لغات بلا ممارسة.. طلاب داريا بين ضعف التأسيس وضغط الامتحان

طلاب في ساحة إحدى مدارس مدينة داريا بريف دمشق خلال الدوام المدرسي – 9 آذار 2026 (عنب بلدي-أنس تقى)

يواجه العديد من طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية في مدينة داريا صعوبات واضحة في تعلم اللغات الأجنبية، ولا سيما الإنجليزية والفرنسية.

ويشير طلاب وأهال ومدرسون تحدثوا إلى عنب بلدي إلى أن هذه الصعوبات ترتبط بضعف التأسيس في المرحلة الابتدائية، واعتماد أساليب تدريس تقوم على الحفظ أكثر من الممارسة، إلى جانب قلة استخدام اللغة خارج المدرسة، ما يجعل كثيرًا من الطلاب ينجحون في الامتحانات دون امتلاك مهارات لغوية حقيقية.

اللغة الأجنبية مادة للنجاح في الامتحان

يقول بعض الطلاب إن تعاملهم مع اللغات الأجنبية يقتصر غالبًا على هدف واحد هو اجتياز الامتحانات.

الطالبة ريماس عبار ترى أن اللغة الإنجليزية من المواد الصعبة بالنسبة لها، خاصة في القواعد والاستماع والترجمة، موضحة أنها لم تحصل على تأسيس كاف في السنوات الدراسية الأولى.

وتضيف أنها تعتمد في الغالب على الحفظ من أجل النجاح في امتحان الشهادة الإعدادية، قائلة إنها تدرس اللغة “من أجل النجاح فقط”.

أما الطالبة آية حمدوني فترى أن اللغة الفرنسية أقل أهمية بالنسبة لها، لأنها لا تدخل في المعدل النهائي للشهادة العامة، مشيرة إلى أن كثيرًا من الطلاب يكتفون بحفظ الدروس بهدف النجاح فيها فقط.

ويربط بعض الطلاب والأهالي ضعف الاهتمام باللغات الأجنبية بطريقة ترتيب الأولويات داخل النظام الدراسي.

فالمواد العلمية، مثل الرياضيات والعلوم، تحظى بأهمية أكبر لدى الطلاب بسبب تأثيرها المباشر في نتائج الشهادات العامة، ما يجعل اللغات تأتي غالبًا في المرتبة الثانية.

ويقول طلاب وأهال إن هذا الواقع يدفع كثيرًا من الطلاب إلى التركيز على النجاح في المادة بدل السعي إلى إتقانها، خاصة عندما يكون التأسيس اللغوي ضعيفًا منذ المراحل الأولى من التعليم.

كما يرى بعض الطلاب أن اللغة الفرنسية تحظى باهتمام أقل لأنها لا تدخل في المعدل النهائي لبعض الشهادات، الأمر الذي ينعكس على مستوى الجهد المبذول في دراستها مقارنة بمواد أخرى.

الاستماع والترجمة من أبرز الصعوبات

إلى جانب ضعف الاهتمام بالمادة، يواجه بعض الطلاب صعوبات محددة في مهارات الاستماع والترجمة.

تقول الطالبة هبة عرور إنها تحب اللغات الأجنبية ومهتمة بتعلمها، لكنها تجد صعوبة في الترجمة تحديدًا.

وتحاول تحسين مستواها عبر حفظ المفردات والجمل واستخدامها خارج إطار الدراسة، كما تتابع المسلسلات الأجنبية بهدف تقوية لغتها.

في المقابل، تشير الطالبة سعاد شربجي إلى أنها تواجه صعوبة في الاستماع إلى اللغة الإنجليزية وفهمها، موضحة أنها لا تستخدم اللغة مع أحد خارج المنزل.

وترى أن علامة الامتحان لا تعكس دائمًا المستوى الحقيقي للطالب في اللغة، رغم مشاركتها خلال الحصة ومحاولتها تقوية لغتها عبر متابعة المسلسلات الكرتونية باللغة الإنجليزية.

أما في اللغة الفرنسية، فتقول سعاد إن ضعف فهمها يعود إلى قلة الدراسة، معتبرة أن القواعد تمثل الجزء الأكثر صعوبة فيها.

وترى أن التحدث باللغة الأجنبية بين الطلاب قد يساعد على تحسين مستوى التعلم، مشيرة إلى أن إتقان أي لغة يتطلب حفظ عدد كبير من المفردات واستخدامها بشكل متكرر.

ضعف التأسيس في المرحلة الابتدائية

يرى بعض الأهالي أن جذور المشكلة تبدأ في السنوات الدراسية الأولى.

تقول روعة حبيب إن مستوى ابنتها في اللغتين الإنجليزية والفرنسية “متوسط”، موضحة أن الضعف يبدأ منذ الصف الأول في المرحلة الابتدائية نتيجة نقص التأسيس في تعلم اللغات.

