والاحتياجات، وتوسيع قنوات المشاركة، والعمل على توزيع الخدمات بصورة أكثر عدالة بين مختلف أحياء المدينة.