جمعت جلسة حوارية في مدينة داريا ممثلين عن الحكومة السورية وذوي ضحايا وناجين من انتهاكات حقوق الإنسان ومنظمات مجتمع مدني وحقوقيين، في نقاش مفتوح حول مسارات العدالة الانتقالية وجبر الضرر، وكيفية إشراك المجتمعات المحلية في المرحلة المقبلة.
وعقدت الجلسة في المركز الثقافي بمدينة داريا، الثلاثاء 24 حزيران، بتنظيم من منظمة “هارموني غلوبال”، بحضور نحو 50 مشاركًا، بينهم ممثلون عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهيئة العدالة الانتقالية، وعضو مجلس الشعب مؤيد حبيب، إلى جانب محامين وناشطين وممثلين عن منظمات المجتمع المدني وأهالي ضحايا من داريا وضيوف من خارجها.
وتناولت الجلسة ملفات العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، والحماية الاجتماعية، وكشف الحقيقة، والمحاسبة، ودور مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني في الاستجابة لاحتياجات المتضررين.
وعلى هامش الجلسة، التقت عنب بلدي عددًا من المشاركين من ممثلي الحكومة والمنظمات المدنية وذوي الضحايا والحقوقيين، الذين أجمعوا على أهمية فتح قنوات حوار مباشرة بين الدولة والمجتمعات المحلية، مع اختلاف وجهات النظر حول أولويات المرحلة المقبلة وسرعة تنفيذها.
حوار مباشر بين الحكومة والمجتمع المحلي
فراس حمدوني، مدير البرامج في معهد DT وعضو مجلس إدارة “هارموني غلوبال”، قال إن الجلسة هدفت إلى خلق مساحة حوار مباشرة بين ممثلين عن الحكومة السورية والمجتمع المحلي في داريا.
وأوضح لعنب بلدي أن اللقاء جمع ممثلين عن وزارات وهيئات وطنية مع ناجين وناجيات وذوي ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، ليعرض المجتمع المحلي احتياجاته وتوقعاته بصورة مباشرة، وفي المقابل يقدم المسؤولون الحكوميون توضيحات حول الخطط الجاري العمل عليها.
وأضاف أن الجلسة “لا تحل المشكلات فورًا، لكنها تتيح للمسؤولين سماع الناس مباشرة، كما تمنح المجتمع المحلي فرصة لفهم ما تعمل عليه المؤسسات الحكومية”.
وأشار إلى أن التجربة ستتكرر في مناطق أخرى من ريف دمشق، موضحًا أن المشاركين جرى اختيارهم بالتنسيق مع منظمات مجتمع مدني تعمل مع الضحايا وذويهم، إضافة إلى قواعد بيانات نتجت عن أعمال الرصد والتوثيق خلال السنوات الماضية، نظرًا إلى أن المشروع لا يستطيع استهداف جميع أهالي داريا.

العدالة الانتقالية مسار لا مشروع
من جانبه، رأى معاون وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، بهجت حجار، أن ما يجري لا ينبغي النظر إليه بوصفه نشاطًا تنفذه منظمة، وإنما باعتباره جزءًا من مسار وطني طويل.
وأوضح لعنب بلدي أن نجاح العدالة الانتقالية يرتبط بالشراكة بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والمجتمع المحلي، مشيرًا إلى أن الحوار المباشر يمثل أحد عناصر هذا المسار.
وأضاف أن جبر الضرر لا يقتصر على التعويضات المالية، وإنما يشمل التعليم والصحة وفرص العمل والحماية الاجتماعية وكل ما يساعد المتضررين على استعادة حياتهم بصورة كريمة.
وأكد أن إشراك المجتمعات المحلية في تصميم برامج الحماية الاجتماعية يمثل جزءًا من العدالة نفسها، معتبرًا أن الدعم الذي تقدمه الدولة للمتضررين “مسؤولية وليس منّة”.

