بعد زيادة الأجور.. التعليم الحكومي يستقطب معلمات المدارس الخاصة في داريا

مدخل المجمع التربوي والتعليمي في الغوطة الغربية بريف دمشق، الذي يتابع شؤون المدارس والكوادر التعليمية في مدينة داريا - 3 حزيران 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

دفعت الزيادة الأخيرة على رواتب العاملين في القطاع العام عددًا من المعلمات العاملات في المدارس الخاصة بداريا ومحيطها إلى إعادة النظر في خياراتهن المهنية، وسط ترقب لإمكانية رفع رواتب التعليم الخاص من جهة، وانتظار تفاصيل المسابقة التي تعتزم وزارة التربية الإعلان عنها قبل بداية العام الدراسي 2026-2027 من جهة أخرى.

ففي وقت توفر فيه بعض المدارس الخاصة بيئة تعليمية أفضل من حيث التجهيزات وعدد الطلاب داخل الصفوف، تقول معلمات إن هذه الميزات لم تعد كافية لتعويض الفارق في الأجور أو حجم المهام المطلوبة منهن، خاصة بعد اتساع الفجوة بين رواتب القطاعين الخاص والعام.

بيئة عمل أفضل.. لكن الأجر لا يكفي

خلود، وهي معلمة من داريا وخريجة كلية التربية اختصاص معلم صف، تعمل حاليًا في مدرسة خاصة بمنطقة صحنايا، قالت لعنب بلدي إنها تدرس خيار الاستقالة إذا لم تشهد الرواتب زيادة تتناسب مع المتغيرات الأخيرة.

وتوضح أن المدرسة التي تعمل فيها توفر ظروفًا تعليمية جيدة، من حيث الوسائل التعليمية والمساحات والأعداد المحدودة للطلاب داخل الصفوف، ما يجعل بيئة العمل أكثر راحة من كثير من المدارس الأخرى.

لكن هذه المزايا، بحسب قولها، لم تعد كافية أمام ضعف الأجر.

وتشير إلى أن إدارات المدارس الخاصة اعتادت رفع الرواتب سنويًا، إلا أن الزيادة الأخيرة لمواكبة رفع أجور القطاع العام ما تزال غير واضحة، وهو ما يجعل قرار الاستمرار أو المغادرة مؤجلًا حتى تتضح الصورة.

وتلفت إلى أن الراتب المقطوع للمعلم في القطاع العام بعد الزيادة بلغ 2.6 مليون ليرة سورية (نحو 193 دولارًا)، ويصل مع التعويضات إلى نحو 3.64 مليون ليرة سورية (نحو 270 دولارًا)، وهو ما يفوق بأكثر من الضعف ما تتقاضاه حاليًا.

ولا يقتصر الأمر على الراتب، إذ تضطر يوميًا إلى قطع مسافة سيرًا على الأقدام للوصول إلى نقطة انطلاق باص المدرسة، في طريق تصفه بالمظلم خلال ساعات الصباح الباكر، إضافة إلى اضطرارها لمغادرة منزلها مبكرًا بسبب موقع المدرسة خارج المدينة.

كما يبلغ نصابها التدريسي 21 حصة أسبوعيًا، مقارنة بـ19 حصة للمعلمة المجازة في المدارس الحكومية، ما يجعلها ترى أن الأجر لا يتناسب مع حجم العمل المطلوب.

مهام تتجاوز حدود الحصة

في مدرسة خاصة أخرى، قالت رغد، وهي معلمة لغة عربية في سنتها الدراسية الأخيرة، إن قرب المدرسة من منزلها يخفف أعباء المواصلات، لكنه لا يغير حقيقة أن المهام المطلوبة أكبر من الراتب الذي تتقاضاه.

وأوضحت أنها لا تكتفي بتدريس المواد الموكلة إليها، بل تشارك في تصحيح الدفاتر والاختبارات، وتغطية حصص المعلمات الغائبات، والمشاركة في الأنشطة المدرسية والمسابقات المختلفة.

وترى أن العمل في المدارس الحكومية أصبح أكثر جاذبية من الناحية المادية، كما أن حدود المسؤوليات فيه أكثر وضوحًا، مقارنة بالمدارس الخاصة التي قد تجد فيها المعلمة نفسها مسؤولة عن مهام إضافية لا تنعكس على راتبها.