وترى أن هذه المرحلة تشكل الأساس لبناء مهارات اللغة لدى الطلاب، خاصة في ظل أهمية اللغات الأجنبية للحصول على فرص عمل مستقبلًا.

لكنها تشير إلى أنها لا تستطيع تسجيل ابنتها في معاهد خاصة لتقوية مستواها بسبب ارتفاع تكاليف هذه الدورات مقارنة بقدرة كثير من العائلات.

من جانبها، تعتقد تهاني فتاش أن ضعف مستوى الطلاب في اللغات الأجنبية يعود إلى عدة عوامل، منها ضعف بعض المدرسين وقلة الاهتمام بتعليم اللغة في المرحلة الابتدائية.

وتضيف أن تعلم اللغات أصبح أكثر أهمية في الوقت الحالي، خاصة مع توجه كثير من الشباب إلى السفر والعمل خارج البلاد، ما يجعل إتقان اللغة ضرورة في الحياة العملية.

وترى فتاش أن على الأهالي أيضًا محاولة تعلم اللغة لمساعدة أبنائهم في الدراسة، مطالبة بتوفير دورات مجانية لتعليم اللغة الإنجليزية، لأن الدورات الخاصة أصبحت مرتفعة التكلفة.

بدورها، تشير أم أحمد، وهي والدة أحد الطلاب، إلى أن ضعف بعض المدرسات في المرحلة الابتدائية ينعكس مباشرة على مستوى الطلاب، لأن طرق التدريس تعتمد في كثير من الأحيان على التلقين.

وتضيف أن بعض المدرسين يكتفون بشرح الدرس دون متابعة مستوى الطلاب بشكل فردي، ما يدفع بعض العائلات إلى اللجوء إلى الدروس الخاصة رغم تكلفتها المرتفعة.

وتقترح السيدة، كحل للمشكلة، التركيز على تعليم لغة أجنبية واحدة بشكل أفضل داخل المدارس بدل تدريس لغتين دون تأسيس قوي، إلى جانب اختيار مدرسين متميزين في الصفوف الأولى.

المدرسون: المشكلة تبدأ مبكرًا

من جانبهم، يربط مدرسون ضعف مستوى الطلاب في اللغات الأجنبية بعدة عوامل تعليمية.

يقول غياث حافظ، مدرس اللغة الفرنسية في معهد البيان والمدرسة الشرعية في داريا، إن مستوى الطلاب في مهارة المحادثة منخفض، مشيرًا إلى أن نحو 10% فقط من الطلاب يهتمون بتطوير مهارات التحدث، لأن معظمهم يركز على النجاح في المادة أكثر من استخدام اللغة.

ويضيف أن المنهاج يركز بدرجة أكبر على القواعد، في حين أن عدد المفردات في النصوص محدود، كما أن الحصص المخصصة للغة الفرنسية لا تتجاوز ساعتين أسبوعيًا، وهي غالبًا ما تكفي لشرح القواعد فقط.

كما يشير إلى أن العدد الكبير من الطلاب في الصفوف يقلل من فرص التفاعل والمحادثة داخل الحصة.

أما يزن دهمة، مدرس اللغة الإنجليزية في مدرستي الغوطة الغربية الحلقة الثانية والثانوية الشرعية في داريا، فيرى أن المشكلة الأساسية تعود إلى ضعف التأسيس في المرحلة الابتدائية.

ويقول إن بعض الطلاب يصلون إلى الصف التاسع وهم يعانون صعوبات في القراءة ولفظ الأحرف، ما يجعل تعلم اللغة أكثر تعقيدًا في المراحل المتقدمة. كما يضيف أن بعض طرق التدريس في المراحل الأولى تركز على كتابة الأسئلة والأجوبة بدل تدريب الطلاب على القراءة والفهم.

عوامل متداخلة

تشير شهادات الطلاب والأهالي والمدرسين إلى أن ضعف إتقان اللغات الأجنبية في داريا يرتبط بمجموعة عوامل متداخلة، أبرزها ضعف التأسيس في السنوات الدراسية الأولى، وقلة استخدام اللغة خارج المدرسة، إضافة إلى محدودية الفرص التعليمية الإضافية.

ويرى بعض الأهالي أن تحسين مستوى تعلم اللغات يتطلب التركيز على مرحلة التأسيس في الصفوف الأولى، وتطوير أساليب التدريس داخل المدارس، وتوفير فرص تعليمية إضافية تساعد الطلاب على ممارسة اللغة واستخدامها في حياتهم اليومية، بدل الاقتصار على دراستها بهدف النجاح في الامتحانات.

مقالات ذات صلة

إعادة افتتاح الثانوية المهنية النسوية في داريا.. مئات الطالبات ونقص في الكوادر

مدارس خاصة ودروس خصوصية.. أعباء تعليمية ومالية على الأسر في داريا

أسماء جديدة لمدارس داريا.. تحفظات على حذف أسماء راسخة في ذاكرة الأهالي