عندما عادت إيمان إلى منزلها في داريا عام 2024، وجدت في الحديقة عددًا من الأشجار التي بقيت منذ ما قبل الحرب، بينها السرو والتين، وبدأت من حولها بإضافة أشجار مثمرة وخضراوات ونباتات زينة، حتى استعادت الحديقة جزءًا من شكلها الذي اعتادته في منزل عائلتها.
وفي منازل أخرى في المدينة، بدأت تجارب الزراعة من شتلات قليلة على الشرفات، أو استمرت بوصفها عادة عائلية ورفقة يومية. وتحدثت سيدات لعنب بلدي عن زراعة الخضراوات والأشجار المثمرة والنباتات الطبية ونباتات الزينة، باستخدام المساحات المتاحة في منازلهن.
وتختلف النباتات التي ينجح السكان في زراعتها بحسب مساحة المنزل ووصول الشمس وطبيعة التربة والطقس، بينما يقول صاحب مشتل في داريا إن ارتفاع أسعار الشتلات والأصص والتربة جعل المشترين يميلون إلى النباتات الأصغر والأقل كلفة.
نصف الحديقة للثمار والخضراوات
ورثت إيمان اهتمامها بالزراعة عن والدتها وجدتيها، ونشأت، بحسب ما قالت لعنب بلدي، في منزل تحيط به الأشجار والخضراوات والياسمين والورود.
وبعد عودتها إلى منزلها، لم ترغب في تخصيص الحديقة كاملة لنباتات الزينة، واختارت استخدام نحو نصف مساحتها للأشجار المثمرة والخضراوات التي يمكن للأسرة الاستفادة منها، بتشجيع من زوجها.
وتزرع إيمان دوالي العنب، التي تعدها من النباتات المعتادة في بيوت داريا، إلى جانب الليمون والدراق والسفرجل والخوخ والجانرك والرمان والتوت الشامي والتوت الهزاز، بينما أبقت على أشجار السرو المحيطة بالمنزل كسور طبيعي.
وخلال الصيف، تخصص جزءًا من الحديقة للخيار والقثاء والبندورة والباذنجان والفليفلة ودوار الشمس. وجربت زراعة البطيخ، لكنها وجدت أن الوقت الذي يحتاج إليه لا يجعل التجربة مجدية بالنسبة إليها مقارنة بشرائه، كما لم تنجح محاولاتها في زراعة المشمش والموز.
وتضم الحديقة أيضًا نباتات للزينة، بينها الجيرانيوم، المعروف محليًا باسم “الخبيزة الهولندية”، والبيغونيا و”قلب عبد الوهاب” و”المحكمة” و”عطر الندى” والياسمين و”المجنونة”.
ومع الوقت، تعلمت إيمان التعامل مع اختلاف احتياجات النباتات من الضوء والرطوبة والري.
وكادت تفقد نبتة “المجنونة” بعدما جفت، لكنها استمرت في سقايتها حتى عادت إلى النمو.
وتتابع إيمان أيضًا صفحات المشاتل والمحتوى المتخصص بالزراعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما “إنستغرام”، للتعرف إلى أنواع جديدة وطرق العناية بها.
ولا تحسب إيمان مبلغًا محددًا أنفقته على الحديقة، إذ اشترت النباتات والأشجار تدريجيًا بحسب المواسم، وتقول إن وجود الخضرة بالنسبة إليها يتجاوز إنتاج الثمار: “البيت إذا ما فيه زريعة بتحسيه جامد، ما فيه روح”.

شتلات رافقت العودة
بدأت تجربة رشا بصورة مختلفة بعد عودتها إلى داريا قبل نحو ثلاثة أعوام.
فهي لم تكن مهتمة بالزراعة قبل النزوح، لكن عودتها إلى منزل تعرض للدمار دفعتها إلى محاولة إضافة شيء من اختيارها إلى المكان.
كانت البداية بشتلة فليفلة حمراء وعرق نعناع ونبتة “مكحلة” حصلت عليها من أقاربها وزرعتها في شرفة المنزل.
وقالت لعنب بلدي: “لما طلعوا طار عقلي. حسيت إني رجعت لبيتي، وحبيت حط لمساتي عالبرندا وحط زريعة”.
بعدها اتسعت تجاربها لتشمل البندورة، التي أنتجت منها ثمرة واحدة في أصيص صغير، والبقدونس والكزبرة والنعناع والفليفلة الخضراء. كما جربت زراعة قاعدة الملفوف، وتجفيف البذور الموجودة في ثمار البندورة والفليفلة وإعادة استخدامها.
