من البيوت المفتوحة إلى الدوائر الضيقة.. كيف تغيرت العلاقات الاجتماعية في داريا؟

نساء في زيارة منزلية بمدينة داريا - 25 حزيران 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

لم تعد الزيارات العائلية والعفوية في داريا تجري كما كانت قبل سنوات، ولم يعد كثير من السكان يطرقون أبواب الأقارب أو الجيران من دون موعد مسبق.

فسنوات الهجرة، والضغوط الاقتصادية، وتبدل أنماط السكن والعمل، أعادت رسم شكل العلاقات الاجتماعية، وغيرت تفاصيل كانت تشكل جزءًا من الحياة اليومية في المدينة.

ولم يقتصر هذا التحول على طريقة الزيارات، بل شمل حجم الدوائر الاجتماعية، والعلاقة مع الجيران، والمشاركة في المناسبات، وحتى بعض العادات المنزلية التي كانت توفر فرصًا دائمة للقاء والتواصل بين العائلات.

وفي جولة أجرتها عنب بلدي، تحدث سكان عادوا من سنوات اغتراب في دول مختلفة، وآخرون عاشوا هذه التحولات داخل داريا، عن تغيرات يرون أنها فرضتها ظروف الحياة أكثر مما فرضتها الرغبة في الابتعاد عن الآخرين، بينما ترى مختصة في علم الاجتماع أن المجتمع لا يفقد علاقاته، بقدر ما يعيد تشكيلها بما يتناسب مع الواقع الجديد.

الغربة أعادت تعريف الخصوصية

تقول سيرين، وهي في الثلاثينيات من عمرها وعادت إلى داريا بعد سنوات من الإقامة في لبنان، إن الغربة لم تغير مكان إقامتها فقط، بل غيرت أيضًا نظرتها إلى العلاقات الاجتماعية.

وتوضح أنها نشأت في منزل اعتاد استقبال الأقارب والجيران في أي وقت، وكانت الزيارات المفاجئة جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، إلا أن سنوات الاستقلال والاعتماد على النفس جعلتها أكثر تمسكًا بخصوصية منزلها وأكثر انتقائية في بناء علاقاتها.

وتضيف أنها بعد عودتها إلى داريا انتقلت إلى منزل جديد، لكنها أمضت أشهرًا من دون أن تتعرف إلى معظم جيرانها، مكتفية بعلاقات لا تتجاوز حدود التحية والمجاملة، كما أصبحت تفضل أن تسبق أي زيارة مكالمة هاتفية أو تنسيق مسبق احترامًا لخصوصية الأسرة وظروفها.

وترى أن دائرة علاقاتها تقلصت تدريجيًا، وأصبحت الزيارات تقتصر في الغالب على الأهل من الدرجة الأولى وخلال المناسبات، بينما تراجع التواصل مع بقية الأقارب مقارنة بما كان عليه قبل سنوات.

وتعتقد أن سنوات الأزمات والهجرة جعلت كثيرًا من الناس أكثر تحفظًا في مشاركة تفاصيل حياتهم أو فتح أبواب منازلهم، مؤكدة أن روح التكافل الاجتماعي ما تزال موجودة، لكنها لم تعد تمارس بالطريقة اليومية التي كانت سائدة سابقًا.

وتتفق معها قمر، التي عادت إلى سوريا بعد نحو عامين من الإقامة في تركيا، إذ ترى أن سنوات الغربة دفعتها أيضًا إلى إعادة النظر في طبيعة علاقاتها الاجتماعية، فأصبحت أكثر حذرًا في بناء صداقات جديدة، واكتفت بعد عودتها بدائرة محدودة من الأشخاص الذين تثق بهم، مفضلة الابتعاد عن العلاقات التي تستنزف الوقت والجهد دون فائدة حقيقية.

الضغوط المعيشية تقلص المناسبات

ولا يبدو أن الغربة وحدها تقف وراء هذا التحول، إذ ترى قمر أن الظروف الاقتصادية أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في شكل العلاقات الاجتماعية.

وتوضح أن كثيرًا من المناسبات العائلية، مثل الأعراس والولادات والزيارات، أصبحت ترتب التزامات مالية قد يصعب على بعض الأسر تحملها، ما جعل المشاركة فيها بالنسبة إلى عدد من العائلات تتحول من واجب اجتماعي معتاد إلى عبء إضافي يحتاج إلى حسابات مسبقة.

