مع حلول شهر رمضان، بدأت مطاعم ومحال في مدينة داريا إدخال أصناف “الطبخ الشرقي” إلى قوائمها، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وضعف القدرة الشرائية.
هذا التوسع في العروض لم ينعكس على السوق فحسب، بل غير أيضًا شكل مائدة الإفطار وخيارات الأهالي بين الطبخ المنزلي والطعام الجاهز.
وتظهر شهادات نساء عاملات وأسر محدودة الدخل وأصحاب محال، جمعتها عنب بلدي، أن قرار الإفطار لم يعد مرتبطًا بالرغبة فقط، بل تحكمه حسابات الدخل وضيق الوقت وكلفة الوجبات.
حسابات بين الراتب والسعر
سمر كناكرية، موظفة في أحد معامل داريا مقابل راتب شهري يبلغ مليونًا و100 ألف ليرة سورية لقاء ثماني ساعات عمل يوميًا، تقول إنها لا تمانع شراء الطعام الجاهز لو كانت قدرتها الشرائية تسمح بذلك، لكنها تشير إلى أن “ليست كل الأنواع تستحق الشراء”.
وتوضح أن ضغط العمل والتأخر أحيانًا في الدوام يدفعانها للتفكير بخيارات سريعة، إلا أن أسعار الوجبات الجاهزة لا تتناسب مع دخلها، لذلك تلجأ غالبًا إلى حلول وسط، مثل شراء المفرزات القابلة للقلي أو بعض قطع الدجاج لسهولة وسرعة تحضيرها.
أما الوجبات الجاهزة، فتلجأ إليها في أحيان نادرة بسبب ارتفاع ثمنها مقارنة براتبها.
وترى سمر أن طبخ المنزل “أفضل وأنظف وفيه بركة أكثر”، كما يمكنها الطهي ليومين لتوفير الوقت والجهد.
وتعتبر أن الطعام الجاهز غير صحي لاحتوائه على زيوت ومواد حافظة، لكنه يبقى خيارًا اضطراريًا أحيانًا بسبب ظروف معينة أو عند وجود عزائم.
وفي بعض الأيام، حين لا تقوى على الطبخ ولا على الشراء، تكتفي بإعداد أطباق متوفرة في منزلها كالبرغل أو الأرز.
ضيق الوقت يحسم القرار
من جهتها، ترحب الصيدلانية زينب السيد عمر، وهي أم لابنتين، بفكرة مطاعم الطبخ الشرقي، معتبرة أنها مناسبة للمرأة العاملة التي تمضي وقتًا طويلًا في عملها.
وتنوي تجربة الطعام الجاهز بسبب ضغط العمل وضيق الوقت بين البيت والوظيفة، مؤكدة أنها تستطيع الاعتماد عليه طالما أنها قادرة على الشراء.
وتشير الصيدلانية إلى أن وجود “عزيمة” في يوم عمل يجعل الطبخ شبه مستحيل، ما لم يصادف يوم عطلة.
وتصف مستوى ثقتها بهذه المحال بأنه “وسط”، لكنها تبقى محكومة بضيق الوقت، معتبرة أن هذا النوع من الطعام غير صحي، في حين تصف فكرة المطبخ الشرقي بأنها “حلوة ومبتكرة”، ويمكن دعم المشاريع اليدوية الصغيرة التي تقوم بها النساء العاملات لأنها “أنظف وأطيب وبنَفَس ست البيت”.
وترى زينب أن هذه المحال قد تغير شكل رمضان في داريا من حيث التنوع والسرعة، مؤكدة أن لمة الإفطار بعد يوم عمل طويل تنسيها تعبها.
بين القناعة والاضطرار
في منزل آخر، تعيش مريم كناكرية، وهي أرملة تعتمد على مساعدات ذويها وعمل ابنها المصاب الذي يحتاج إلى تبديل مفصل الحوض إثر حادث سير.
وتقول إن عمله بسيط وراتبه محدود بسبب إصابته، ولا يستطيع العمل لساعات طويلة، كما أن دخله بالكاد يكفي منزله وولديه.
