دفتر النقوط في داريا.. هدايا المناسبات تحفظ بالأسماء وترد بزيادة

سيدة من داريا تستعرض دفتر النقوط الذي تسجل فيه هدايا المناسبات - 12 آب 2026 (عنب بلدي - سعيد خشفة)

لا تكتب مفيدة العبار في دفتر النقوط تواريخ الأعراس والولادات والمناسبات التي حضرتها، ولا تحتاج إلى تفاصيل كثيرة. يكفيها اسم صاحبة المناسبة، وإلى جانبه المبلغ الذي قدمته، أو نوع الهدية وكميتها.

وحين تأتي مناسبة لدى واحدة من الأسماء المسجلة، تفتح العبار، البالغة 75 عامًا، الدفتر لتعرف ماذا تلقت منها، ثم ترد النقوط وتضيف إليه.

«بشوف وقت بصير عند الواحدة مناسبة، بقديش نقطتني، وبرجّع لها وبزود لها»، تقول لعنب بلدي.

ورافق النقوط مناسبات مختلفة في داريا، من الزواج والولادة إلى العودة من الحج والخدمة العسكرية، وزيارة المرضى ومن خضعوا لعمليات جراحية.

وتتذكر العبار أن المال والأغراض كانا يقدمان معًا منذ عقود، بينما تقول فاتن السقا، البالغة 55 عامًا، إن مؤونة البيت من رز وسكر وبرغل وطحين كانت حاضرة بقوة في أشكال النقوط القديمة.

ومع تغير احتياجات الأسر، دخلت الأواني والأجهزة المنزلية بصورة أكبر إلى الهدايا، لكن رد النقوط عند المناسبة التالية بقي عادة متداولة، وغالبًا ما ترافقه زيادة في القيمة.

دفتر يحفظ ما قدمه الناس

تحتفظ مفيدة العبار بدفتر تسجل فيه أسماء النساء اللواتي قدمن لها النقوط وما دفعته كل واحدة منهن.

ولا تسجل تاريخ المناسبة، بل تكتفي بالاسم والمبلغ. وقد تكتب إلى جانب الاسم خمس ليرات أو عشرًا أو ثلاث ورقات نقدية، وفق القيمة المستخدمة في ذلك الوقت.

أما إذا كانت الهدية من الأغراض، فتسجل نوعها وكميتها، حتى تعرف لاحقًا ما الذي تلقته من صاحبتها.

وتقول العبار إن الدفتر يساعدها على تجنب النسيان والخلط بين ما قدمه الناس في المناسبات المختلفة.

أما فاتن السقا فتتذكر أن حفظ النقوط قبل استخدام الدفاتر كان يعتمد على الذاكرة داخل الأسرة.

وتقول لعنب بلدي إن صاحبة المناسبة كانت تخبر بناتها أو نساء مقربات منها بما أحضرته كل زائرة، وتطلب منهن أن يذكرنها به عند الحاجة.

وتستعيد العبارة التي كانت الأم تقولها لابنتها: «فلانة جابت لي هيك، إذا أنا نسيت ذكريني».

وقد يعرف شخصان أو ثلاثة داخل الأسرة ما قدمته الزائرة، حتى لا يختلط الأمر عند حلول مناسبة جديدة.

وبعد انتشار الدفاتر، صار تسجيل الاسم ونوع الهدية أو قيمتها أسهل من الاعتماد على الذاكرة وحدها.

من مؤونة البيت إلى المال

تقول السقا إن الأشكال القديمة من النقوط اعتمدت بدرجة كبيرة على ما يتوفر في البيوت، مثل الرز والسكر والبرغل والطحين.

أما العبار، التي تعود ذاكرتها إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فتقول إن المال والأغراض كانا يقدمان معًا أيضًا.

وعند ولادة امرأة، تتذكر السقا أن الزائرات كن يحضرن لها ما تحتاج إليه من طعام أو ضيافة.