الهيئة: بدأنا خطوات عملية
بدوره، أوضح محمد نور عثمان، عضو مسار جبر الضرر في هيئة العدالة الانتقالية، أن الهيئة بدأت بالفعل العمل في عدد من مسارات العدالة الانتقالية، رغم تعقيد الملف السوري وحجم الانتهاكات التي شهدتها البلاد.
وقال لعنب بلدي إن الهيئة تعمل بالتوازي على مسارات كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، لافتًا إلى بدء التحقيق في عدد من المجازر الكبرى، مثل مجزرة الجورة في دير الزور، ومجزرة الحولة، والهجوم الكيماوي في الغوطة.
وأضاف أن محاكمات لبعض المتهمين بدأت بالفعل، في انتظار إقرار قانون العدالة الانتقالية الذي سيشكل الإطار القانوني للمحاسبة.
وأشار إلى أن الهيئة باشرت أيضًا إنشاء فروع لها في عدد من المحافظات، بينها ريف دمشق وحمص وحلب ودير الزور، لتكون أقرب إلى الضحايا، موضحًا أن سرعة العمل الحالية تبدو محدودة مقارنة بحجم الألم الذي يعيشه المتضررون، لكنها تعد متقدمة مقارنة بتجارب دول أخرى مرت بظروف مشابهة.
زوجات الشهداء: نريد أن نرى نتائج ملموسة
وخلال النقاشات، طرحت زوجات شهداء وذوو ضحايا أسئلة مباشرة حول جبر الضرر والخدمات التي تحتاجها الأسر المتضررة.
وقالت إسراء يحيى حمدوني، وهي زوجة أحد الشهداء من داريا، إن الجلسة ركزت على مفهوم العدالة الانتقالية وجبر الضرر وحقوق زوجات الشهداء وأبنائهم، معتبرة أن وجود ممثلين عن الحكومة أتاح فرصة لطرح الأسئلة مباشرة.
وأوضحت لعنب بلدي أنها تساءلت عن سبب عدم وصول أي دعم ملموس لعائلات الشهداء حتى الآن، مضيفة أن أولويات هذه الأسر تتمثل في التعليم والتأمين الصحي والمساعدة المادية التي تمكنها من تربية أبنائها، متسائلة عن موعد بدء انعكاس برامج جبر الضرر على حياتهم اليومية.

مطالب بقياس التقدم بالأرقام
ورأى المحامي والناشط الحقوقي محمد الراوي أن الجلسة كانت إيجابية، لكنه كان يتمنى مشاركة عدد أكبر من المسؤولين الحكوميين للإجابة عن الأسئلة التي طرحها الحضور.
وأوضح لعنب بلدي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مؤشرات واضحة يمكن قياسها، مثل عدد المنازل التي أعيد تأهيلها، وعدد الأسر التي استفادت من برامج جبر الضرر، وعدد الموظفين الذين عادوا إلى وظائفهم.
ودعا إلى رفع مخرجات هذه الجلسات إلى رئاسة الجمهورية والوزارات المعنية، وإلى نزول المسؤولين إلى المناطق المتضررة للاستماع مباشرة إلى السكان.
العدالة مدخل للسلم الأهلي
من جهته، اعتبر الإعلامي حسن البشش أن العدالة الانتقالية تبقى الملف الأكثر أهمية بالنسبة للضحايا وذويهم.
وقال لعنب بلدي إن الوصول إلى سلم أهلي حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون عدالة انتقالية، مشيرًا إلى أن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات تمثل خطوة أساسية في هذا المسار.
وأضاف أن السوريين لم يعودوا بحاجة إلى إثبات ما تعرضوا له، بقدر حاجتهم إلى خطوات عملية تعزز الثقة بالدولة ومؤسساتها.
المجتمع المدني شريك في التنفيذ
بدورها، دعت تغريد مفرح، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة أصالة للتنمية، إلى تعزيز التنسيق بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني.
وقالت لعنب بلدي إن الجمعيات تحتاج إلى الاطلاع على الخطة الاستراتيجية للدولة حتى تتمكن من توجيه مشاريعها بما يتوافق مع الأولويات الوطنية، مؤكدة أن كثرة الاحتياجات تتطلب توزيع الأدوار بين المؤسسات وفق اختصاص كل منها، بما يحقق تنمية أكثر استدامة.
ورأت أن دور المجتمع المدني يجب أن يكون داعمًا ورديفًا للمؤسسات الحكومية، لا بديلاً عنها.

حوار يتجاوز داريا
ورغم اختلاف المداخلات، اتفق معظم المشاركين الذين التقتهم عنب بلدي على أن أهمية الجلسة لا تكمن فقط في الموضوعات التي نوقشت، وإنما في جمع مسؤولين حكوميين مع المتضررين في مساحة حوار مباشرة، بما يتيح تبادل الأسئلة والإجابات بعيدًا عن الوسائط.
كما أجمعوا على أن استمرار مثل هذه اللقاءات في مناطق أخرى قد يسهم في بناء فهم مشترك لأولويات العدالة الانتقالية، ويقرب وجهات النظر بين المؤسسات الرسمية والمجتمعات المحلية، مع التأكيد على أن نجاح هذا المسار سيقاس في النهاية بما ينعكس على حياة المتضررين على أرض الواقع.