تؤكد مريم أنها لا تستطيع شراء الطعام الجاهز، وقد تشتري أحيانًا بعض المعجنات الرخيصة، لكنها لا تحبذ فكرة “الطبخ المباع”، معتبرة أن للطبخ المنزلي نكهة خاصة تختلف حسب ذوق كل بيت، وأن شكل الطعام الجاهز قد يبدو جذابًا لكن طعمه قد لا يوافق ذوق المشترين.
ورغم حبها لأصناف جاهزة كالبروستد والشاورما، فإنها لا تشتريها إلا عند توافر المال أو في حال حصول ابنها على إكراميات، وعند عدم توفر المال، تعتمد على الحواضر أو بعض الأطباق البسيطة كالمعكرونة والبطاطا المقلية.
وتشير مريم إلى أنها كانت مسجلة لدى جمعية خيرية قبل أن يتم فصلها بحجة وجود ابن معيل، مؤكدة أن راتبه لا يكاد يكفي لتغطية احتياجات منزله وولديه.
“اللمة” تغير مذاق الطعام
أما ملك الزهر، التي عادت من الاغتراب في الأردن وتقضي أول رمضان لها هذا العام في داريا، فتنظر إلى المائدة من زاوية مختلفة.
تقول إن “البلد لها نكهة مختلفة، خاصة بين أهله وأحبابه”، معتبرة أن الحياة الاجتماعية ولمة الإفطار تغير مذاق الطعام نفسه.
وتشير إلى وجود أكلات في داريا لم ترها في الأردن، مثل المغربية والفلافل والفول، وتصف نكهتها بين أهلها بأنها مختلفة.
ورغم أنها كانت مستأجرة في الأردن وما تزال كذلك في داريا، إلا أنها تؤكد أن الراحة التي لمستها هنا مختلفة، وأن وجودها بين أهلها هو الأهم في هذا الشهر.
السوق في الخلفية.. أسعار مرتفعة وإقبال حذر
في موازاة شهادات الأهالي، يوضح وليد حمادة، صاحب ملحمة خالد بن الوليد، أن تنوع الأصناف في رمضان ضرورة بسبب احتياج الجسم لعناصر غذائية متعددة، مع ضرورة أن يكون السعر مناسبًا.
ويشير إلى أن الإقبال في أول يوم من رمضان يكون غالبًا على اللحوم النيئة لتحضير أطباق “الطبخ الأبيض” كالشاكرية والكوسا بلبن، بينما يشهد اليوم الثاني تنوعًا أكبر وإقبالًا على بعض أنواع المشاوي.
ويقدم وليد، إضافة إلى اللحوم، أصنافًا كالمناسف والمندي والفريكة والكبب المشوية، لافتًا إلى أن وجودها قليل في داريا.
وتبدأ الأسعار من 65 ألف ليرة لكباب الفروج والجوانح والشيش، بينما تتراوح أسعار كيلو المشاوي بين 250 و260 ألف ليرة.
ويؤكد صاحب الملحمة أن كل صنف ارتفع ثمنه بنحو 50 ألف ليرة خلال عشرة أيام فقط، ما أثر على حركة السوق، مشيرًا إلى أن كثيرين يسألون عن الأسعار ثم يغادرون.
ويرى أن الناس تشتري لأنها مضطرة لحاجتها لأطعمة دسمة خلال الصيام، لا اقتناعًا بالسعر.
ويذكر وليد وجود خيارات لذوي الدخل المحدود، مثل منسف يكفي عائلة كاملة بسعر 130 ألف ليرة، أو 65 ألفًا لعائلة صغيرة، إلا أن عدم توفر مادة الغاز في بداية رمضان دفعه إلى إيقاف بعض الأصناف مؤقتًا.
