لم يعد “الغطا” حاضرًا على رؤوس نساء داريا كما كان في السابق.
غطاء الرأس الأبيض، الذي ارتبط بذاكرة المدينة ونساء جيل كامل، تراجع حضوره في الشوارع والزيارات اليومية، وحلت مكانه أوشحة وأشكال حديثة من الحجاب، لكنه بقي حاضرًا في أحاديث الجدات، وفي أيدي نساء ما زلن يطرزن هذا الموروث بخيوط هادئة.
و”الغطا”، كما تسميه نساء داريا، ليس قطعة قماش بيضاء فقط، بل لباس تقليدي ارتبط بخروج النساء من منازلهن وزياراتهن ومناسباتهن العائلية، وكان علامة اجتماعية يعرف بها الناس المرأة الدارانية.
ومع تراجع ارتدائه بين الأجيال الجديدة، بقيت الحرفة المرتبطة به، من قص القماش وتنسيقه وتطريزه، شاهدة على جزء من ذاكرة المدينة، وعلى مهنة منزلية كانت أكثر حضورًا في بيوت داريا قبل أن تضيق دائرتها اليوم.
تطريز الغطا.. مهنة وراحة نفسية
في منزلها، تجلس نهى عبد الباقي بين القماش والخيوط والطارة، مستعيدة رحلة بدأت قبل أكثر من 25 عامًا، حين تعلمت التطريز على يد خالتها، في وقت كان فيه تعليم البنات مهنة يدوية أمرًا مألوفًا داخل بيوت داريا.
تقول نهى لعنب بلدي إن التطريز لم يعد بالنسبة إليها مجرد عمل يدوي أو مصدر دخل، بل أصبح جزءًا من يومها ومصدر راحة نفسية.
وتضيف أن الجلوس إلى القماش والخيط يمنحها هدوءًا، كما يؤمن لها دخلًا يساعدها في تلبية بعض احتياجات البيت، لكنها تؤكد أيضًا أنها تحب المهنة نفسها، وأن اليوم الذي لا تعمل فيه يشعرها بأن شيئًا ينقصها.
ويمر تجهيز “الغطا” بعدة مراحل. تبدأ نهى بإحضار قطعة القماش وضبط مقاساتها، ثم ضم القطع إلى بعضها وخياطتها، وبعدها شدها على الطارة، قبل مرحلة التنسيل والتطريز على الماكينة.
وتختلف مدة إنجاز القطعة بحسب ثقل التطريز وكثافة الرسمة. فالقطع الثقيلة قد تستغرق شهرًا، وأحيانًا أكثر إذا لم تتمكن من العمل عليها باستمرار، بينما يمكن إنجاز القطع الخفيفة خلال ثلاثة أو أربعة أيام.
وتوضح نهى أن التطريز كان ينجز قديمًا يدويًا بالإبرة والخيط، بينما تعتمد هي اليوم على الماكينة، وكانت بعض النساء يدخلن ألوانًا ورسومات إلى الغطا، مثل الأحمر والأخضر، مع زخارف على شكل ورود أو عصافير.
طلب من خارج داريا
لا يأتي الطلب اليوم من داريا وحدها.
تقول نهى إن طلب أهالي داريا على الغطا تراجع كثيرًا، وبقي مرتبطًا غالبًا بالنساء الكبيرات اللواتي ما زلن يرتدينه، بينما يأتي جزء مهم من الطلب من مناطق أخرى مثل تل منين وعين التينة، حيث يدخل الغطا أحيانًا ضمن جهاز العروس.
وتشير إلى أن بعض العائلات في تلك المناطق ما تزال تطلبه للعروس باعتباره قطعة من التراث، في حين لم يعد حاضرًا بهذا الشكل بين شابات داريا.
وسابقًا، لم تكن نهى تطرز الغطا فقط، بل كانت تعمل أيضًا على “اللحاشات” وقطع جهاز البيوت، مثل القطع التي توضع على الرفوف أو فوق الخزائن أو في زوايا الغرف. لكن هذه الطلبات تراجعت بعد سنوات الحرب والنزوح، وبقي الغطا أكثر ما يُطلب منها اليوم.
