ما تزال تسمية “الشمالى” و”القبالى” حاضرة في حديث أهالي داريا عن أحيائهم ومواقع بيوتهم، بوصفها جزءًا من الذاكرة المحلية للمدينة، أكثر من كونها تعبيرًا عن انقسام قائم اليوم.
وفي استطلاع أجرته عنب بلدي في شوارع داريا، بدت هذه التسمية مزيجًا من الجغرافيا والهوية الاجتماعية القديمة والنكات المتوارثة، مع تأكيد متكرر من الأهالي أن الفوارق بين الطرفين تراجعت، وأن ما بقي منها هو الحكاية أكثر من الواقع.
وبينما تحدث بعض المشاركين في الاستطلاع بروح مازحة عن “الشملاوى” و”القبلاوى”، عاد آخرون إلى شرح أصل التسمية وحدودها الجغرافية، مشيرين إلى أن الفاصل التقليدي بين الجهتين كان شارع “الوحدة” والنهر المعروف محليًا باسم “السلطانى”، في وقت شدد فيه أحد مخاتير داريا، على أن الاختلاف كان في التسمية والموقع، لا في العادات أو الأعراف أو طبيعة الناس.
أصل التسمية.. جغرافيا قبل أن تكون هوية
بحسب إفادات عدد من الأهالي، يميز سكان داريا بين “الشمالى” و”القبالى” انطلاقًا من موقع السكن داخل المدينة.
ويقول أحد المشاركين في الاستطلاع إن شارع “الوحدة” كان يمثل خط الفصل بين المنطقتين، مضيفًا أن النهر الممتد خلف الشارع هو أيضًا من العلامات التي كانت تستخدم لتحديد الحدود المحلية بين الجهتين.
وأوضح أحد السكان أن البيوت التي كانت أبوابها تطل مباشرة على نهر السلطانى كانت تعد، في التصنيف المحلي، من “القبالى”، بينما البيوت التي لا تطل مباشرة على النهر، أو تقع خلفه في الحارات الأخرى، كانت تصنف ضمن “الشمالى”.
وأضاف أن هذا التحديد لم يكن شفهيًا فقط، بل كان يظهر أحيانًا حتى في القيود العقارية أو النفوس، بحيث يسجل الشخص على أنه من “داريا قبلية” أو من “داريا شمالية”.
وأكد عبدو أبو بكر، أحد مخاتير داريا، هذا المعنى، موضحًا أن تسمية “القبالى” جاءت من كون المنطقة تقع في الجهة القبلية من داريا، مقابل “الشمالى” الذي يشير إلى الجهة الشمالية منها، وأن الطريق الفاصل بين المنطقتين كان هو الحد المعروف بينهما في الماضي.
روايات شعبية ومبالغات مازحة
في المقابل، حملت بعض الشهادات طابعًا ساخرًا وشعبيًا، يكشف كيف تحولت هذه التسمية مع الوقت إلى مادة للمزاح المحلي أكثر من كونها تعبيرًا عن تباعد فعلي.
وتحدث بعض المشاركين عن أقوال قديمة كانت تتردد بين الأحياء، مثل “عظمهم أزرق”، أو حكايات عن معارك بين “القبالى” و”الشمالى”، في روايات بدت أقرب إلى النوادر الشعبية التي تناقلتها الأجيال.
وقال أحد المواطنين مازحًا إن “القبالى كانوا يأكلوا قتل من الشمالى، لذلك صارت عظامهم زرقاء”، فيما كرر آخرون العبارات نفسها على سبيل الدعابة.
كما ذكر مواطن آخر حكاية شعبية عن رجل “قبلاوى” دخل جامع العباس وصلى من دون وضوء دون أن يكشفوه ثم خرج ساخرًا بقوله إنه “ضحك على الشمالى”، في مثال آخر على طبيعة القصص التي كانت تتداول بين الأهالي بروح خفيفة، وتحمل في داخلها أثر التنافس المحلي القديم.