ويحدد الرجل نسبة ربحه بين 10 و15%، وأقل من 10% لذوي الدخل المحدود، معتبرًا أن الأسعار غير مناسبة للواقع المعيشي، وأن عودة المغتربين لم تؤثر على حركة السوق هذا العام، فيما تبقى أبرز التحديات في الغلاء وعدم توفر المواد الأساسية كالغاز.
بدوره، يوضح رائد الشربجي، صاحب محل “مايسترو” للمعجنات، أن إدخال أصناف الطبخ الشرقي جاء استجابة لطلب الزبائن في المناسبات، وستستمر هذه الأصناف بعد رمضان، ومن بينها المناسف واليالنجي والكبب بأنواعها، مع إمكانية التوسع حسب الطلب.
وتبدأ الأسعار من 15 ألف ليرة للشخص الواحد، وتختلف حسب الإضافات كاللحم والمكسرات، مع وجود خيارات لذوي الدخل المحدود حيث تقل التكلفة كلما كبر المنسف.
ويصف رائد ربحه بأنه رمزي لتسهيل الشراء وتحريك الصنف، مؤكدًا أن الطبخ أقل كلفة إنتاجية من المعجنات التي تحتاج إلى عدد عمال أكبر واستهلاك مازوت وطحين.
ويتفق رائد مع غيره من التجار على أن الأسعار مرتفعة قياسًا بالواقع المعيشي، ويرى أن تأثير عودة المغتربين كان أوضح في العام الماضي منه هذا العام، ويواجه تحديات تتعلق بتسعير المواد وفق الدولار وفروق البيع والشراء، مشيرًا إلى أنه سيبدأ بطرح أصناف الطبخ الشرقي في الأيام المقبلة.
أما ماهر الكوشك، صاحب مطعم الكوشك، فيصف الإقبال في أول يوم رمضان بالمقبول، ويقدم تشكيلة واسعة تشمل الكبب واليالنجي والمناسف والفريكة والمندي والأوزي.
وتتراوح أسعار الكوشك بين 40 ألف ليرة لوجبة المندي و200 ألف حسب طلب الزبون.
ويؤكد ماهر أنه يراعي أوضاع ذوي الدخل المحدود، وقد يمنح وجبات دون مقابل أحيانًا لغير القادرين، ويحدد أسعاره بناء على خبرته وأسعار السوق بنسبة أقل من السائد.
ويرى أن الإقبال يزداد بعد العاشر من رمضان بسبب العزائم، وأن عودة المغتربين لم تؤثر على حركة السوق، كما لا يواجه تحديات تذكر في عمله.
مائدة تعكس الواقع
تعكس مائدة رمضان في داريا ما ورد في شهادات الأهالي وأصحاب المحال على حد سواء، فقرار الإفطار لم يعد مسألة ذوق أو عادة فقط، بل بات يرتبط بقدرة الأسرة على الموازنة بين دخلها وكلفة ما يعرض في السوق.
فبين من يختار الطبخ المنزلي توفيرًا للنفقات وضبطًا للجودة، ومن يلجأ إلى الوجبات الجاهزة تحت ضغط العمل أو ضيق الوقت، تتشكل خيارات يومية تحكمها الأرقام قبل الرغبات.
بعض الأسر تقارن بين ثمن مكونات وجبة منزلية وسعر طبق جاهز، وأخرى تكتفي بالأصناف الأبسط عندما لا يسمح الدخل بغيرها.
وفي المقابل، يحاول أصحاب المطاعم والمعجنات توسيع خياراتهم وتقديم أسعار متفاوتة تناسب شرائح مختلفة، لكنهم يقرون بأن حركة السوق تبقى حذرة في ظل ارتفاع الأسعار وتقلب تكاليف المواد الأساسية.
هكذا، تبدو مائدة رمضان في داريا انعكاسًا مباشرًا للواقع المعيشي. مساحة تتقاطع فيها اعتبارات الكلفة مع ضيق الوقت، والقدرة الشرائية مع الرغبة في التنوع، لتبقى السفرة اليومية نتاج توازن دقيق بين الإمكانات المتاحة والاحتياجات الفعلية.