تتنقل أسر في داريا بين أطباء ومراكز داخل المدينة وخارجها بحثًا عن تشخيص واضح وخطة تعليم وتأهيل لأطفال يحتاجون إلى دعم نمائي وتعليمي، لكن الوصول إلى التشخيص ليس سوى بداية لمسار قد يمتد سنوات.
فبعد التقييم، تواجه الأسر كلفة الجلسات والمواصلات، واحتمال خسارة الطفل جزءًا من تقدمه إذا انقطعت المتابعة، ثم صعوبة العثور على مدرسة قادرة على دمجه.
ومع تقدم الأطفال في العمر، تظهر حاجة أخرى إلى مراكز تساعدهم على تطوير مهارات مهنية يمكن الاستفادة منها في حياتهم.
وتستقبل مراكز في داريا أطفالًا لديهم حالات تشمل طيف التوحد والتأخر النمائي وصعوبات التعلم والنطق ومتلازمة داون وفرط النشاط والمشكلات السلوكية، بينما تظهر شهادات أمهات تحدثن إلى عنب بلدي أن رحلة بعض الأسر تبدأ أصلًا بتقييمات مختلفة للحالة نفسها.
من التوحد إلى صعوبات التعلم
لاحظت بشرى العبار أن ابنتها تتأخر عن أخواتها في الحركة والاستيعاب منذ أن كان عمرها عامًا واحدًا، لكن رحلة التقييم بدأت بصورة فعلية عندما بلغت الثالثة، بعدما رفضت دخول روضة عمر بن الخطاب، فطلبت المشرفة من والدتها عرضها على مختص.
تابعت الطفلة لمدة عامين لدى الطبيب، الذي وضع حالتها، بحسب والدتها، ضمن طيف التوحد.
وبعد ذلك تنقلت بين مركز الباسل وروضة الياسمين، وخضعت لتقييمين في مركز بجرمانا وآخر في منطقة الجسر الأبيض، خلصا إلى وجود صعوبات تعلم، في حين صنف تقييم صادر عن مديرية الصحة حالتها ضمن ما ورد في التقرير باسم «التخلف العقلي».
وكانت هذه التقييمات موثقة بتقارير مكتوبة، وفق بشرى، لكن اختلافها ترك الأسرة أمام أكثر من توصيف للحالة نفسها.
وبعد عودة العائلة إلى داريا عام 2019، عرضت بشرى ابنتها على اختصاصي أعصاب الأطفال محمد أيمن شريط، الذي قيّم حالتها على أنها صعوبات تعلم وليست توحدًا، وهو التقييم الذي اقتنعت به الأم واستمرت في التعامل مع حالة ابنتها على أساسه.
وتكررت الحيرة لدى آيات خولاني، التي لاحظت تأخر ابنها عندما كان عمره نحو عامين ونصف، إذ تأخر في الزحف والجلوس والمشي والاستيعاب، وكان تأخر الكلام أكثر ما لفت انتباهها.
راجعت آيات خمسة أو ستة أطباء خارج داريا، لكنها تقول إنها لم تحصل على تفسير واضح لحالته. ووضع طبيب نطق حالته ضمن طيف التوحد، قبل أن يتلقى في مركز تربوي وتأهيلي بقرى الأسد تقييمًا آخر وضعها ضمن التأخر العقلي.
وعلى خلاف بشرى، لم تحصل آيات على تقرير مكتوب، وتقول إنها لم تعرف سبب عدم تزويدها بتشخيص موثق رغم تعدد الجهات التي راجعتها.
التشخيص لا يقوم على الملاحظة وحدها
يوضح الطبيب النفسي المتخصص في علاج الأطفال والمراهقين، ملهم الحراكي، أن صعوبات التعلم والتأخر النمائي وطيف التوحد وفرط النشاط والمشكلات السلوكية حالات مختلفة، ولا يمكن التعامل مع مسمياتها بوصفها بدائل عن بعضها.
وقال لعنب بلدي إن صعوبات التعلم تظهر في مهارة محددة أو أكثر، مثل القراءة أو الكتابة أو الحساب، من دون وجود مشكلة عامة في الذكاء، بينما يرتبط التأخر النمائي بتأخر أوسع في تطور قدرات الطفل.
أما طيف التوحد، فتتركز إحدى سماته الأساسية في التواصل والتفاعل، مع اختلاف كبير في الدرجة والاحتياجات بين طفل وآخر، في حين يرتبط فرط النشاط عادة بقصور الانتباه أو الاندفاعية، ويمكن أن يترافق مع حالات أخرى.
