12 ساعة عمل وأجور لا تغطي المعيشة.. كيف تُحدد رواتب العمال في داريا؟

تتراوح أجور عمال في داريا، بحسب المهنة والخبرة، بين 300 و2500 ليرة سورية جديدة يوميًا، فيما تصل ساعات العمل في بعض المعامل والمحال والورش إلى 12 ساعة.

وأظهرت مقابلات أجرتها عنب بلدي مع عمال وأصحاب أعمال في مجالات الخياطة والألبسة والنجارة وبيع اللحوم والمبيعات أن تحديد الأجر يرتبط أساسًا بالخبرة والإنتاج والالتزام وحركة السوق، بينما لا تدخل كلفة معيشة العامل أو مسؤوليته عن أسرة في حساب الراتب لدى معظم أصحاب العمل.

وفي المقابل، يقيس العمال أجورهم بما تستطيع تغطيته من مواصلات وإيجار وطعام ونفقات أسرية، ويقول بعضهم إن العمل الإضافي أصبح ضرورة لا خيارًا.

وتحفظت عنب بلدي على أسماء العمال بناء على طلبهم، حفاظًا على خصوصيتهم.

ولمنع الالتباس بين المبالغ التي ذكرها المتحدثون بالعملتين القديمة والجديدة، وحّدت عنب بلدي الأرقام بالليرة السورية الجديدة، وفق طريقة الحساب المستخدمة في المقابلات، التي تعادل فيها كل ليرة جديدة 100 ليرة قديمة.

10 و12 ساعة عمل

قال عمال شبان لعنب بلدي إن الدوام في بعض المعامل والمحال يمتد بين عشر و12 ساعة يوميًا، مع يوم عطلة واحد أسبوعيًا في بعض أماكن العمل، بينما يعمل آخرون من دون عطلة ثابتة.

وتتراوح الأجور الشهرية التي ذكرها العمال بين 100 و150 دولارًا أمريكيًا، وقد تصل إلى 250 دولارًا في بعض الأعمال، بحسب طبيعة العمل والخبرة وصاحب المنشأة.

ويعمل أحد الشبان في معمل خياطة بداريا بين عشر و12 ساعة يوميًا، مع استراحة لا تتجاوز نصف ساعة تشمل الطعام والصلاة.

وقال إن راتب العامل صاحب الخبرة قد يصل إلى 150 دولارًا شهريًا، لكنه يُدفع بالليرة السورية الجديدة على أساس 100 ليرة للدولار، بينما قدر سعره في السوق وقت المقابلة بما يتراوح بين 130 و140 ليرة جديدة.

وبحسب العامل، يبلغ أجر ساعة العمل العادية 40 ليرة جديدة، في حين تُحتسب ساعة العمل الإضافية بنصف أجر الساعة العادية، كما يخصم من راتبه عند التأخر عن الدوام.

وقال شاب يعمل مسؤول مبيعات في أحد معامل داريا إن الأجور المتاحة في قطاعات مختلفة لا تتناسب، برأيه، مع ساعات العمل والجهد أو تكاليف المعيشة.

وأضاف أن بعض العمال لم يعد بإمكانهم الاعتماد على عمل واحد لتغطية الإيجار والمصاريف اليومية ونفقات الأسرة.

عروض أقل للنساء

تحدثت عاملة في مجال المحاسبة عن تفاوت آخر واجهته خلال البحث عن عمل.

وقالت لعنب بلدي إنها تلقت عروضًا بأجور أقل من تلك المعروضة على الرجال، وإن عبارة «أجر المرأة أقل من أجر الرجل» تكررت أمامها في أكثر من مكان.

وبحسب تجربتها، تبدأ بعض الأجور المعروضة على الفتيات من نحو 2000 ليرة جديدة أسبوعيًا، ما يدفع العاملات إلى تقليص المصاريف غير الأساسية، خصوصًا لدى من يساهمن في نفقات المنزل.