وترى نهى أن الحرفة صعبة وتحتاج إلى صبر وتركيز، لذلك لم تعد تجذب الجيل الجديد. وتقول إن بعض الفتيات يبدين رغبة في تعلمها، لكنهن يتراجعن عندما يكتشفن طول الوقت الذي تحتاجه ودقة العمل فيها.
وبحسب نهى، لم يبق في داريا إلا عدد قليل جدًا من النساء اللواتي يعرفن هذا النوع من التطريز.
نهى عبد الباقي أثناء خياطة وتطريز أحد الأغطية الديرانية في داريا – 4 حزيران 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)
لباس للستر وهوية للمدينة
بالنسبة إلى أم عزات سيد عمر، وهي من نساء داريا اللواتي اعتدن ارتداء الغطا منذ طفولتهن، لا تمثل هذه القطعة لباسًا عاديًا، بل جزءًا من تراث المدينة وأهلها.
تقول أم عزات لعنب بلدي إنها بدأت ارتداء الغطا عندما كان عمرها نحو ثماني سنوات، وإن نساء داريا لم يكن يخرجن من منازلهن من دونه.
وترى أن الغطا كان لباسًا للستر، يغطي الشعر والجسد، ويرتبط بصورة المرأة الدارانية في المجتمع المحلي.
وتوضح أن اللون الأبيض كان الأكثر انتشارًا بين النساء، رغم وجود غطا مزهر أو مطرز برسومات، لكنها تفضّل الأبيض دائمًا.
ولا تفصل أم عزات بين الغطا وبقية مظاهر التطريز التي كانت حاضرة في بيوت داريا.
فالنساء، بحسب قولها، كن يطرزن المخدات والسنادات و”اللحاشات” والقطع التي توضع حول الغرف أو فوق الخزائن والرفوف، وهي تفاصيل تقول إنها لم تعد حاضرة كما كانت سابقًا.
وتضيف أن بناتها وحفيداتها لم يعدن يرتدين الغطا، بعدما اتجهت الأجيال الجديدة إلى ارتداء “الشاربات” وأشكال حديثة من الحجاب، في تغير يعكس ابتعاد هذا اللباس عن الاستخدام اليومي.
“كانوا يعرفون أننا من داريا”
تستعيد أم جميل عثمان علاقتها بالغطا منذ طفولتها أيضًا، وتقول لعنب بلدي إنها بدأت ارتداءه عندما كان عمرها بين خمس وسبع سنوات، وإن نساء جيلها لم يكن يخرجن من المنزل من دونه.
وتصف الغطا بأنه إرث تركته الجدات والأمهات، وقطعة كانت تحمل دلالة اجتماعية واضحة، إذ كان الناس يعرفون أن المرأة من داريا بمجرد رؤيتها ترتديه.
وتشير أم جميل إلى أن الغطا كان في معظمه أبيض اللون، مع رسومات وتطريزات مختلفة، لكنها لا تتذكر أسماء الزخارف التقليدية التي كانت تزينه.
ورغم أنها لم تعد ترتديه خارج المنزل كما في السابق، فإنه ما يزال حاضرًا داخل البيت. وتقول: “ما في أحلى منه، هذا تراث بلدنا”.
وتؤكد أم جميل أن حفيداتها لا يرتدينه اليوم، في إشارة إلى تغير العادات اليومية وتراجع حضور هذا اللباس بين النساء الأصغر سنًا.
ذاكرة بيضاء
تكشف أحاديث نهى وأم عزات وأم جميل أن الغطا الداراني ليست حكاية لباس فقط، بل ذاكرة منزلية واجتماعية، وحرفة كانت يومًا جزءًا من يوميات النساء في داريا.
فالغطا الذي كان علامة للمرأة الدارانية لم يعد جزءًا من حياة معظم الشابات، والتطريز اليدوي الذي كان حاضرًا في البيوت تراجع مع تغير أنماط الحياة واللباس، ومع ما فرضته سنوات الحرب والنزوح من تبدلات في العادات والحاجات.
ومع ذلك، لا يغيب هذا الموروث تمامًا. يبقى في صندوق قديم، أو على طارة تطريز، أو في حديث امرأة تقول إن الناس كانوا يعرفون داريا من غطاء رأس نسائها الأبيض.
السيدتان أم عمر وأم جميل من داريا ترتديان الغطا الذي ارتبط بتراث المرأة الدارانية لعقود – 3 حزيران 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)