منذ أكثر من 30 عامًا، ينقل عبد الغفور المصري (أبو علي) المياه بالصهريج إلى المنازل والأبنية في مدينة داريا، في عمل يزداد الطلب عليه خلال أشهر الصيف، مع ارتفاع استهلاك المياه وحاجة بعض الأسر إلى تعويض النقص في مياه الشبكة.
بدأ المصري العمل في نقل المياه عام 1994، وما يزال يقود جراره الذي يجر الصهريج، ويتولى تعبئته ونقل المياه وتفريغها في خزانات الزبائن.
ويأتي موسم عمله الحالي في وقت تشهد فيه داريا تقنينًا في ضخ مياه الشبكة، قالت وحدة المياه في المدينة إنه مرتبط بانخفاض منسوب المياه الجوفية وجفاف عدد من الآبار وخروجها عن الخدمة.
وقال سكان في عدد من أحياء داريا لعنب بلدي إنهم يلجؤون إلى شراء المياه بالصهاريج عند تأخر ضخ مياه الشبكة أو عدم كفاية الكميات التي يتمكنون من تخزينها.
الوجهة يحددها الطلب
لا يتبع أبو علي مسارًا ثابتًا خلال يومه، بل تتحدد وجهته بحسب الطلبات التي تصله من السكان أو أصحاب الأبنية التي تشهد أعمال بناء وإكساء.
ويعبئ الصهريج من منهل للمياه على طريق داريا- دمشق، ثم يتوجه إلى المنزل أو البناء المطلوب، ويمد الخرطوم إلى الخزان لتفريغ المياه.
ولا يشكل ارتفاع الأبنية عائقًا أمام عملية الضخ، كما يقول، إذ يعتمد على مضخة يشغلها الجرار، ويمكنه إيصال المياه إلى خزانات تقع في الطوابق الرابع والخامس والسادس.
ويعمل أبو علي بمفرده في معظم الأحيان، لكنه يستعين بعامل عندما يتطلب الوصول إلى الخزان مد الخرطوم لمسافة طويلة، بينما يساعده صاحب المنزل أحيانًا في هذه المهمة.
وخلال سنوات عمله، تغيرت طبيعة الأبنية التي ينقل المياه إليها، مع انتشار الأبنية متعددة الطوابق إلى جانب البيوت العربية، لكن استخدام المضخة أتاح له الاستمرار في تعبئة الخزانات مع ازدياد ارتفاع الأبنية.
30 عامًا بين حارات داريا
تحتاج قيادة الجرار والصهريج إلى خبرة تختلف عن قيادة السيارة العادية، بحسب أبو علي، ولا سيما عند الرجوع إلى الخلف، إذ تتحرك المقطورة بعكس اتجاه عجلة القيادة.
وقال لعنب بلدي إن العمل يحتاج إلى الهدوء والخبرة في القيادة، خصوصًا عند دخول الحارات الضيقة أو محاولة الاقتراب من المنزل المطلوب.
وأصبحت الحركة أسهل في بعض مناطق داريا بعد اتساع عدد من الطرق مقارنة بسنوات سابقة، وفق أبو علي، لكن السيارات المتوقفة في الحارات ما تزال تعوق وصول الصهريج أحيانًا.
وفي بعض الحالات، يضطر إلى إيقاف الجرار والصهريج في الطريق خلال تعبئة الخزان، وهي عملية تستغرق نحو عشر دقائق، ما يضطر السيارات الأخرى إلى الانتظار حتى انتهاء التفريغ.
كما تؤثر حالة بعض الطرق والمطبات في حركة الجرار وأجزائه الميكانيكية وإطاراته، بحسب المصري.
الصيف موسم الصهاريج
يزداد الطلب على المياه خلال فصل الصيف، ويعد أبو علي نحو أربعة أشهر من العام موسمًا لعمله.
أما في الشتاء، فتأتي الطلبات بدرجة أكبر من بعض المنازل والأبنية التي تشهد أعمال بناء وإكساء، بينما يزداد الطلب المنزلي على المياه خلال الصيف.
وتعني زيادة الطلب قضاء ساعات أطول على الجرار تحت حرارة الجو والمحرك والصاج، بحسب أبو علي.
