لم تعد مشاركة النساء في الأنشطة العامة والعمل التطوعي في داريا أمرًا استثنائيًا كما كانت قبل سنوات. فمن المبادرات الخيرية والأنشطة الثقافية إلى الدورات التدريبية والفعاليات المخصصة للأطفال، بات حضور النساء جزءًا مألوفًا من المشهد الأهلي في المدينة.
ومع ذلك، لا تمر جميع هذه المشاركات من دون نقاش. فبينما تحظى كثير من المبادرات بترحيب واسع، تظهر بين الحين والآخر تعليقات وانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي تتناول طريقة المشاركة أو المظهر أو نشر الصور، ما يعكس استمرار الجدل حول حدود حضور المرأة في المجال العام داخل مجتمع محافظ شهد تحولات كبيرة خلال السنوات الماضية.
وتكشف آراء متطوعات وعاملات في المجال الإنساني وعدد من أبناء المدينة، التي سجلتها لعنب بلدي، أن الخلاف لا يدور غالبًا حول مبدأ مشاركة النساء نفسه، بقدر ما يرتبط أحيانًا بشكل هذا الحضور وطريقة ظهوره للعلن.
مشاركة أصبحت جزءًا من المشهد
خلال السنوات الأخيرة، شاركت نساء من داريا في عشرات الأنشطة والمبادرات التي وثقتها عنب بلدي، من حملات تطوعية وخيرية، إلى فعاليات للأطفال، ودورات تدريبية ومهنية، وأنشطة ثقافية وفنية، إضافة إلى مشاركتهن في إدارة مبادرات وجمعيات محلية والعمل في قطاعات خدمية وإنسانية.
وفي مناسبات مختلفة، أظهرت التعليقات المرافقة للأنشطة المنشورة على صفحات المدينة تأييدًا لدور النساء في العمل المجتمعي، واعتبار مشاركتهن عنصرًا أساسيًا في نجاح المبادرات المحلية، بينما حملت تعليقات أخرى ملاحظات تتعلق بالمظهر أو طبيعة الظهور أو نشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي.
آلاء طه، الطالبة في السنة الثالثة بكلية هندسة العمارة والمتطوعة في مؤسسة حوائج الخيرية وفريق شباب داريا التطوعي، قالت لعنب بلدي إن كثيرًا من الناس يبنون انطباعاتهم الأولى اعتمادًا على الشكل أو اللباس، رغم أن ذلك لا يعكس بالضرورة قدرة الشخص على العمل أو التأثير.
وترى أن القيمة الحقيقية لأي متطوع أو متطوعة تكمن في الفكر والالتزام والقدرة على تقديم فائدة للمجتمع، لا في الانطباعات المرتبطة بالمظهر الخارجي.
وتتفق معها ريم عديلة، الطالبة في السنة الرابعة في اختصاص الحيوية الكيميائية ومديرة جمعية نبض التغيير والمتطوعة في مبادرة “تلحلح” وجمعية شريان الحياة، معتبرة أن بعض العادات والتوقعات الاجتماعية تجعل المظهر عاملًا مؤثرًا في نظرة بعض الناس إلى المشاركين في الأنشطة العامة، ولا سيما النساء.
توقعات مختلفة للنساء
تشير المتحدثات إلى وجود توقعات اجتماعية غير مكتوبة تتعلق بطريقة اللباس وأسلوب التصرف، تختلف باختلاف البيئة والمجتمع، لكنها تكون غالبًا أكثر صرامة تجاه النساء مقارنة بالرجال.
وتقول ريم إن النساء يتعرضن أحيانًا لمستوى أعلى من المراقبة الاجتماعية والنقد، حتى عندما يشاركن في أنشطة مشابهة لتلك التي يشارك فيها الرجال.
أما ولاء، وهي خريجة جامعية تعمل ضمن فريق الدفاع المدني وكانت قد عملت سابقًا مسعفة، فتقول إن المرأة ما تزال تتحمل جزءًا أكبر من مسؤولية تمثيل “صورة المجتمع”، وهو ما يجعل حضورها العام أكثر عرضة للتقييم والتعليق.
وترى آلاء أن الانتقادات لا تصدر دائمًا من منطلق واحد، فبعضها يرتبط برغبة أصحابها في الحفاظ على ما يعتبرونه “قيم المجتمع وعاداته”، بينما ينطلق بعضها الآخر من عدم تقبل الاختلاف أو الخروج عن الصور النمطية المعتادة.
وتعتبر ريم أن الانتقادات تتأرجح بين هذين الدافعين، ما يجعل التعامل معها أكثر تعقيدًا من مجرد اعتبارها رفضًا مطلقًا لمشاركة النساء.
حين تنتقل المشاركة إلى وسائل التواصل
رغم أن كثيرًا من الأنشطة تمر بصورة طبيعية على أرض الواقع، ترى المشاركات أن نشر الصور والمقاطع المصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يزيد من حجم النقاش حولها.
