خصص جناح محافظة ريف دمشق في الدورة الـ63 لمعرض دمشق الدولي جزءًا من مساحته لعرض أرشيف ومواد توثق محطات من الثورة السورية في عدد من مدن المحافظة، إلى جانب منتجات وأدوات تعرّف بهويتها وتراثها المحلي.
وحصلت داريا على المساحة الأكبر ضمن الجناح، إذ عرضت زاويتها صورًا ووثائق وأدوات تبدأ بالمظاهرات السلمية وتمر بمجزرة داريا والحصار، وصولًا إلى تهجير سكان المدينة عام 2016.
وافتتحت الدورة الحالية من معرض دمشق الدولي في 26 من آب، وتستمر حتى 4 من أيلول 2026 في مدينة المعارض بدمشق.
وخصصت الأيام الثلاثة الأولى لرجال الأعمال والمستثمرين والوفود، قبل فتح المعرض أمام الجمهور اعتبارًا من 29 من آب.
وتوزعت مشاركة ريف دمشق على زوايا لعدد من مدن ومناطق المحافظة، بينها داريا ومعضمية الشام والتل وقطنا وقدسيا والطيبة والغوطة الشرقية والكسوة والنبك ويبرود والزبداني.
وجمعت الزوايا بين الأرشيف المرتبط بسنوات الثورة ومواد تعرف بخصوصية كل منطقة، من العنب في داريا والزيتون في معضمية الشام إلى الرخام في قطنا والبساتين في الغوطة الشرقية والصناعات القديمة في النبك ويبرود.
داريا.. من المظاهرات إلى التهجير
تضمنت زاوية داريا مجسمًا لجامع أبي سليمان الداراني وتربة الشهداء، وصورًا أرشيفية توثق مراحل مرت بها المدينة، إلى جانب نسخ من العدد صفر لجريدة «عنب بلدي»، الصادر في 29 كانون الثاني 2012، والعنب الداراني وقوارير مياه وورود.
وقال عدنان صريم، أحد المسؤولين عن الزاوية، لعنب بلدي، إن القائمين عليها ركزوا على التوثيق البصري والتاريخي لمحطات الثورة في داريا، بدءًا من المظاهرات السلمية، ومرورًا بتأسيس الجيش السوري الحر ومجزرة داريا الكبرى، وصولًا إلى تهجير السكان في آب 2016.
وقال محمد دباس، أحد منظمي الجناح والمسؤولين عن زاوية داريا، إن المعروضات رتبت ضمن تسلسل يبدأ ببدايات الثورة ومجزرة داريا، ثم سنوات الحصار والجوع والقصف ومكتبة داريا السرية، وصولًا إلى صور التهجير والصلاة الأخيرة لمقاتلين من الجيش السوري الحر قبل خروجهم من المدينة.
وتحدث صريم عن الأرشيف الذي اعتمد عليه القائمون على الزاوية، وقال إنهم وثقوا 700 ضحية لمجزرة داريا الكبرى، بينهم 512 معروفو الهوية.
وأضاف أن معلومات وصلت إليهم بعد سقوط النظام ترفع تقديرات عدد ضحايا المجزرة إلى 1200 شخص، كما قدّر عدد ضحايا داريا خلال سنوات الثورة بنحو عشرة آلاف.
مساحة لا تتسع لتاريخ المدينة
رأى رئيس بلدية داريا، رائد عبيد، أن عرض هذا الأرشيف في معرض دمشق الدولي يتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى ما مرت به المدينة خلال السنوات الماضية.
وقال عبيد لعنب بلدي إن مشاركة داريا في المعرض تمنح سكانها شعورًا بأن الفعالية تمثل مدينتهم بصورة مختلفة عن المعارض التي كانت تقام في عهد النظام السابق.
لكن المساحة المتاحة لمدن ريف دمشق مجتمعة فرضت، وفق عبيد، اختصارًا كبيرًا لما يمكن عرضه عن داريا.
وأضاف أن تاريخ المدينة لا يقتصر على سنوات الثورة، وأن تقديم هويتها يحتاج أيضًا إلى مساحة للزراعة والعنب وصناعة الموبيليا وغيرها من المهن والمنتجات التي عرفت بها.
