يواصل أحمد صريم، وهو بخاخ موبيليا في داريا، عمله في المهنة منذ نحو 35 عامًا، متمسكًا بحرفة دخلها طفلًا بعد المدرسة، وما يزال يراها حتى اليوم مصدر ستر ومعيشة، رغم ما طرأ على السوق من تغيرات في طبيعة الأثاث، وتراجع في جودة بعض المنتجات، وارتفاع في تكاليف التشغيل، ولا سيما الكهرباء والمحروقات.
في ورشته بمدينة داريا، يختصر صريم نظرته إلى المهنة بعبارة يقول فيها إن “المصلحة، إذا ما بتغنيك بتسترك”، في إشارة إلى علاقة قديمة بحرفة يعتبرها باب رزق، حتى إن لم تعد تدر دخلًا يكفي كما في السابق.
ويقول إن العمل يبقى أفضل ما دام موجودًا، لأن استمرار الشغل يعني استمرار القدرة على العيش، ولو بحدودها الدنيا.
من المدرسة إلى ورشة البخ
يروي صريم لعنب بلدي أنه بدأ العمل في هذه المهنة منذ كان في الصف الثالث، إذ كان يخرج من المدرسة ويتوجه إلى الورشة.
ويضيف أنه أحب المصلحة منذ أن شاهد أحد العاملين فيها، قبل أن يتعلمها على يد “أبو سامر الفرخ”، الذي يذكره بالرحمة.
ومنذ ذلك الوقت، لم يغادر هذه الحرفة، بل تنقل معها عبر سنوات طويلة من العمل، في بخ غرف النوم والأبواب والحديد وقطع الأثاث المختلفة، ضمن مهنة يقول إنها لم تتغير في أصلها كثيرًا، لكن السوق الذي تعمل فيه تبدل بشكل واضح.

أثاث أخف وعمر أقصر
بحسب صريم، لم تعد غرف النوم اليوم كما كانت في السابق، سواء من حيث الجودة أو العمر أو العناية بالتفاصيل.
ويقول إن الغرفة كانت قديمًا تصنع باهتمام أكبر، من ناحية النجارة والبخ وجودة التنفيذ، وكان عمرها يمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، “وما بتقول آخ”، على حد وصفه.
أما اليوم، فيرى أن معظم الأثاث أصبح أخف وأقل تحملًا، إلى درجة أن بعض القطع لا تعيش أكثر من سنة أو سنتين قبل أن تبدأ مشكلاتها بالظهور.
ويعتبر أن التغير لم يطل المهنة وحدها، بل طال ذوق السوق نفسه، والمواد المستخدمة، وطبيعة الطلب على الأثاث.
هذا التبدل، من وجهة نظره، لا يعني فقط تغير شكل الغرف، بل أيضًا تغير قيمة العمل الحرفي الذي كان يبنى على المتانة وطول العمر، قبل أن تميل السوق أكثر إلى الخفة والسرعة وتراجع الكلفة.

شتاء بطيء وأزمة طاقة
يقول صريم إن العمل يخف عادة في فصل الشتاء، حين تتراجع حركة السوق، لكن المشكلة الأثقل في المهنة اليوم تبقى الكهرباء.
ويوضح أن مهنته تعتمد على موتور البخ، بينما لا تكفي استطاعة الأمبير في بعض الأحيان لتشغيله، رغم ما يدفعه أسبوعيًا لقاء الاشتراك.
ويضيف أنه اضطر إلى وضع مولدة خاصة على الموتور ليستطيع متابعة العمل، ما يعني مصاريف إضافية على البنزين والزيت، في وقت ترتفع فيه التكاليف العامة ولا ترتفع القدرة الشرائية للزبائن بالمقدار نفسه.
وبالنسبة إلى مهنة تعتمد على أدوات تشغيل تحتاج إلى تيار مستقر، تعد الكهرباء عنصرًا مباشرًا في كلفة الإنتاج، لا مجرد خدمة مساندة، وهو ما يجعل أي ضعف في التغذية أو محدودية في الاستطاعة عبئًا إضافيًا على الحرفي.
مهن تكمل بعضها
لا يتحدث صريم عن مهنته بوصفها عملًا منفصلًا عن غيره، بل كجزء من سلسلة مهن كانت، وما تزال، مترابطة في ورش الأثاث.
ويقول إن النجار والبخاخ والمنجد وغيرهم يكمل بعضهم بعضًا، فغرفة النوم تبدأ عند النجار، ثم تنتقل إلى البخاخ، وإذا احتاجت إلى تنجيد تذهب إلى المنجد، ثم تعود لتستكمل تركيبها قبل أن تسلم للزبون، مع ما يلزمها أحيانًا من مرايا أو إكسسوارات.
ويستعيد صريم صورة قديمة للسوق في داريا، حين كانت ورشات البخ متجاورة، ويصل عددها أحيانًا إلى نحو عشرة بخاخين “فاتحين جنب بعض”، والجميع يعملون.
ويرى أن ما كان يميز تلك المرحلة لم يكن كثرة الشغل فقط، بل روح الترابط بين أصحاب المهن.
ويقول إن هذه المهن كانت تعيش على التكامل، لا التنافس فقط، ولذلك يتمنى أن تعود العلاقات بين الناس إلى مزيد من المحبة والتعاون، لأن الحرف، في نظره، لا تزدهر إلا في بيئة متماسكة.

دخل لا يكفي ومهنة مستمرة
ورغم تمسكه بالمهنة، لا يخفي صريم أن الدخل لم يعد يكفي، ويقول إن المصروف اليوم أكبر من العائد، مهما اشتغل الإنسان، لأن كل شيء أصبح غاليًا.
ومع ذلك، لا يتحدث بنبرة قطيعة مع المهنة أو يأس منها، بل بنبرة من ينتظر تحسنًا تدريجيًا، لا حلولًا فورية.
ويرى أن الأمور تتجه نحو الأفضل، لكن ليس بالسرعة التي ينتظرها البعض، موضحًا أن تحسين الواقع يحتاج إلى وقت، وأن الرزق في النهاية “من الله”، كما يقول.
في ورشة أحمد صريم، لا تبدو حرفة بخ الموبيليا مجرد مهنة قديمة صمدت في وجه الزمن، بل صورة عن سوق تغير، وتكاليف ارتفعت، وعلاقات مهنية كانت أوثق، لكنها ما تزال قائمة على من يتمسك بها ويواصل العمل رغم الصعوبات.
