يحذر أطباء ومزارعون في داريا من مخاطر الري بمياه الصرف الصحي على المزروعات وصحة المستهلكين، وسط شكاوى من ارتفاع تكاليف المياه النظيفة وصعوبة تأمينها، إذ يقول مزارعون إن هذه التكاليف تدفع إلى البحث عن بدائل أقل كلفة.
وبينما يرفض مزارعون استخدام هذه المياه لري الخضروات الورقية التي تؤكل طازجة، يرون أن إعادة تأهيل محطة معالجة الصرف الصحي قد تشكل أحد الحلول لتخفيف المخاطر الصحية والبيئية المرتبطة بها.
ولا تقتصر القضية على الجدل حول سلامة المحاصيل الزراعية، بل ترتبط أيضًا بارتفاع تكاليف الزراعة وتراجع أرباح المزارعين، ما يدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، رغم التحذيرات الطبية من مخاطر استخدام المياه الملوثة في الري.
تحذيرات من أمراض وانتانات
قال اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي، رسلان شعبان، لعنب بلدي، إن استخدام مياه الصرف الصحي في ري المزروعات “ممنوع منعًا باتًا”، مضيفًا أن ذلك مرفوض أيضًا من الناحية الشرعية.
وأوضح أن جسم الإنسان يحتوي طبيعيًا على أنواع من الجراثيم الموجودة في الفم والأمعاء والمستقيم، وتؤدي وظائف حيوية ضمن حدود معينة، إلا أن الفضلات البشرية تشكل بيئة مغذية لهذه الجراثيم، ما يؤدي إلى تكاثرها بشكل كبير.
وأضاف أن ري المزروعات بمياه الصرف الصحي يؤدي إلى تكوّن مستعمرات جرثومية كثيفة على النباتات، وعندما يتناولها الإنسان تنتقل هذه الجراثيم والطفيليات إلى الجهاز الهضمي، وقد تسبب أمراضًا عديدة مثل الحمى التيفية، وداء المالطية، والديدان الشريطية، والطفيليات المختلفة، إضافة إلى التهاب الكبد الوبائي A، الذي يعد من أكثر الأمراض المرتبطة بتلوث المياه بالبراز.
وأشار شعبان إلى أن بعض المزارعين يصفون مياه الصرف الصحي بأنها “سماد عضوي”، إلا أن هذا الوصف غير دقيق، لأن السماد العضوي يوضع في التربة لتقوم بتنقيته وامتصاص عناصره المفيدة مثل النتروجين والآزوت، بينما يؤدي استخدام المياه الملوثة مباشرة إلى تلويث المزروعات نفسها.
وحذر الطبيب من خطورة هذه الممارسات، خصوصًا على الأطفال، موضحًا أن بعض حالات التهاب الكبد الوبائي قد تتطور إلى التهاب كبد صاعق قد يهدد الحياة.
مزارعون يرفضونها.. لكنهم يشكون من غياب البدائل
قال المزارع منير حمودة، الذي يزرع أرضًا في منطقة نجاصة، غربي داريا، إن استخدام مياه الصرف الصحي في ري الخضروات الورقية “حرام شرعًا”، لأن هذه المزروعات لا تتعرض للحرارة قبل تناولها، ما يزيد خطر انتقال الجراثيم إلى المستهلكين.
وأضاف أن المياه التي تصل إلى بعض الأراضي الزراعية في “أرض نجاصة” تأتي من منطقة جديدة عرطوز وتقطع مسافة طويلة قبل وصولها، وهو ما يدفع بعض المزارعين إلى الاعتقاد بأنها أقل تلوثًا من مياه الصرف القريبة من مصدرها.
وأوضح أن بعض المزارعين قد يستخدمون هذه المياه أحيانًا لري الأشجار أو في “عدّان” واحد لبعض المحاصيل، وهو مصطلح محلي يشير إلى دورة أو مرة من مرات ري الأرض، ثم يعودون إلى استخدام المياه النظيفة.
وعزا حمودة لجوء بعض المزارعين إلى هذه الخيارات إلى ارتفاع أسعار المازوت وصعوبة تأمين مياه الري، مضيفًا أن المزارع “لا يسعى بالضرورة إلى تحقيق أرباح كبيرة، لكنه يحاول تجنب الخسارة”.
تكلفة الري ترتفع والإنتاج لا يغطي النفقات
أما المزارع ماجد مطر، فيرى أن استخدام مياه الصرف الصحي “خطأ وغير مقبول”، لكنه أرجع لجوء بعض المزارعين إليها إلى الظروف الاقتصادية الصعبة.
وقال لعنب بلدي إن ساعة ضخ المياه النظيفة تكلف نحو 60 ألف ليرة سورية، وقد لا تكفي لري دونم واحد، فضلًا عن تكاليف تمديد الأنابيب وتجميع المياه وضخها من الخزانات إلى الأراضي الزراعية.
وأضاف أن المزارعين يواجهون مشكلة أخرى تتمثل في انخفاض أسعار المحاصيل عند طرحها في الأسواق، ما يجعل كثيرين غير قادرين على تغطية تكاليف الإنتاج.
وأشار إلى أن بعض المزارعين قد يرفضون استخدام مياه الصرف الصحي في البداية، لكن استمرار الخسائر قد يدفعهم إلى اللجوء إليها، معتبرًا أن الحل يكمن في إعادة تأهيل محطة معالجة المياه وبيع المياه المعالجة للمزارعين بأسعار مناسبة.
وأضاف أن بعض المزارعين يستخدمون هذه المياه لري الأشجار فقط، بينما يستخدمها آخرون لري الخس والكزبرة والبقدونس، وهو ما وصفه بأنه “خطير وقد يؤدي إلى انتشار أمراض عديدة”.
محطة المعالجة كأحد الحلول
قال المزارع ياسر الشيخ عمر إن استخدام مياه الصرف الصحي في الري “حرام شرعًا”، لكنه تساءل عن سبب عدم إعادة تأهيل محطة معالجة الصرف الصحي في داريا للاستفادة من المياه المعالجة بدلًا من المياه الملوثة.
وأضاف أن المزارعين لا يشعرون بالارتياح تجاه استخدام هذه المياه، إلا أن بعضهم قد يضطر إلى استخدامها في “عدّان” أو “عدّانين” فقط خلال الموسم، بينما يعد ري المحصول طوال الموسم بهذه المياه أمرًا خطيرًا ومضرًا بالصحة.
وأشار إلى أن المستهلك لا يستطيع التمييز بين الخضروات المروية بمياه نظيفة وتلك المروية بمياه الصرف الصحي بعد وصولها إلى الأسواق، بل إن الأخيرة قد تبدو أكثر نضارة من الناحية الشكلية.
وكانت عنب بلدي تناولت في تقرير سابق مشروعًا لربط مياه الصرف في داريا بالخط الواصل إلى محطة المعالجة، بهدف الحد من طفح المياه الملوثة باتجاه المنازل والبساتين.
ويرى مزارعون أن إعادة تأهيل محطة المعالجة قد تسهم في توفير مصدر أكثر أمانًا للتعامل مع مياه الصرف، وتخفيف المخاطر الصحية والبيئية المرتبطة باستخدامها بشكل مباشر في الري.