ولا تعتمد رشا على هذه المزروعات لتوفير احتياجات منزلها، بل تزرعها للتجربة، واتجهت لاحقًا بدرجة أكبر إلى نباتات الزينة، وأصبحت الشرفة المزروعة المكان الذي تفضل الجلوس فيه وشرب قهوتها.
وتحاول خفض كلفة هوايتها بإعادة زراعة البذور والحصول على بعضها والشتلات من الأقارب.
وكانت في البداية تجمع التراب من الطريق، قبل أن تبدأ بشراء تربة مخصصة من المشتل واستخدام السماد السائل.
لكن استمرار التجربة يواجه صعوبات، منها نقل أكياس التراب إلى المنزل واختيار نباتات تتحمل حر الصيف وبرد الشتاء، إذ تفقد رشا عددًا من نباتاتها خلال الشتاء وتبقى أصصها فارغة حتى الموسم التالي.
نباتات ضمن الروتين اليومي
أما أم فراس، فتتعامل مع العناية بالنباتات باعتبارها جزءًا من يومها، وتتابع كمية الضوء والمياه التي يحتاج إليها كل نوع.
وقالت لعنب بلدي: “أشعر أن النباتات تمامًا مثل أولادي، تحتاج إلى اهتمام ورعاية خاصة، وأن أعرف احتياج كل نبتة بدقة، متى وقت سقايتها، وما الذي يحتاج منها إلى شمس قوية أو ضوء خفيف”.
وتزرع أم فراس “اللوتس” و”البوتس” و”العنكبوت” و”اليوكا” و”الشب الظريف”، وتوزعها في المنزل بحسب حاجتها إلى الضوء، فلا تعرض “البوتس” للشمس القوية، وتضع نبات “العنكبوت” في الظل.
وتخصص مساحة أيضًا للنباتات الطبية والعطرية، مثل الميرمية والمليسة والألوفيرا والعطرة، التي تستخدمها في إعداد الأرز بالحليب.
ولا تقتصر علاقتها بالنباتات على متطلبات العناية بها، وقالت: “العلاقة معهم ليست مجرد سقاية، فأنا أثناء سقايتهم أحدثهم، وأصبح عليهم كل صباح”.

الشرفة تحدد خيارات الزراعة
لا تملك مريم المساحة نفسها المتوفرة في حديقة إيمان، كما أن شرفة منزلها لا تتعرض لأشعة الشمس إلا فترة قصيرة خلال الصيف، وهو ما حدد الأنواع التي تستطيع زراعتها.
وتزرع مريم العطرة والخبيزة والسجادة و”دعسة القطة”، وهي نباتات اختارتها بما يتناسب مع ظروف شرفتها.
وكانت تشتري نباتات جديدة باستمرار من المشاتل، لكنها لاحظت أن عددًا منها يذبل بعد أيام من نقله إلى المنزل، رغم ظهوره بحالة جيدة عند الشراء، ما دفعها إلى التوقف عن شراء المزيد.
وواجهت إيمان تجربة مشابهة مع بعض نباتات الزينة التي تراجعت حالتها أو توقفت عن الإزهار بعد نقلها من المشتل، وترجح أن اختلاف الرطوبة والإضاءة والمغذيات بين المشتل والمنزل يؤثر فيها.
كما وجدت من تجربتها أن تربة حديقتها تناسب الأشجار المثمرة والخضراوات بدرجة أكبر، بينما تحتاج بعض نباتات الزينة إلى خلطات زراعية أخف.
ارتفاع الأسعار يقلل مشتريات النباتات
قال أبو خالد بيرقدار، وهو من أصحاب المشاتل في داريا، لعنب بلدي، إن السكان ما زالوا يشترون النباتات، ويتركز الطلب بصورة أكبر على نباتات الزينة المناسبة للشرفات.
لكن حركة البيع أصبحت أبطأ مقارنة بالسنوات الماضية، بحسب بيرقدار، نتيجة ارتفاع أسعار الشتلات والأصص والتربة، ما يدفع الزبائن إلى اختيار نباتات أصغر وأقل كلفة.
وأضاف أن موجات الحر تزيد حاجة النباتات إلى الري، بينما يفرض الغبار الناتج عن أعمال الحفر وترميم الأبنية في المدينة مزيدًا من التنظيف والعناية.
وتبقى مساحة المنزل أحد العوامل التي تحدد حجم التجربة، فرشا، التي بدأت بعدة شتلات في شرفتها، تتمنى امتلاك قطعة أرض صغيرة تستطيع توسيع زراعتها فيها.
وفي عائلة إيمان، ما تزال الزراعة تنتقل بين الأجيال، إذ يجمع والدها، البالغ من العمر 70 عامًا، بذور زهرة “الشب الظريف” كل صيف، ثم يعيد زراعتها في أحواض صغيرة ويتابع نموها وسقايتها يوميًا.

