مع انتهاء العام الدراسي وبداية العطلة الصيفية، يعود مشهد مألوف في داريا إلى الواجهة.
أطفال ومراهقون يقصدون الورشات والمحال لتعلم مهنة أو مساعدة عائلاتهم في العمل، بينما يفضل آخرون قضاء الصيف في الاستعداد للعام الدراسي المقبل أو الالتحاق بدورات تعليمية.
ورغم أن مصطلح “عمالة الأطفال” يرتبط غالبًا بمخاطر التسرب المدرسي والاستغلال الاقتصادي، فإن كثيرًا من أهالي داريا يميزون بين خروج الطفل من المدرسة للعمل بشكل دائم، وبين تعلم مهنة خلال أوقات الفراغ أو العطلة الصيفية، باعتبارها تجربة تمنحه مهارات عملية قد يحتاجها مستقبلًا.
وفي جولة أجرتها عنب بلدي بين أصحاب مصالح وحرفيين وسكان في المدينة، بدا أن الخلاف لا يدور حول قيمة التعليم، إذ أجمع معظم من تحدثوا على أهميته، بل حول إمكانية الجمع بين الدراسة والمهنة، والسن المناسبة لدخول الطفل إلى سوق العمل.
الدراسة أولًا
أحمد عكاش يرى أن العلم يجب أن يبقى الأولوية الأساسية للأطفال، وقال لعنب بلدي إن الوقت الحالي “وقت علم”، وإن الطفل يجب ألا يترك المدرسة من أجل تعلم مهنة، حتى في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي تواجهها كثير من العائلات.
وأضاف أن تعلم المصلحة يمكن أن يكون مفيدًا خلال أوقات الفراغ أو العطل الصيفية، لكنه لا يجب أن يأتي على حساب الدراسة.
ويعتقد عكاش أن المهنة نفسها تحتاج إلى تعليم، موضحًا أن الحرفي يحتاج إلى الحساب والقراءة والقدرة على فهم التفاصيل المرتبطة بعمله، وهو ما يجعل العلم والمصلحة مكملين لبعضهما.
الرأي نفسه يتبناه سليمان لطيفة، الذي يعمل في الخراطة وتسوية المعادن.
ويقول إن الأطفال اليوم بحاجة إلى متابعة تعليمهم أكثر من أي وقت مضى، خصوصًا في ظل التطور التقني الذي بات يفرض نفسه حتى على المهن التقليدية.
ويشير إلى أن كثيرًا من المعدات الحديثة أصبحت تعتمد على برامج وتقنيات ولغات أجنبية، ما يجعل الحرفي المتعلم أكثر قدرة على تطوير عمله من غيره.
وأضاف أن تجربته الشخصية جعلته يدرك أهمية التعليم، موضحًا أنه لو حصل على تعليم تقني وصناعي أوسع لكان قادرًا على مواكبة التطورات الحديثة في مهنته بشكل أفضل.
عندما لا ينجح الجميع في الدراسة
في المقابل، يرى بعض الأهالي أن الواقع يختلف من طفل إلى آخر، وأن ليس جميع الأطفال قادرين أو راغبين في متابعة المسار الدراسي نفسه.
محمود عروب، وهو من حماة ويسكن في داريا، قال لعنب بلدي إن ابنه ترك الدراسة واتجه إلى تعلم مهنة بعد محاولات عديدة لإبقائه في المدرسة.
وأضاف أن بعض الأطفال تظهر ميولهم منذ الصغر، سواء نحو التعليم الأكاديمي أو نحو العمل المهني، معتبرًا أن إجبار الطفل على طريق لا يناسبه قد لا يحقق النتائج المرجوة.
ويرى عروب أن المهنة توفر لصاحبها مصدر رزق وخبرة عملية، لكنها تصبح أكثر فائدة عندما تترافق مع التعليم.
واستشهد بعمله في النجارة، موضحًا أن الحسابات الدقيقة والقياسات التي تعتمد عليها المهنة تحتاج إلى معرفة رياضية وقدرة على القراءة والفهم.