ولا يفترض، بحسب الحراكي، أن يبنى التشخيص على الملاحظة وحدها، بل على تقييم متخصص قد يشارك فيه طبيب نفسي للأطفال أو اختصاصي نمو أو تعديل سلوك، إلى جانب اختصاصيي النطق وصعوبات التعلم والقياس النفسي وفق حاجة الطفل.
وتبدأ الخطة بتقييم نوعي وكمي باستخدام المقاييس المناسبة للحالة، ثم تحدد احتياجات الطفل، وقد تتضمن علاجًا دوائيًا في بعض الحالات، لكنها تعتمد أساسًا على خطة تأهيل فردية، أو خطة تجمع بين التأهيل والدمج.
الخطة بحسب مهارات الطفل
في داريا، تستقبل روضة أمل الطفولة أطفالًا لديهم طيف التوحد والتأخر وصعوبات التعلم والنطق ومتلازمة داون، إضافة إلى أطفال يحتاجون إلى تعديل السلوك، وفق مديرتها ميساء حسن الشياح.
وتخضع حالة الطفل للتقييم قبل تحديد خطة خاصة به، قد تشمل النطق وصعوبات التعلم والتواصل الاجتماعي والبصري والسلوك والحركة. ويمكن لبعض الأطفال، بعد إحراز تقدم، الانتقال إلى مدرسة نظامية إذا أصبحت قدراتهم تسمح بذلك.
وتتابع جمعية الأُنس نحو 25 طفلًا، بحسب مديرتها رزان الحموي، وتبدأ عملية التقييم فيها بمقابلة الأسرة ودراسة الوضع الصحي والأسري للطفل، ثم تحديد خطة بناء على مهاراته الفعلية وليس عمره وحده.
وقالت الحموي إن المتابعة تركز على تنمية المهارات، وإن برنامج «بورتيدج» المستخدم في التدخل المبكر يمثل إحدى الأدوات ولا يكفي بمفرده لتغطية احتياجات جميع الأطفال.
وبينما ترى الحموي أن الظروف الأسرية والاجتماعية يمكن أن تؤثر في تطور الطفل، يميز الحراكي بين أسباب الحالة والعوامل التي قد تؤثر فيها، موضحًا أن قلة الاختلاط أو الاستخدام المفرط للشاشات والظروف الأسرية قد تعيق التحسن أو تزيد بعض الصعوبات، لكنها لا ينبغي أن تعامل تلقائيًا بوصفها سببًا للحالة.
الانقطاع يعيد الأسرة خطوات إلى الخلف
بعد العثور على مركز مناسب، يصبح استمرار المتابعة تحديًا آخر.
لاحظت آيات تحسنًا في حالة ابنها خلال نحو عام ونصف من المتابعة في مركز تربوي وتأهيلي.
وبلغت كلفة المركز، وفق تقديرها قبل نحو أربع سنوات، قرابة 200 ألف ليرة سورية، بينما تعتقد أن الحصول على المستوى نفسه من الخدمة حاليًا قد يحتاج إلى نحو أربعة ملايين ليرة شهريًا أو أكثر.
وبعد عودة الأسرة إلى داريا، سجلت ابنها في جمعية الأنس ولاحظت استفادته، لكن المتابعة توقفت لاحقًا.
وانتقلت الأسرة بعدها إلى جلسات فردية كانت تكلف في البداية نحو 100 ألف ليرة مقابل قرابة عشر جلسات شهريًا، ثم ارتفعت إلى نحو 300 ألف، مع احتساب جلسات التقييم بصورة منفصلة.
وبعد نحو عام ونصف من المتابعة، انقطع الطفل قرابة ثمانية أشهر قبل انتقاله إلى مركز آخر. وخلال هذه الفترة، لاحظت والدته تراجعًا في حالته وازدياد ضيقه.
وتقول الحموي إن الانقطاع الطويل قد يؤدي إلى فقدان الطفل جزءًا من المهارات التي اكتسبها، بينما يؤكد الحراكي أهمية استمرارية عملية التأهيل، خصوصًا في الأعمار المبكرة.
ويتابع ابن آيات، البالغ حاليًا 11 عامًا، في مركز بالمعضمية، حيث يحصل مجانًا على جلستين أسبوعيًا مدة كل منهما ساعة.
