في داريا، لا تُختصر الحكايات بالأسماء ولا بالخرائط وحدها. بعض الأمكنة تتحول إلى ذاكرة عمل: مساحة صغيرة تلتقط لحظة تاريخية، ثم تظل قائمة في الوعي، حتى بعد أن تتبدل الجغرافيا ويغيب الناس.
حارة الشربجي، بالقرب من المركز الثقافي في داريا، واحدة من هذه الأمكنة. ليست عنوانًا عاديًا في مدينة عرفت الاحتجاج والحصار والقصف، بل مكان ارتبط ببدايات «عنب بلدي» كفكرة وممارسة، قبل أن يرتبط لاحقًا بفقد شخصي وجماعي ثقيل.
جريدة تحت المراقبة.. إدارة الضوء أولًا
في السياق السوري عامي 2011–2012، كانت فكرة إصدار صحيفة مستقلة في مدينة مثل داريا أقرب إلى مخاطرة قد تكون باهظة العواقب، فالمخابرات الجوية تستقر على بعد مئات الأمتار، ودورياتها تمشط المدينة ليلًا ونهارًا.
في كانون الأول 2011، أسست مجموعة مؤلفة من 25 ناشطًا وناشطة جريدة عنب بلدي، وقد مثلوا طيفًا من عائلات داريا.
عُقدت الاجتماعات افتراضيًا عبر مجموعات فيسبوك، وعلى الأرض في منازل متباعدة داخل المدينة، على شكل مجموعات صغيرة ضمت في كل مرة 3 إلى 5 مؤسسين على الأكثر.
في أقل من شهرين، أصبح كل شيء جاهزًا: التصميم، والمحتوى، إضافة إلى فريق من المراسلين والمحررين.
جرى تحديد موعد إطلاق “العدد صفر” من الجريدة يوم الأحد 29 كانون الثاني 2012، بالاعتماد على وسائل منزلية، وخطة توزيع مبدئية داخل داريا وبعض أحياء العاصمة دمشق.
لكن الولادة الفعلية لا بد أن تكون على الورق، والتفاصيل الصغيرة هي التي تصنع النجاة في مدينة تحت المراقبة.. أين نطبع وكيف؟
تم اختيار الموقع: منزل غير مسكون داخل حارة الشربجي. أُحكمت الأبواب، وأُغلقت شبابيك الغرف الداخلية بورق معتم لمنع تسرب الضوء. وفي اليوم التالي، نُقلت إليه رزم الورق، ثم أُدخلت ليلًا طابعة وناسخة قياس A3 ووضعت في الغرفة الأبعد عن مدخل الحارة.
هذه ليست صورة “مشهد سينمائي”، بل جزء من هندسة السرّية نفسها: أن تتحكم بالضوء كي لا تترك أثرًا.
“انكشاف أمرنا ليس خطرًا على الجريدة فقط، بل على سكان الحارة كلها”، يقول أحد المؤسسين.
في ظروف كهذه، لا تصبح الطابعة جهازًا مكتبيًا، بل قلب سلسلة من المهام والأدوار الحذرة، فالعمل لم يكن أن “تطبع” فقط، بل أن:
• تطبع وتنسخ دون أن يراك أحد!
• وتجمع وتطوي دون أن يشعر بك أحد!
• ثم توزع دون أن يعرفك أحد!
تمت العملية.. وضعت النسخ داخل أكياس سوداء كتيمة، وسلمت في الصباح لمجموعة محدودة تتولى التوزيع لمجموعات أخرى.
في تلك المرحلة، كان فريق العمل يتعمد تقليل المعرفة داخل الدائرة نفسها، فليس الجميع يعرف مكان الطباعة ولا تفاصيلها، لأن المعرفة في بيئة الاعتقال قد تتحول إلى عبء يُنتزع تحت العنف.
عندما صارت الحارة “موقع جريمة”
مع اشتداد حملات التفتيش والاعتقالات داخل المدينة، نُقلت الطابعة من الحارة ثم أعيدت إليها أكثر من مرة، إلى أن جرى نقلها نهائيًا إلى منزل بعيد عن وسط داريا.
بعد أقل من عام، لم يعد المنزل مجرد مساحة لعمل سري. ففي 28 تشرين الثاني 2012، استُهدف بصاروخ من طائرة حربية، يُرجح أنه كان محمّلًا بمواد غازية “سامة”. وللمصادفة، سقط الصاروخ في الغرفة نفسها التي كانت تطبع فيها أعداد «عنب بلدي» الأولى.
وبعد يومين، عُثر في الموقع على جثامين الشهداء:
-
عبد الرحيم الشربجي (أبو مصعب): ناشط سلمي ومعتقل سابق.
-
مروان الشربجي (أبو إياس): مصور ميداني ومعتقل سابق.
-
محمد قريطم (أبو النور): أحد مؤسسي جريدة عنب بلدي وناشط بارز في الحراك السلمي بداريا.
لم تكن وفاة الشهداء نتيجة شظايا أو انهيار للجدران، بل بدت آثارها أقرب إلى اختناق بطيء. كانت أجسادهم في أوضاع تشير إلى محاولة يائسة للنجاة، فيما بقيت علامات أصابعهم واضحة على جدران المنزل، كأنهم كانوا يتحسسون الطريق في عتمة الغبار بحثًا عن هواء أو ماء، قبل أن يخفت كل شيء داخل بين ركام المنزل.
مركز داريا الإعلامي، وثق حينها لحظة دخول الحارة والعثور على الشهداء داخل المنزل بعد يومين من استهدافه، نضع رابطه هنا للتوثيق، ولا ننصح بمشاهدته لقسوته، كما لا ننصح بإعادة نشره مراعاة لمشاعر ذوي الشهداء.
من غرفة طباعة سرّية إلى “مقر رمزي”
بعد عام من سقوط النظام السوري في كانون الأول 2024، عاد هذا المنزل ليصبح “مكتبًا” أو “مقرًا رمزيًا” لعنب بلدي، ومعنى هذه العودة يتجاوز وظيفة المكان الحالية.
المكان هنا يعيد ترتيب الذاكرة بطريقة موجعة وواضحة، فمنه خرجت النسخ الأولى سرًا، وفيه وقع الاستهداف الذي خطف ثلاثة شهداء، وإليه تعود الجريدة لتعيد تعريف ذاتها كحكاية حية، لا كمجرد صحيفة أو مؤسسة إعلامية.
وهذا بالضبط ما يجعل اتخاذه مقرًا رمزيًا خطوة ذات معنى: افتخار بالمنشأ، واعتراف بأن الصحافة في داريا لم تكن مشروعًا فوق المجتمع، بل تجربة يومية خرجت من بيوت المدينة وأحيائها وروت حكايات ناسها.
شهداء فقدتهم الحارة
من أبناء هذه الحارة استشهد خلال السنوات الأولى من الثورة السورية كل من:
• عبد الرحيم محمود شربجي (بالقصف المباشر)
• مروان حامد شربجي (بالقصف المباشر)
• عبد الحكيم علي شربجي (في المعتقل)
• تميم عبد الرحيم شربجي (في المعتقل)
• جهاد علي شربجي (في المعتقل)
• إيناس عبد الحكيم شربجي (في المعتقل)