ولا تستطيع الشابة البحث عن عمل إضافي بسبب طول ساعات دوامها، بخلاف عمال آخرين يلجؤون إلى مصدر دخل ثانٍ.

وقال عمار معتوق، صاحب محال ألبسة في داريا، إن العامل يبدأ في محاله بفترة تدريب تمتد بين عشرة أيام وأسبوعين، ويتقاضى خلالها نحو 2000 ليرة جديدة أسبوعيًا.

وبعد فترة التدريب، يحدد الأجر بحسب الخبرة والالتزام والقدرة على التعامل مع الزبائن، وقد يصل إلى 5000 ليرة أسبوعيًا، إضافة إلى حوافز أو نسبة من المبيعات في بعض المواسم.

وتعمل الفتيات في محاله ثماني ساعات يوميًا، مقابل 12 ساعة للشبان، الذين يتقاضون أجرًا أعلى. وعزا معتوق الفارق إلى ساعات العمل الإضافية والمهام التي يتحملها الشبان داخل المحل.

الخبرة تحدد اليومية

يتكرر معيار الخبرة في المهن التي رصدتها عنب بلدي.

وقال يامن العزب، صاحب محل في داريا، إن اليومية في بعض الورش تبدأ من 1000 إلى 1500 ليرة جديدة للعامل قليل الخبرة، وترتفع إلى ما بين 2000 و2500 ليرة للعامل المتمرس.

ويرى بعض أصحاب الورش، بحسب العزب، أن الأجر المنخفض في البداية جزء من فترة تعلم المهنة، إذ يتلقى العامل راتبًا خلال التدريب قبل أن ترتفع قيمته مع اكتساب الخبرة.

وقال العزب إن دخلًا يبلغ 1000 ليرة يوميًا، أو حتى عشرة آلاف ليرة أسبوعيًا، لا يكفي عاملًا متزوجًا ومسؤولًا عن أسرة، لكنه أشار إلى أن الأجر في المراحل الأولى يرتبط بمستوى مهارة العامل لا بحاجاته المعيشية.

وفي ورش الخياطة، قال محمود الشربجي، صاحب ورشة، إن الرواتب الشهرية تتراوح بين 20 و35 ألف ليرة جديدة، وقد تصل إلى 40 ألفًا للعامل الماهر على ماكينة الخياطة.

وتعتمد بعض الورش أيضًا على المحاسبة بعدد القطع التي ينجزها العامل.

وقال الشربجي إن الوضع الاجتماعي للعامل لا يدخل عادة في تحديد راتبه، وقد يحصل عامل أصغر سنًا على أجر أعلى إذا كان أكثر خبرة من عامل أكبر منه.

وفي معمل خياطة آخر، قال أيمن دقو إن الأجر الأسبوعي يبدأ من نحو 2000 ليرة جديدة للعامل المبتدئ، وقد يصل إلى عشرة آلاف للعامل المحترف، بحسب سرعة الإنجاز وحجم الإنتاج.

ولا يدخل الوضع الاجتماعي للعامل أو مسؤوليته عن أسرة، وفق دقو، في تحديد الراتب.

من النجارة إلى محال اللحوم

في ورش النجارة، قال محمد جمال دقو إن العامل الماهر يتقاضى بين 1000 و1500 ليرة جديدة يوميًا، بينما تتراوح يومية العامل متوسط الخبرة بين 750 و1000 ليرة.

ولا يمثل الوضع الاجتماعي معيارًا ثابتًا للأجر، لكن بعض أصحاب العمل قد يرفعون المبلغ قليلًا لعامل متزوج أو يدفع إيجار منزل.

وتعمل بعض الورش بنظام القطعة أو بتقاسم الإيراد بين صاحب المحل والعامل، بحسب دقو.

أما في محال بيع اللحوم، فقال وليد حمادة إن أجرة العامل الذي يتراوح عمره بين 15 و20 عامًا تبدأ من 300 ليرة جديدة ولا تتجاوز 500 ليرة يوميًا.

