قبل يوم من عيد الأضحى، بدت أسواق داريا مزدحمة بالمتسوقين، لكن الحركة لم تكن كافية لتحريك البيع كما ينتظر أصحاب المحال.
بين الألبسة والحلوى والمكسرات، تنقلت عائلات بحثًا عن خيارات تناسب دخلًا محدودًا، بينما قال سكان لعنب بلدي إن تجهيزات العيد هذا العام خرجت عن قدرة كثير من الأسر مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
وبحسب رصد عنب بلدي، تركزت الحركة في اليومين الأخيرين قبل العيد، لكنها بقيت أضعف من مواسم سابقة، وسط شكاوى من ارتفاع أسعار الملابس والحلويات والمكسرات، إلى جانب أعباء الإيجارات والكهرباء وتراجع السيولة لدى السكان.
فُرجة بلا شراء
مريم المصري، وهي أم لخمسة أطفال، قالت لعنب بلدي إنها أمضت ساعات تتنقل بين المحال بحثًا عن ملابس تناسب ميزانيتها، لكنها لم تتمكن من شراء شيء.
وأضافت أن أطفالها يطلبون ملابس العيد، بينما تعجز عن تأمينها، موضحة أنها تعاني من مرضي السكري والضغط، وأن جولة السوق زادت تعبها بسبب شعورها بالعجز أمام طلبات أطفالها.
أما أبو سامر دلول الحموي، وهو مدرس متقاعد يبلغ من العمر 85 عامًا، فقال إن العيد بالنسبة إليه “يشبه أي يوم عادي”، موضحًا أن راتبه التقاعدي، رغم الزيادة الأخيرة، لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية.
وأضاف أنه أمضى 31 عامًا في التعليم، لكن راتبه الحالي، البالغ نحو مليون ليرة، لا يسمح بتجهيزات العيد أو حتى بتحسين وضعه المعيشي، مطالبًا بمراعاة أصحاب الدخل المحدود بصورة أكبر.
وفي أحد أسواق المدينة، وقفت سيدتان من داريا تتحدثان عن عجزهما عن شراء الملابس حتى “بأبسط الخيارات”، بحسب وصفهما.
وقالت إحداهما إنها اكتفت بالتجهيز “على قدر المستطاع”، لأن أسعار الملابس مرتفعة جدًا، مشيرة إلى أن شراء بنطال وكنزة لطفل واحد قد يصل إلى 500 ألف ليرة، إلى جانب ارتفاع أسعار الخضار والفواكه.
أما الأخرى، وهي زوجة رجل مفقود، فقالت إنها كانت ترغب بشراء “مانطو”، لكنها لم تتمكن من ذلك بسبب ظروفها المعيشية، مضيفة أن لديها طفلًا ولا تستطيع شراء ملابس العيد له.
تجهيزات محدودة وحلوى غائبة
ابتسام الحسين، القادمة من دير الزور والمقيمة في منزل بالإيجار بداريا، قالت إنها لم تتمكن من إعداد حلويات العيد هذا العام، واكتفت بشراء ملابس لابنتيها “ضمن ميزانية متوسطة”، على حد وصفها.
كذلك قالت دلال شبرق إن عائلتها لم تتمكن من تجهيز أي شيء للعيد بسبب مرض زوجها وعدم وجود معيل ثابت للأسرة، مضيفة أن عيد هذا العام “أصعب من العام الماضي” مع استمرار الغلاء.
رهف الطباع، التي تعمل في محل ألبسة وتعيش مع عائلتها في منزل بالإيجار، قالت إنها لم تتمكن أيضًا من تجهيز أي شيء للعيد، موضحة أن إيجار منزلهم يبلغ نحو ثلاثة ملايين ليرة، ما يدفعها للعمل مع والدها وشقيقتها لتغطية التكاليف الأساسية.
وأضافت أن أسعار الحلويات ارتفعت بصورة كبيرة، مشيرة إلى أن كيلو “البيتي فور” يصل إلى نحو 300 ألف ليرة، بينما بقيت حركة السوق ضعيفة معظم الأيام، باستثناء اليومين الأخيرين قبل العيد.
وقالت زينب، وهي سيدة من داريا، إن عائلتها اكتفت هذا العام بصنع كمية بسيطة من “البيتي فور”، من دون شراء ملابس أو مكسرات أو فواكه للعيد، بسبب صعوبة الوضع المعيشي.
وتقول عائلات أخرى إن إعداد الحلويات المنزلية لم يعد أوفر كما كان سابقًا، بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية والغاز، ما دفع بعض الأسر إلى التخلي عنها بالكامل أو شراء كميات محدودة جاهزة.
السوق مزدحم والبيع بطيء
في المقابل، قال أصحاب محال إن الحركة التجارية خلال عيد هذا العام بقيت أضعف من المواسم السابقة، رغم الازدحام الظاهر في الأسواق.
صاحب محل لبيع المكسرات قال لعنب بلدي إن الأسعار “طبيعية مقارنة بتكاليف السوق”، لكن المشكلة الأساسية في غياب القدرة الشرائية لدى السكان.
أما صاحب محل للعطور ومواد العناية الشخصية، فأوضح أن الحركة ليست كما كانت في الأعياد السابقة، معتبرًا أن الأسعار تجاوزت قدرة معظم الناس، خاصة مع ارتفاع أسعار الجملة وتغيرات سعر الصرف.
وأضاف أن بعض التجار خفضوا هامش أرباحهم للحفاظ على الزبائن، لكن ذلك لم ينعكس على حركة البيع بالشكل المتوقع.
بدوره، قال أبو يزن، صاحب محل هدايا وإكسسوارات، إن الناس باتت تركز على “الضروري فقط”، مع ارتفاع تكاليف المعيشة والإيجارات والكهرباء وأسعار البضائع.
وأوضح أن الأرباح التجارية تراجعت أيضًا بسبب ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار الجملة، مضيفًا أن كثيرًا من المحال تحاول تخفيف الأسعار “لإرضاء الزبائن وجبر خاطر الناس في العيد”، لكن ضعف السيولة يبقى العائق الأكبر.
“نعمة الأمان” رغم صعوبة المعيشة
إبراهيم الوزير، الذي يعمل على سيارة لنقل الأثاث، قال لعنب بلدي إن الوضع المعيشي هذا العام “أصعب من العيد الماضي”، لكنه يعتبر أن “نعمة الأمان لا تقدر بثمن”، رغم الضغوط الاقتصادية الكبيرة.
وتوضح شهادات الأهالي وأصحاب المحال أن ازدحام السوق لا يعني القدرة على الشراء. فبالنسبة إلى عائلات كثيرة في داريا، لم تعد تجهيزات العيد قائمة على شراء الملابس والحلوى والمكسرات كما في السابق، بل على محاولة تأمين أقل ما يمكن للأطفال، أو الاكتفاء بما هو متاح، أو تجاوز الموسم من دون تجهيزات فعلية.