قد تأتي امرأة بالجوز، وأخرى بالسكر، وثالثة بالكعك أو الحليب.

وتقول السقا إن هذه المواد كانت تساعد المرأة على تأمين جزء من طعامها وما تقدمه لزوارها بعد الولادة.

وتتذكر العبار هدايا من نوع آخر في المناسبة نفسها، من بينها قطع اللحم التي قد تبلغ نحو نصف كيلوغرام، لتسلقها المرأة وتأكلها وتشرب مرقتها، إلى جانب الدجاج والسكر الناعم المستخدم في إعداد الكراوية.

أما في الأعراس، فتقول العبار إن الرز والسكر والبرغل والطحين والسمنة كانت من الهدايا العملية، لأنها تدخل مباشرة في تجهيز الوليمة.

وتتذكر أن الطعام في أعراس داريا كان يشمل الرز والفاصولياء والشاكرية، لذلك كانت أكياس المؤونة تساعد أهل العرس في التحضير للضيوف.

وقد يقدم بعض الأقارب أكياسًا كبيرة من الرز أو السكر وتنكات من السمنة، وفي بعض الحالات قد تصل الهدية إلى خروف.

أكياس تزن 50 كيلوغرامًا

تتحدث مفيدة العبار عن نقوط أكياس الرز أو السكر الذي يصل الواحد منها إلى 50 كيلوغرامًا.

وعندما زوّج والدها ابنه الأول، تقول إنه تلقى نحو عشرة أكياس كبيرة من الرز ومثلها تقريبًا من السكر.

وترتبط كثرة ما وصل إلى الأسرة، بحسب العبار، بما اعتاد والدها أن يقدمه للآخرين في مناسباتهم، فما كان يقدمه للناس يعود إليه عندما تقيم الأسرة مناسبة.

أما السقا فتقول إن الأقارب كانوا أكثر ميلًا إلى تقديم الرز والسكر والسمنة ومستلزمات العرس، بينما كان الأشخاص الأبعد يقدمون المال أو غرضًا للمنزل بصورة أكبر.

وتضيف أن نوع النقوط تغير مع احتياجات الأزواج اليوم.

فمن يتزوج ويبدأ حياته في منزل مستقل قد يتلقى طناجر وصحونًا وأوعية وصواني، بينما قد يقدم قريب مقتدر برادًا أو فرنًا للمساهمة في تجهيز البيت.

لا زيارة من دون هدية

تقول العبار إن النقوط لم يقتصر على الأعراس والولادات.

عندما يعود شخص من الحج، كانت النساء يزرن والدته للتهنئة ويقدمن لها النقوط، وكذلك عند انتهاء شاب من خدمته العسكرية، أو عند زيارة مريض أو شخص خضع لعملية جراحية.

وتقول إن الذهاب إلى منزل صاحب المناسبة بأيدٍ فارغة لم يكن مستحبًا، بل يحمل الزائر معه هدية مهما كانت بسيطة.

وتتذكر العبار أيضًا طريقة تقديم النقوط للعروس.

كانت المرأة تضع نقوطها داخل محرمة وتعطيها للعروس، فتملأ العروس المحرمة بكلتا يديها بالسكاكر والقضامة المغطاة بالسكر والشوكولاتة، ثم تعيدها إلى صاحبتها.

ومع ارتفاع أسعار السكاكر، تقول إن الكميات صغرت، وأصبحت توضع في أكياس صغيرة بحجم الكف، ثم ظهرت لاحقًا طريقة لفها بمحارم ملونة.

وتتذكر العبار أيضًا تغير ضيافة الحجاج، ففي طفولتها، كان التمر نادرًا في البيوت، ولم تكن أسرتها تتذوقه إلا عندما يعود قريب من الحج.

وكان الحاج يرسل إلى أقاربه سجادة صلاة ومسبحتين وقليلًا من الحناء وسبع أو ثماني تمرات، فيأكل كل فرد من أفراد الأسرة تمرة واحدة.