وتحدد الخبرة قيمة الأجر بالدرجة الأولى، مع إمكانية مراعاة عامل أكبر سنًا أو مسؤول عن أسرة في بعض الحالات.

السوق يحدد سقف الأجر

قال أصحاب أعمال لعنب بلدي إن قدرتهم على رفع الرواتب مرتبطة بحركة السوق والمبيعات.

وأوضح عمار معتوق أن ضعف السيولة وارتفاع تكاليف المعيشة جعلا شراء الملابس أقل أولوية لدى كثير من الأسر، ولم تعد التخفيضات كافية دائمًا لتحريك السوق.

ويرى أن صاحب المحل يحاول الموازنة بين أجور العمال وتكاليف التشغيل والإيرادات، خصوصًا في الفترات التي تضعف فيها المبيعات.

وقدم فادي معتوق، صاحب محال ألبسة، تقديرات متقاربة، إذ قال إن الأجر الأسبوعي يتراوح بين 3000 و6000 ليرة جديدة، بينما يبدأ بعض العمال قليل الخبرة بنحو 2000 أو 2500 ليرة.

وقد يحصل العامل الذي يمتلك خبرة تمتد إلى خمس أو ست سنوات على نحو 6000 ليرة أسبوعيًا.

ووصف معتوق هذه الأجور بأنها متوسطة أو دون المتوسطة مقارنة بتكاليف المعيشة، لكنه قال إن زيادة الرواتب ترتبط بتحسن حركة السوق.

ويرى محمد جمال دقو أن أصحاب العمل سيدفعون أجورًا أعلى إذا تحسنت قدرتهم المالية.

وقال إنه يدفع نحو 100 دولار شهريًا إيجارًا لمحله، ولا يستطيع أحيانًا تحصيل المبلغ بسهولة، ما يجعل ضعف السوق يؤثر في صاحب العمل والعامل معًا.

وفي محال اللحوم، قال وليد حمادة إن اليومية ترتفع أو تنخفض بحسب حجم العمل، وإن نشاط السوق يسمح لصاحب المنشأة بدفع أجر أعلى.

الأجر لا يواكب الإيجار

رغم اختلاف المهن ومستويات الخبرة، اتفق عمال وأصحاب أعمال تحدثوا إلى عنب بلدي على أن الأجور المتاحة لا تغطي بسهولة تكاليف المعيشة.

وقدر محمود الشربجي إيجار المنزل في داريا بما يتراوح بين 200 و250 دولارًا شهريًا، معتبرًا أن العامل قد لا يستطيع تغطيته من راتبه، فضلًا عن الطعام والمواصلات ونفقات الأسرة.

وقال فادي معتوق إن الأجر المتاح في السوق لا يوفر للعامل مستوى معيشة مناسبًا، رغم صعوبة رفعه في ظل ضعف المبيعات.

أما وليد حمادة، فقدر حاجة أسرة صغيرة إلى نحو 200 دولار شهريًا للطعام والشراب فقط، من دون الإيجار أو العلاج أو النفقات الأخرى.

وبحسب شهادات العمال وأصحاب العمل، يرتفع الأجر عادة مع زيادة الخبرة والإنتاج أو تحسن حركة السوق، لا مع ارتفاع نفقات العامل أو مسؤوليته عن أسرة، حتى في الحالات التي يقر فيها أصحاب العمل بأن الراتب الحالي لا يكفي لتغطية هذه النفقات.

مقالات ذات صلة

من الأكاديمية إلى الدوري.. نادي داريا يجهز فئاته للمنافسة والملعب ينتظر التمويل

«جنة داريا» تفتح أبوابها.. مساحة خضراء جديدة في حارة المسيحية بداريا

بعد أشهر من حذف الصفرين.. الناس في داريا يسعرون بالليرة القديمة ويدفعون بالجديدة