وتقول ريم إن الاعتراض لا يكون دائمًا على النشاط نفسه، بل على ظهوره بشكل علني وتداوله على المنصات الرقمية.
أما ولاء فتقول إنها تعرضت في أكثر من مناسبة لتعليقات ناقدة بسبب طبيعة عملها الإنساني، لكنها لم تسمح لذلك بالتأثير على قناعاتها.
وتضيف أن هدفها الأساسي كان دائمًا خدمة الناس، وأنها اعتادت التعامل مع الانتقادات بهدوء، ما دامت مقتنعة بأن ما تقوم به لا يتعارض مع القيم الأخلاقية أو القانونية.
وتعتقد المشاركات أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تعكس دائمًا الصورة الكاملة للمجتمع، إذ إن الأصوات الأكثر انتقادًا تكون غالبًا الأعلى حضورًا في التعليقات، بينما يبقى كثير من المؤيدين أو المتقبلين أقل ظهورًا.
العمل الميداني ليس حكرًا على الرجال
تروي آلاء تجربة واجهتها خلال إحدى المبادرات التطوعية في داريا خلال شهر رمضان، حين شعرت بوجود نوع من الوصاية الاجتماعية من بعض الشباب داخل الفريق بسبب مشاركتها في العمل الميداني.
وتقول إن بعضهم تعامل مع الأمر وكأن دور الفتاة يجب أن يقتصر على الأعمال التنظيمية أو المكتبية، لا النزول إلى الميدان.
وترى أن هذا الموقف يعكس تصورات اجتماعية تقليدية أكثر مما يعكس طبيعة العمل التطوعي نفسه، مؤكدة أن القدرة على العطاء والإنجاز لا ترتبط بجنس الشخص، بل برغبته وإمكاناته.
كما تتحدث عن تجربة أخرى بعد التحرير، حين سعت إلى تنفيذ مشروع جداريات فنية في المدينة، مستفيدة من خبرتها السابقة في رسم عشرات الجداريات في دمشق.
ورغم حصولها على الموافقات اللازمة، ألغي المشروع لاحقًا بحجة أن الوقت غير مناسب. وتقول إنها شعرت بخيبة أمل آنذاك، لكنها عادت لاحقًا لتنظيم معرض فني في المدينة، وتعلمت أن تنفيذ المبادرات في داريا يحتاج إلى صبر وتدرج وفهم لطبيعة المجتمع المحلي.
آراء من المدينة
يرى أحمد الخطيب، وهو شاب من داريا، أن مشاركة النساء في المبادرات والأنشطة العامة يجب أن تُقيّم بناءً على أثرها وفائدتها للمجتمع، لا بناءً على المظهر أو الأحكام المسبقة.
ويعتبر أن زيادة مشاركة النساء في الحياة العامة تسهم في تعزيز العمل الأهلي وتوسيع دائرة المبادرات المجتمعية داخل المدينة.
في المقابل، يرى أبو عمر، وهو أحد سكان داريا، أن من حق المجتمع المحافظ الحفاظ على عاداته وقيمه، وأن بعض أشكال الظهور العلني قد تثير حساسية لدى شريحة من الناس.
ويقول إن بعض الانتقادات لا تنطلق بالضرورة من رفض دور المرأة أو التقليل من أهميته، بل من الحرص على ما يعتبره المجتمع عادات وتقاليد متوارثة.
واقع يتغير ونقاش مستمر
رغم اختلاف الآراء، تتفق المتحدثات على أن حضور النساء في الأنشطة العامة والعمل التطوعي في داريا أصبح أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، وأن كثيرًا من المبادرات ما كان لها أن تنجح دون مشاركة النساء فيها.
وتقول آلاء إن العمل التطوعي يمنح الإنسان خبرات وثقة بالنفس وفرصًا للتعلم والتأثير الإيجابي، فيما تدعو ريم إلى التركيز على الهدف من العمل وعدم الاستسلام للتعليقات السلبية، مع الاستمرار في تطوير المهارات واكتساب الخبرات.
أما ولاء، فترى أن توسيع مساحة المشاركة المجتمعية للنساء هو الطريق الطبيعي لتخفيف الحساسية المرتبطة بحضورهن في المجال العام، حتى يصبح الأمر جزءًا اعتياديًا من الحياة اليومية.
وبين مشاركة نسائية أصبحت أكثر حضورًا في الأنشطة التطوعية والإنسانية والثقافية داخل داريا، وانتقادات تظهر بين حين وآخر على وسائل التواصل الاجتماعي، يبدو أن النقاش لا يدور حول مشاركة المرأة بحد ذاتها بقدر ما يتعلق بشكل حضورها في المجال العام وحدود هذا الحضور داخل مجتمع محافظ ما تزال نظرته إلى بعض الأدوار الاجتماعية قيد التشكل والتغير.