أما اليوم، فقد أصبح التمر متوفرًا في المنازل ولم يعد مرتبطًا بالحج كما كان في السابق.

«برجّع لها وبزود»

لا تعد العبار النقوط دينًا بالمعنى الحرفي، وتقول إن من قدم النقوط لا يحق له مطالبة الآخرين بما دفعه، لكن نسيان الرد قد يسبب عتبًا أو زعلًا.

وتوضح أن العادة جرت على رد النقوط بزيادة، لا بالقيمة نفسها، فإذا قدمت لها امرأة خمسة آلاف، قد تعيد إليها عشرة آلاف عندما تحين مناسبتها.

وتتذكر العبار أن قيمة النقوط في زمنها كانت غالبًا ليرتين أو ثلاثًا أو خمس ليرات، بينما كانت بعض العائلات الميسورة تقدم عشر ليرات.

وتقول إن عشر ليرات كانت تكفي حينها لشراء فستان أو غطاء للرأس.

أما السقا فتشير إلى معنى اجتماعي آخر للزيادة.

وتقول إن إعادة المبلغ نفسه قد تُفهم أحيانًا على أنها رغبة في إيقاف تبادل الزيارات والهدايا.

وتشرح ذلك بقولها: «إذا جبتي لي إياها 50 ألف، معناتها أنت عم تنهي موضوع الروحة والجية».

القريب ليس كالغريب

تقول السقا إن قيمة النقوط لم تكن متساوية بين الجميع. فما يقدمه الأخ أو الأخت أو العم أو الخال يختلف عادة عما يقدمه شخص أبعد، كما تختلف هدية الصديق المقرب عن هدية أحد المعارف.

وتصف السقا الأمر بأنه كان يحدد أحيانًا «حسب المقام»، تبعًا لدرجة القرابة والمحبة والوضع المادي.

وتشير إلى أن العائلات الميسورة كانت تتلقى النقوط أيضًا، وقد تكون الهدايا المتبادلة بينها أكبر قيمة، ما يعني أن العادة لم تكن مرتبطة بالحاجة فقط.

أما العبار فترى أن نوع المناسبة لا يغير قيمة النقوط بالضرورة.

فقد تقدم المرأة المبلغ نفسه في الزواج أو الولادة أو العودة من الحج أو الخدمة العسكرية، بينما تؤثر درجة القرابة والقدرة المالية أكثر في تحديد قيمة الهدية.

عادة مستمرة والهدايا تتغير

ما تزال العبار تستخدم دفتر النقوط حتى اليوم.

وتقول إن المبالغ المقدمة حاليًا قد تصل إلى 50 ألفًا أو 100 ألف، إلى جانب الكاسات والصحون والأوعية والجاطات وصواني الضيافة.

أما السقا فترى أن النقوط خف بين الأشخاص البعيدين، لكنه بقي حاضرًا بدرجة أكبر بين الأقارب والأصدقاء المقربين.

وتتذكر أنها ذهبت في أكثر من مناسبة إلى عرس وهي تحمل النقوط في جيبها، ثم عادت إلى منزلها واكتشفت أنها نسيت تقديمه.

عندها كانت تعود مرة ثانية لتسلمه لصاحبة المناسبة.

أما مفيدة العبار، فعندما تأتي مناسبة جديدة، تعود إلى دفترها: اسم، ومبلغ أو هدية، وما حان وقت رده إلى صاحبه مع زيادة.

صفحات من دفتر النقوط تتضمن أسماء أصحاب الهدايا وقيمة ما قدموه في المناسبات (عنب بلدي)

مقالات ذات صلة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

أطفال بلا تسجيل مدني في داريا.. حضور الصفوف لا يضمن وثيقة مدرسية

قرب وخدمات وعلاقات.. لماذا يستقر بعض أهالي كفرسوسة في داريا؟