وتعكس هذه الروايات الشعبية وجود حساسية قديمة كانت حاضرة في ذاكرة الناس، لكنها تظهر اليوم في معظم الأحيان بوصفها طرفة موروثة أكثر من كونها موقفًا اجتماعيًا فعليًا.
من التمايز إلى التداخل
في شهادات أخرى، كان الحضور الأوضح لفكرة التداخل بين الجهتين.
أحد المشاركين قال: “نحنا هويتنا شمالى بس ساكنين بالقبالى”، فيما قال آخر: “أنا شملاوى وأمي قبلاوية”، وهي عبارات تلخص كيف تداخلت الحدود القديمة مع الزمن، وكيف لم تعد التسمية كافية وحدها لرسم فصل اجتماعي بين السكان.
ويظهر من هذا النوع من الإفادات أن ما كان يعد سابقًا انتماءً محليًا واضحًا، بات اليوم أكثر مرونة، مع اختلاط العائلات وانتقال السكان وتراجع أثر الحدود القديمة في الحياة اليومية.
وقال عدد من الأهالي بوضوح إنه لا فرق حقيقيًا اليوم بين “الشمالى” و”القبالى”، مؤكدين أن “كلهم أهل” و”كلهم أخوة”، وأن ما بقي من التسمية هو جانبها التعريفي أو المزاحي، لا أكثر.
زواج ومصاهرة بعد حساسية قديمة
من أكثر النقاط التي تكررت في الاستطلاع الذي أجرته عنب بلدي الحديث عن الزواج بين الطرفين.
بعض الأهالي أشاروا إلى أن الأجيال الأقدم كانت تتداول كلامًا من نوع “ما منجوز القبالى” أو “ما مناخد من الشمالى”، في إشارة إلى تحفظات اجتماعية كانت موجودة في الماضي، أو على الأقل في الكلام المتداول بين الناس.
وذكر بعضهم أن الأولاد كانوا أحيانًا يتخاصمون أو يتراشقون بالحجارة، وتظهر بينهم حساسيات محلية مرتبطة بهذا التصنيف، خاصة في محيط المدارس أو في سن مبكرة.
لكنهم شددوا في الوقت نفسه على أن هذه الأمور تعود إلى زمن قديم، وأنها لم تكن تمثل بالضرورة موقفًا عامًا لدى الكبار أو “العقلاء”، على حد تعبير بعضهم.
وفي هذا السياق، قال عبدو أبو بكر، أحد مخاتير داريا، إن التقاليد والأعراف بين “القبالى” و”الشمالى” كانت واحدة، وإن الأهالي كانوا يتزوجون من بعضهم ويشاركون بعضهم الأفراح والمناسبات، مضيفًا أن ما كان يظهر أحيانًا من تمييز أو مناكفات يعود إلى ما قبل خمسين أو ستين عامًا، أو إلى تصرفات أولاد صغار لا أكثر.
وأضاف أن الوضع اليوم مختلف تمامًا، إذ “ما عاد فيه لا قبالى ولا شمالى”، والناس يأخذون من بعضهم ويزوجون من بعضهم من دون أي فارق يذكر.
هوية محلية من ذاكرة المدينة
تكشف شهادات الاستطلاع أن “الشمالى” و”القبالى” في داريا ليسا مجرد توصيفين جغرافيين، ولا أيضًا تعبيرين عن انقسام اجتماعي حي كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل جزء من الذاكرة المحلية للمدينة، ومن الطريقة التي اعتاد أهلها أن يرووا بها جغرافيا المكان وعلاقاته القديمة.
ففي حديث الأهالي، تحضر التسمية أحيانًا على شكل تعريف بالنفس أو بالبيت أو بالأصل العائلي، وتحضر أحيانًا أخرى في صورة نكتة أو حكاية موروثة، لكنها تقترن في معظم الشهادات بتأكيد واضح أن الفروقات القديمة لم تعد تحكم علاقات الناس كما في السابق.