وقال محمد دباس إن مديرية التنمية في محافظة ريف دمشق نظمت الجناح للتعريف بمناطق المحافظة وإبراز هويتها المحلية.
وحضرت هذه الهوية من خلال رموز ومنتجات مرتبطة بكل منطقة، بينها العنب وعبارة «إخوة العنب والدم» في داريا، والزيتون في معضمية الشام، والرخام في قطنا، وبساتين الغوطة الشرقية، والصناعات القديمة في النبك ويبرود.
أدوات من سنوات الحصار في المعضمية
خصصت معضمية الشام جزءًا من زاويتها لأرشيف عن مجزرة الكيماوي، إلى جانب نسخ من جريدة «خاصرة دمشق»، التي قال مسؤول شؤون الشباب في المدينة، مصعب نتوف، إنها أول جريدة طبعت في المعضمية خلال الثورة عام 2013.
وعرضت الزاوية أيضًا طابعة قال المنظمون إنها استخدمت في طباعة الجريدة، إلى جانب أوانٍ وأدوات استعملها السكان خلال سنوات الثورة والحصار.
ومن بين المعروضات نموذج عن «الببور» الذي استخدمه الأهالي مع انقطاع الغاز والوقود.
وقال نتوف لعنب بلدي إن الجهاز كان يعمل بمادة أطلق عليها السكان اسم «الخلطة»، صنعوها من إذابة النايلون والبلاستيك في محاولة لإنتاج بديل عن المحروقات.
زوار أمام أحداث عاشوها
بين زوار زاوية داريا كان تحسين عبار، أحد الناجين من مجزرة داريا الكبرى، الذي وجد أمامه صورًا مأخوذة من مقاطع كان قد صورها بنفسه خلال دفن ضحايا المجزرة.
وقال عبار لعنب بلدي إن الصور المعروضة لا تنقل سوى جزء مما عايشه السكان خلال تلك الفترة.
وأضاف أن تعذُر التعرف إلى بعض الضحايا من ملامحهم دفع أقاربهم إلى محاولة تحديد هوياتهم من الملابس أو الوثائق الشخصية أو الأسنان.
ويرى عبار أن عرض هذه الصور والمواد يتيح للأجيال التي لم تعش المجزرة التعرف إلى ما جرى في المدينة.
ومن بين زوار الجناح أيضًا معروف يوسف، رئيس دائرة العلاقات الدولية والاتفاقيات في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، الذي قال لعنب بلدي إنه شارك في استقبال أهالي داريا المهجرين عند وصولهم إلى شمالي سوريا عام 2016.
ويرى يوسف أن تجربة المدينة خلال الحصار والتجويع والقصف تحتاج إلى أشكال متعددة من التوثيق، من الأفلام والتقارير إلى المقاطع القصيرة، حتى تصل إلى الأجيال التي لم تعش تلك المرحلة.
أحداث عرفوها من الهاتف
بالنسبة إلى زوار آخرين، لم ترتبط المواد المعروضة بذاكرة شخصية مباشرة.
حمزة الحسين، وهو من دير الزور، وآدم، وهو سوداني من مواليد ريف دمشق، يدرسان الإرشاد النفسي ويقيمان في قطنا، قالا لعنب بلدي إن الجناح أتاح لهما التعرف إلى جوانب من تاريخ مناطق ريف دمشق من خلال مواد مرتبطة بسكانها وتجاربهم.
وقال الحسين إن المضي نحو المستقبل لا يتعارض، من وجهة نظره، مع حفظ ما جرى وتعريف الأجيال القادمة به.
أما أحمد، الذي كان مغتربًا ولم يعايش الأحداث التي يوثقها الجناح، فقال إن معرفته بها كانت تقتصر على ما تابعه عبر الهاتف.
وأضاف لعنب بلدي أن مشاهدة الصور والأدوات والمواد الأرشيفية أتاحت له التعرف إلى تفاصيل إضافية عما جرى في مدن ريف دمشق.