بدأ مركز داريا الصحي تقديم خدمة “بوابة التعافي” لمساعدة مستخدمي المواد المخدرة والمؤثرات العقلية على العلاج، ضمن بيئة صحية عامة تراعي الخصوصية وتخفف الوصمة المرتبطة بمراجعة مراكز علاج الإدمان.
ومنذ إطلاق الخدمة، في شباط الماضي، راجع “بوابة التعافي” نحو 20 شخصًا، وفق رئيس المركز الصحي، الذي قال لعنب بلدي إن الخدمة أطلقت بالشراكة بين وزارة الصحة السورية ومنظمة الصحة العالمية، بهدف مساعدة المرضى على الإقلاع وتسهيل وصولهم إلى العلاج.
ولا تقتصر الخدمة على وصف الدواء، بل تبدأ بمقابلة طبية ونفسية أولية، وتقييم يحدد إن كانت الحالة قابلة للمتابعة داخل المركز، أو تحتاج إلى إحالة إلى مشفى متخصص أو طبيب نفسي، مع تأكيد القائمين عليها أن بيانات المراجعين تبقى سرية.
خدمة داخل مركز صحي
رئيس مركز داريا الصحي، الدكتور مازن الخطيب، قال إن “بوابة التعافي” أطلقت في بداية شباط من العام الحالي، وراجعها حتى الآن نحو 20 مريضًا.
وأوضح الخطيب لعنب بلدي أن إطلاق الخدمة جاء في إطار مبادرات صحية تهدف إلى تخفيف العبء ومساعدة مستخدمي المواد المخدرة أو المؤثرات العقلية على العلاج، خصوصًا بعد انتشار هذه المواد خلال السنوات الماضية بين فئات مختلفة، وفي مقدمتها فئة الشباب.
ويرى الخطيب أن وجود “بوابة التعافي” داخل مركز صحي عام، وليس في مشفى متخصص فقط، يساعد على الوصول إلى شريحة أوسع من المحتاجين للخدمة، ويخفف شعور المراجع بالوصمة الاجتماعية.
وأضاف أن الشخص الذي يدخل إلى مركز داريا الصحي لا يُعرف سبب مراجعته بالضرورة، فقد يكون قادمًا إلى العيادة الداخلية أو الإسعاف أو أي خدمة صحية أخرى، ما يمنحه هامشًا أكبر من الخصوصية، بخلاف الدخول إلى مركز معروف بعلاج الإدمان فقط.
وأكد الخطيب أن التعامل مع المراجعين يتم “بأعلى درجات الخصوصية”، وأن البيانات تبقى سرية، ولا يطلع عليها سوى الفريق المعني بمتابعة الحالة.
استقبال بسرية ومقابلة ودية
يشرح الدكتور توفيق نصر الله، أخصائي طب الطوارئ والمشرف على عيادة “بوابة التعافي” في المركز، أن التعامل مع المراجع يبدأ من محاولة كسر الحاجز النفسي بينه وبين الفريق الطبي.
وقال لعنب بلدي إن المريض يُستقبل ضمن مقابلة “ودية”، لا بوصفه حالة تُدان أو تُعامل بحدة، بل كشخص يحتاج إلى مساحة آمنة للحديث.
وأضاف أن الجلسة الأولى تبدأ بأسئلة عامة عن حياة المراجع، مثل عمله ووضعه العائلي وظروفه اليومية، قبل الانتقال تدريجيًا إلى تفاصيل استخدام المادة، والأسباب التي دفعته إليها، والمشكلات التي يعاني منها.
وبحسب نصر الله، لا يحضر المقابلة سوى الطبيب والممرضة، مع الحفاظ على السرية التامة، حتى يشعر المراجع بالاطمئنان ولا يخشى خروج معلوماته إلى خارج الغرفة.
وتؤكد الممرضة عبير أرشوكية، ممرضة قسم الإسعاف وعيادة التعافي، الفكرة نفسها، موضحة أن المراجع يدخل إلى غرفة خاصة، ثم تبدأ جلسة تمنحه “الأريحية” للحديث عن مساره، وكيف وصل إلى مرحلة طلب المساعدة.
وتقول لعنب بلدي إن الفريق يشجع المراجع على الكلام بصراحة، لأن تقييم الحالة يحتاج إلى معلومات واقعية عن نوع المادة ومدة استخدامها وتأثيرها، وليس إلى إجابات يحاول فيها الشخص إرضاء الطبيب أو إخفاء ما يمر به.
أداة تقييم تحدد المسار
لا يتعامل مركز داريا الصحي مع جميع الحالات بالطريقة نفسها، إذ يستخدم الفريق الطبي أداة تقييم خاصة لتحديد شدة الحالة ومسار العلاج المناسب.
توضح أرشوكية أن الأداة تتضمن مجموعة أسئلة تُجمع درجاتها لتقدير وضع المراجع، فإذا تجاوزت النتيجة حدًا معينًا، تصبح الإحالة إلى مشفى متخصص مثل مشفى ابن رشد، أو إلى طبيب نفسي، ضرورية.
أما إذا كانت الدرجة أقل، فيمكن أن يتابع المراجع علاجه داخل المركز، سواء عبر أدوية متوفرة في صيدلية المركز، أو من خلال جلسات دعم نفسي وسلوكي.