وبدأ تعلم الأحرف وكتابة الكلمات وتهجئتها، لكنه ما يزال يواجه صعوبة في القراءة.
المدرسة ليست جاهزة دائمًا للدمج
لا تنتهي رحلة الأسرة عندما يتحسن الطفل بما يسمح بمحاولة إدخاله إلى المدرسة، إذ يتطلب الدمج، بحسب مختصين وأسر، أكثر من مجرد وضع الطفل في صف نظامي.
تروي ميساء حالة طفلة أظهر تقييمها حاجتها إلى تعديل سلوك، لكن والدها رفض وضعها في صف مخصص للدعم وأصر على إلحاقها بصف عادي، قبل أن يخرجها من الروضة في منتصف العام تقريبًا.
وفي روضة أمل الطفولة، تبقى الصفوف المخصصة للأطفال الذين يحتاجون إلى دعم منفصلة عن الصفوف النظامية، مع مشاركتهم أحيانًا في الأنشطة المشتركة. وتقول ميساء إن الإدارة تحاول تعريف بقية الأطفال إلى زملائهم وتشجيعهم على مساعدتهم.
وترى رزان الحموي أن بعض المدارس قد تتعامل مع سلوك الطفل على أنه عناد أو شغب أو فرط حركة من دون البحث في حاجته إلى تقييم متخصص، ما قد ينتهي بإهماله داخل الصف أو إعادته إلى المنزل.
وخاضت ابنة بشرى تجربة التعليم في مدرسة دمج وأخرى خاصة، كما أمضت ثلاث سنوات في المدرسة العاشرة.
لكن الأطفال ذوي الحالات المشابهة كانوا، بحسب والدتها، يجلسون في المقاعد الأخيرة ويمضون جزءًا من وقتهم في الرسم والتلوين، بدل الحصول على تعليم يتناسب مع احتياجاتهم.
أما ابن آيات، فلم يدخل التعليم النظامي حتى الآن. وتقول والدته إنها تخشى تعرضه للتنمر في مدرسة عامة، بينما لا تسمح إمكانات الأسرة بتسجيله في مدرسة خاصة.
وبحسب الحراكي، لا يصلح قرار واحد لجميع الأطفال، بل ينبغي تقييم إمكانية الدمج بصورة فردية. كما يحتاج نجاحه إلى كادر مؤهل للتربية الخاصة وصفوف للدعم وعدد طلاب يسمح للمعلم بمتابعة الطفل، وهو ما يصبح أكثر صعوبة في صف يضم 30 أو 40 طالبًا ومعلمة واحدة من دون اختصاصيين.
ماذا بعد سن المدرسة؟
وصلت ابنة بشرى اليوم إلى سن 17 عامًا، وأصبحت قادرة، بحسب والدتها، على الإجابة بجمل متواصلة وسرد قصة والاعتماد على نفسها في أمورها الشخصية، لكن القراءة والحساب ما زالا يمثلان الصعوبة الأساسية لديها.
ومع تقدمها في العمر، بدأت والدتها تبحث عن مسار مختلف. فقد لاحظت اهتمام ابنتها بالخياطة والأعمال اليدوية، وسجلتها في دورات ساعدتها على تطوير هذه المهارات، لكن الوصول إلى المراكز الخاصة والاستمرار فيها اصطدما بالكلفة والمسافة.
وتقول بشرى إن أجرة المواصلات وحدها بلغت، قبل نحو خمس سنوات، 400 ألف ليرة، في وقت كان راتبها 338 ألفًا، ما جعل استمرار التنقل عبئًا يتجاوز قدرة الأسرة.
وتبحث اليوم عن مركز قريب وآمن يجمع بين التأهيل والتعليم المهني.
وتشير إلى وجود مركز صغير تديره رزان الحموي، لكنه لا يضم، بحسبها، مدربًا متخصصًا، بينما يقع مركز «خبرات» في المزة بعيدًا عن مكان سكنها.
وتواجه آيات السؤال نفسه مع ابنها، الذي تقول إنه يمتلك مهارة في صناعة أشكال من مواد مختلفة، لكنها لم تجد جهة تساعده على تطويرها بصورة منظمة.
وبالنسبة إلى الأسرتين، لم تعد الحاجة تقتصر على جلسة نطق أو برنامج تعليمي، بل تمتد إلى ما سيحدث بعد تقدم الطفل في العمر.