وتنسجم هذه الملاحظات مع ما رصدته عنب بلدي في تقارير سابقة تناولت ارتفاع تكاليف المعيشة في داريا، إذ دفعت الأسعار المرتفعة كثيرًا من الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات إنفاقها، وهو ما انعكس أيضًا على حجم الضيافة والزيارات والتجمعات العائلية.

ويقول عدد ممن تحدثت إليهم عنب بلدي إن اللقاءات لم تختف، لكنها أصبحت أقل تكرارًا وأكثر تنظيمًا، كما تقلصت دائرة الدعوات المنزلية مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.

تغيرت البيوت.. فتغيرت العلاقات

وترى أم جهاد، وهي في الستينيات من عمرها، أن التحول لا يرتبط بالأشخاص بقدر ما يرتبط بتغير أسلوب الحياة نفسه.

وتستذكر أيامًا كانت فيها النساء يجتمعن لتحضير “اليبرق” و”اليالنجي” و”حراق إصبعو”، أو لإعداد “المونة” في مواسمها، موضحة أن هذه الأعمال لم تكن مجرد مهام منزلية، بل مناسبات اجتماعية تستمر لساعات وتجمع الجارات والقريبات بصورة شبه يومية.

وتضيف أن عبارة “الجار قبل الدار” لم تكن مجرد مثل شعبي، بل كانت واقعًا ينعكس في البيوت المفتوحة، والزيارات العفوية، وتبادل الأطباق، والمشاركة في تفاصيل الحياة اليومية.

لكنها ترى أن هذا المشهد تغير تدريجيًا، ليس فقط بسبب الغربة، وإنما أيضًا نتيجة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتغير شكل المساكن، وتراجع الاعتماد على إعداد كثير من المنتجات المنزلية بعد توفرها جاهزة في الأسواق.

وتشير كذلك إلى أن دور الأسرة في نقل هذه العادات إلى الأبناء أصبح أضعف، إذ لم تعد زيارات الأقارب أو المشاركة في المناسبات الاجتماعية تحظى بالمكانة نفسها التي كانت تحتلها في السابق.

المجتمع يعيد تشكيل علاقاته

وترى الخبيرة في علم الاجتماع شروق خليل شيخ رجب أن ما يحدث اليوم لا يعني تراجع العلاقات الاجتماعية أو اختفاءها، وإنما يعكس تحولًا في شكلها ووظيفتها داخل المجتمع.

وتوضح أن ضعف التواصل المباشر قد يزيد شعور بعض الأفراد بالعزلة، ويقلل من شبكات الدعم التي تساعد الناس على مواجهة الضغوط النفسية والاقتصادية، كما قد ينعكس على مستوى التعاون والمشاركة بين أفراد المجتمع.

وتضيف لعنب بلدي أن الحفاظ على التماسك الاجتماعي لا يعني بالضرورة العودة إلى أنماط الحياة القديمة، بل يتطلب إيجاد مساحات جديدة للتواصل تتناسب مع طبيعة الحياة الحالية، مثل الأنشطة المجتمعية والعمل التطوعي والفعاليات المحلية، إلى جانب تشجيع التواصل المباشر بين الأقارب والجيران كلما سمحت الظروف.

مجتمع يتغير.. وروابط تبحث عن شكل جديد

بحسب الشهادات التي جمعتها عنب بلدي فالعلاقات الاجتماعية في داريا لم تنكمش بقدر ما أعادت الظروف تشكيلها.

فالهجرة غيرت مفهوم الخصوصية لدى كثيرين، والضغوط الاقتصادية دفعت آخرين إلى تقليص التزاماتهم الاجتماعية، بينما بدلت أنماط السكن والعمل والعادات المنزلية كثيرًا من المناسبات التي كانت تجمع الناس بصورة تلقائية.

وبين هذه التحولات، تبدو العلاقات الاجتماعية اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل سنوات، لا لأن الناس أصبحوا أقل رغبة في التواصل، بل لأن الظروف التي كانت تصنع ذلك التواصل تغيرت، وأصبح المجتمع يبحث تدريجيًا عن طرق جديدة للحفاظ على الروابط الإنسانية في واقع يختلف كثيرًا عن الماضي.

مقالات ذات صلة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

أطفال بلا تسجيل مدني في داريا.. حضور الصفوف لا يضمن وثيقة مدرسية

قرب وخدمات وعلاقات.. لماذا يستقر بعض أهالي كفرسوسة في داريا؟