التهجير غير النظرة إلى العمل
تجربة التهجير تركت أثرها أيضًا في نظرة بعض الأهالي إلى العلاقة بين التعليم والعمل.
عزات معضماني، الذي عاد مؤخرًا من مصر، قال لعنب بلدي إن سنوات اللجوء أظهرت لكثير من السوريين أهمية امتلاك مهنة إلى جانب الشهادة العلمية.
وأوضح أن عددًا من أصحاب الشهادات الجامعية اضطروا خلال سنوات التهجير إلى العمل في مهن يدوية أو حرفية لتأمين معيشتهم، في حين تمكن أصحاب المهن من إيجاد فرص عمل بشكل أسرع.
ويرى معضماني أن أفضل خيار هو الجمع بين التعليم والمهنة، بحيث يمتلك الشاب أكثر من فرصة للمستقبل، سواء عبر شهادته أو عبر مهارته العملية.
ويقول إن امتلاك مهنة لا يعني التخلي عن التعليم، بل يمكن أن يكون عنصرًا داعمًا له، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية وعدم استقرار سوق العمل.
المصلحة والدراسة معًا
هذا الرأي يحظى بتأييد عدد من أصحاب المهن في المدينة.
مازن تبلو قال إن تعلم المهنة خلال العطلة الصيفية كان أمرًا طبيعيًا بالنسبة إلى أبناء جيله، موضحًا أنه بدأ العمل منذ المرحلة الإعدادية واستمر في دراسته في الوقت نفسه حتى البكالوريا.
وأضاف أن الدراسة ساعدته لاحقًا على تطوير عمله في مجال الإنشاءات المعدنية، من خلال استخدام الحاسوب وبرامج التصميم مثل “أوتوكاد”.
ويرى أن الجمع بين الجانب النظري والعملي يمنح الشاب فرصة أكبر للنجاح، لأن المعرفة الأكاديمية تساعد على تطوير المهنة، بينما تمنح المهنة خبرة لا توفرها الدراسة وحدها.
سوق عمل يتغير
وتأتي هذه الآراء في وقت تشهد فيه داريا، كما بقية المدن السورية، تغيرات اقتصادية دفعت كثيرًا من العائلات إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، في حين ما تزال معدلات البطالة مرتفعة وفرص العمل محدودة أمام الشباب.
وفي الوقت نفسه، تتجه مهن كثيرة نحو الاعتماد على التكنولوجيا والبرمجيات واللغات الأجنبية، ما يجعل الفصل بين التعليم والعمل المهني أقل وضوحًا مما كان عليه في السابق.
أبو خالد حبيب، الذي بدأ العمل منذ طفولته، يرى أن الزمن تغير، وأن الأطفال اليوم يملكون فرصًا تعليمية أفضل مما كانت متاحة للأجيال السابقة.
ويقول إن المهن الحديثة، وخصوصًا في مجالات الإلكترونيات والهواتف، أصبحت تحتاج إلى معرفة تقنية وعلمية لا تقل أهمية عن المهارة اليدوية.
ولهذا السبب، ينصح بأن يبقى التعليم أولوية، مع إمكانية تعلم مهنة إلى جانبه.
وتكشف آراء من التقتهم عنب بلدي أن النقاش لا يدور حول قيمة التعليم أو أهمية العمل، بل حول كيفية الموازنة بينهما.
فبين من يرى أن الدراسة هي الأساس الذي لا يجوز التفريط به، ومن يعتبر أن المهنة تشكل ضمانة للمستقبل في حال تعثر المسار التعليمي، يلتقي معظم المتحدثين عند نقطة واحدة، وهي أن الطفل لا ينبغي أن يُدفع إلى ترك المدرسة من أجل العمل، لكن تعلم مهنة خلال العطلة أو أوقات الفراغ قد يمنحه خبرة إضافية يحتاجها في حياته المقبلة.