ويقول الدكتور مازن الخطيب إن اضبارة المريض تتضمن معلومات عن المادة المستخدمة، وكمية الاستخدام، ومدة الاستمرار، ثم تبنى الخطة العلاجية على نتائج التقييم، لتحديد إن كان العلاج ممكنًا ضمن المركز أو يحتاج إلى إحالة.
وبحسب الدكتور توفيق نصر الله، فإن الحالات البسيطة أو المتوسطة يمكن التعامل معها داخل المركز، خاصة إذا كانت الأعراض تشمل اضطرابات نفسية أو سلوكية محدودة، مثل الاكتئاب أو القلق أو الذهان البسيط في مراحله الأولى، مع توفر أدوية ودعم نفسي يساعدان على المتابعة.
علاج مجاني أو إحالة متخصصة
يؤكد نصر الله أن معظم الأدوية المطلوبة للحالات التي يمكن علاجها داخل المركز متوفرة مجانًا، وأن الفريق لا يتقاضى أي مقابل من المراجعين.
ويضيف أن بعض الحالات تحتاج فقط إلى دواء ومتابعة، بينما تحتاج حالات أخرى إلى دعم نفسي أو سلوكي، من خلال مختصين يزورون المركز ويقدمون جلسات مساعدة للمراجعين.
وتقول أرشوكية إن الحالات التي لا تستدعي الإحالة يمكن أن تستفيد من الأدوية الموجودة في المركز، إضافة إلى جلسات الدعم النفسي، إذ لا يكون التدخل دائمًا شاملًا أو مرتبطًا بمشفى متخصص.
أما الحالات التي تظهر عليها أعراض شديدة أو خطرة، فيجري تحويلها إلى مشافٍ أو جهات أكثر تخصصًا، لأن التعامل معها يحتاج إلى بيئة علاجية مجهزة وقدرة أكبر على المتابعة والسيطرة على الأعراض.
متى تصبح الحالة خطرة؟
يفرق العاملون في “بوابة التعافي” بين الحالات التي يمكن متابعتها داخل المركز، والحالات التي تحتاج إلى تدخل أوسع.
ويقول الدكتور توفيق نصر الله إن بعض الأعراض، مثل الغضب الشديد، والهياج، والسلوك العدواني، ومحاولة تكسير الأشياء أو إيذاء النفس أو الآخرين، قد تشير إلى حاجة المريض إلى إحالة أو دخول مشفى متخصص.
وأوضح أن مثل هذه الحالات لا تكون شائعة داخل المركز، لأنها غالبًا تتوجه مباشرة إلى المشافي، بينما تستقبل “بوابة التعافي” في داريا حالات أكثر هدوءًا أو أقل شدة، يمكن التعامل معها عبر المتابعة الطبية والدعم النفسي.
وحذر نصر الله من أن الإدمان في مراحله المتقدمة قد يؤثر في السلوك، ويدفع بعض المرضى إلى إيذاء أنفسهم أو محيطهم، أو الدخول في حالات عدوانية أو محاولات انتحار، لكنه ربط ذلك بالمراحل المتقدمة، وليس بكل حالة استخدام أو تعاطٍ.
الإدمان مرض لا وصمة
ترى الممرضة عبير أرشوكية أن التعامل مع الإدمان يجب أن ينطلق من كونه حالة مرضية قابلة للعلاج، لا حكمًا نهائيًا على الشخص.
وتقول إن بعض الحالات لا تبدأ من رغبة مباشرة في التعاطي، بل من استخدام أدوية بعد عمل جراحي أو ألم مزمن، مثل بعض المسكنات، ثم يتحول الاستخدام مع الوقت إلى اعتياد يصعب على الجسم إيقافه.
وتضيف أن المراجع في هذه الحالات قد يكون “ضحية” لمسار بدأ بطريقة علاجية أو ظرف صحي، قبل أن يتحول إلى اعتماد على المادة، ولذلك يحتاج إلى علاج ومتابعة لا إلى إدانة اجتماعية.
وتؤكد أن وجود الإرادة لدى المراجع مهم، خاصة أن مرحلة السحب قد تكون صعبة، لكن هذه الصعوبة لا تعني أن التعافي غير ممكن.
محاولة لإعادة الدمج
يربط الدكتور مازن الخطيب إطلاق “بوابة التعافي” بالحاجة إلى التعامل مع آثار انتشار المواد المخدرة والمؤثرات العقلية خلال السنوات الماضية، خصوصًا بين الشباب.
وقال إن وزارة الصحة أطلقت مراكز وبوابات تعافٍ في بيئات صحية عامة، بهدف الوصول إلى المحتاجين للخدمة بعيدًا عن المشافي المركزية فقط، وتخفيف الوصمة المرتبطة بطلب العلاج.
وأضاف أن الهدف لا يقتصر على العلاج الطبي، بل يشمل المساعدة في استعادة الصحة والعافية وإعادة دمج الشباب وفئات المجتمع المتضررة.
وتأتي “بوابة التعافي” في مركز داريا الصحي كخدمة مهمة داخل المدينة، تراهن على السرية وسهولة الوصول، وعلى التعامل مع الإدمان بوصفه مشكلة صحية قابلة للتدخل، لا حالة تُترك للوصمة أو الخوف من طلب المساعدة.