ويتزامن موسم الصيف الحالي مع تقنين مياه الشبكة في المدينة.
وقالت مسؤولة وحدة المياه في داريا، ياسمين البسرك، لعنب بلدي، إن المدينة تشهد شحًا في الموارد المائية نتيجة انخفاض منسوب المياه الجوفية، ما أدى إلى جفاف نسبة من الآبار وخروجها عن الخدمة، وفرض تطبيق برنامج تقنين بهدف إيصال المياه إلى أكبر شريحة ممكنة من السكان.
وأضافت أن الوحدة تعمل على إصلاح الأعطال التي تؤثر في الضخ، ونفذت تمديدات لخطوط جديدة لتحسين كفاءة الشبكة، في وقت لا يتجاوز فيه عدد العاملين فيها خمسة موظفين.
الصهاريج عند تأخر مياه الشبكة
تختلف حاجة السكان إلى شراء مياه الصهاريج بين أحياء داريا، تبعًا لانتظام الضخ وضغط المياه والكمية التي تستطيع الأسر تخزينها.
وقال علاء الون، من سكان الشاميات، لعنب بلدي، إن أسرته تلجأ عند انقطاع المياه إلى شراء صهريج يكفي نحو عشرة براميل كل أربعة أيام، بكلفة تبلغ نحو 80 ألف ليرة سورية.
وفي ساحة القابوني، قال قتادة خولاني إن أسرته تشتري صهريجًا أسبوعيًا، بكلفة تصل إلى 120 ألف ليرة للخزان المرتفع، في ظل عدم انتظام مواعيد وصول المياه.
ولا ترتبط المشكلة بانقطاع الضخ وحده، إذ قال سكان آخرون إن ضعف الضغط يمنع المياه أحيانًا من الوصول إلى خزانات الأبنية من دون تشغيل مضخات، ما يجعل تعبئتها مرتبطة أيضًا بتوفر الكهرباء أو مصدر بديل للطاقة.
وفي المقابل، تحدث سكان في مناطق أخرى عن وصول المياه يومين أسبوعيًا بصورة أكثر انتظامًا، مع استمرار مشكلة ضعف الضغط.
تراجع في الموارد المائية
يأتي واقع المياه في داريا ضمن تراجع أوسع في الموارد المائية في دمشق وريفها.
وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في آذار 2026، إن انخفاض الهطولات خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تراجع تدفق المياه من المصادر الرئيسية التي تغذي دمشق، وزيادة الاعتماد على المياه الجوفية في المدينة والمناطق الريفية المحيطة بها.
وفي ريف دمشق، قالت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، في 2026، إن موسم 2024-2025 شهد جفافًا شديدًا، وإن الهطولات في الغوطة الشرقية انخفضت بنحو 54% مقارنة بالمعدلات المعتادة، بالتزامن مع تراجع الموارد المائية وجفاف آبار في المنطقة.
منسوب الآبار انخفض
خلال جولاته اليومية، يلاحظ أبو علي تغيرًا في كمية المياه المتوفرة في الآبار التي يتعامل معها.
وقال لعنب بلدي إن منسوب المياه فيها انخفض، وإن التراجع أصبح أكثر وضوحًا خلال الشهرين أو الثلاثة الأخيرة، واصفًا كمية المياه في الآبار بأنها “خفت كثيرًا”.
وفي الوقت نفسه، يرى أن وضع المياه خلال العام الحالي أفضل مقارنة بالعام الماضي.
ولا تتوفر قياسات منشورة للآبار التي يعبئ منها المصري تسمح بتحديد مقدار التراجع الذي يتحدث عنه، بينما قالت وحدة مياه داريا إن انخفاض منسوب المياه الجوفية أدى إلى جفاف عدد من الآبار وخروجها عن الخدمة.
وبين طلبات المنازل والأبنية التي تشهد أعمال بناء وإكساء، يواصل أبو علي نقل المياه داخل داريا بعد أكثر من ثلاثة عقود على بدء عمله في هذه المهنة، فيما يتغير حجم الطلب بحسب انتظام وصول مياه الشبكة وحاجة السكان إلى مصادر بديلة.