دوام ينتهي في المدرسة ويستمر في المنزل

أما تسنيم، وهي خريجة كلية التربية اختصاص معلم صف وتعمل في مدرسة خاصة خارج داريا، فتقول إن يوم العمل لا ينتهي مع نهاية الدوام المدرسي.

وتوضح أنها تصل إلى منزلها قرابة الساعة الثالثة بعد الظهر، لكنها تتابع بعدها إعداد أوراق العمل واختبارات السبر ونماذج الامتحانات وتحضير الدروس.

وتضيف أنها مضطرة للاستمرار في العمل بسبب حاجتها إلى دخل ثابت، خصوصًا في ظل التزامات معيشية مستمرة، أبرزها أجرة المنزل.

ورغم ذلك، فإنها تترقب أي فرصة للانتقال إلى القطاع العام، سواء عبر المسابقة المرتقبة أو من خلال أي فرصة تعيين مستقبلية، معتبرة أن الوظيفة الحكومية قد توفر دخلًا أفضل واستقرارًا أوضح في طبيعة العمل.

مدارس تحتاج إلى كوادر

مدير المجمع التربوي في داريا، عامر شماشان، قال لعنب بلدي إن مدارس المدينة ما تزال تعاني نقصًا واضحًا في الكوادر المثبتة.

وأوضح أن داريا تضم نحو 20 مدرسة للحلقتين الأولى والثانية، يعمل فيها نحو 624 معلمًا ومدرسًا من داخل الملاك وخارجه، بينهم 176 فقط من المثبتين، فيما يعمل الباقون بصفة وكلاء أو مكلفين.

وأضاف أن الحاجة لا تقتصر على زيادة الأعداد، بل تشمل أيضًا تأهيل جزء من الكوادر الحالية، موضحًا أن بعض الوكلاء العاملين في المدارس حصلوا على شهادة البكالوريا خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أن النقص في الكوادر دفع المدارس إلى الاستعانة بهم، خاصة في الحلقة الأولى.

وبحسب شماشان، تتركز الحاجة الأكبر حاليًا في اختصاصات اللغة الإنجليزية والفيزياء والكيمياء، التي وصفها بأنها من أكثر الاختصاصات المطلوبة في مدارس المنطقة.

مسابقة مرتقبة

فيما يتعلق بالمسابقة التي أعلن عنها وزير التربية، قال شماشان إن المؤكد حتى الآن هو وجود مسابقة قبل بداية العام الدراسي المقبل، دون صدور تفاصيلها النهائية بعد.

وأضاف أن المسابقة قد تشمل تثبيت أصحاب العقود أو تعيين وكلاء جدد أو استقطاب خريجين جامعيين، مشيرًا إلى أن الوزارة لم تعلن حتى الآن الآلية النهائية للتسجيل أو شروط التقدم.

وأوضح أن الراغبين بالعمل في المدارس الحكومية يمكنهم أيضًا التقدم بصفة وكلاء أو مكلفين بالساعات مع بداية العام الدراسي، وفق احتياجات المدارس والشواغر المتاحة.

اختبار جديد للمدارس الخاصة

بحسب شهادات المعلمات، فالمنافسة بين التعليم الخاص والحكومي لم تعد مرتبطة فقط ببيئة العمل أو التجهيزات المتاحة داخل الصفوف، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالدخل وحجم المسؤوليات وفرص الاستقرار المهني.

ومع اقتراب موعد المسابقة المرتقبة، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة بالنسبة لعدد من معلمات المدارس الخاصة في داريا ومحيطها، اللواتي يوازِنّ بين بيئة عمل مريحة نسبيًا، ووظيفة حكومية قد تمنحهن أجرًا أعلى ومسارًا وظيفيًا أكثر استقرارًا.

مقالات ذات صلة

إعادة افتتاح الثانوية المهنية النسوية في داريا.. مئات الطالبات ونقص في الكوادر

مدارس خاصة ودروس خصوصية.. أعباء تعليمية ومالية على الأسر في داريا

أسماء جديدة لمدارس داريا.. تحفظات على حذف أسماء راسخة في ذاكرة الأهالي