لم يكن سوق عجم، أو حارة عجم، في بداياته سوى حارة سكنية هادئة مثل بقية أحياء داريا، حيث كانت تسود بساطة الحياة الريفية، ويعتمد السكان على أنفسهم في تأمين متطلبات حياتهم.
ومع حلول سبعينيات القرن الماضي، بدأت الملامح التجارية للحي تظهر تدريجيًا، إذ يرجع بعض أبناء السوق التأسيس الأول إلى تلك الفترة، وذلك مع افتتاح ثلاثة محال رئيسية للأقمشة هي “عجم” و”المطعون” و”السويد”.
وكانت هذه المحال مقصدًا لأهالي داريا، لكن الحي لم يبدأ بالتحول إلى مقصد تجاري بالمعنى الواسع حتى النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي.
ومع بداية تسعينيات القرن الماضي، تحول المكان إلى مركز تجاري رئيسي لمدينة داريا، ثم صار مقصدًا لجزء من الغوطة الغربية، ولمن يبحث عن الجودة والأسعار المنافسة.
ويستند هذا التقرير إلى مقابلات أجرتها عنب بلدي مع تجار وأبناء عائلات ارتبطت بتاريخ سوق عجم، ممن عاصروا مراحله المختلفة وشارك بعضهم في نشاطه التجاري منذ الثمانينيات، إلى جانب صور ومواد أرشيفية توثق جوانب من تطور السوق والحياة المحيطة به.
الموقع الجغرافي وأصل التسمية
في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كان سوق عجم يمتد من بيت عائلة “قصاص” شمالًا إلى بيت عائلة “سيد سليمان” جنوبًا، أي إلى منطقة “مقسم الهاتف” القديم عند مدخل حارة اتحاد شبيبة الثورة، وفق ما يشير إليه مأمون قصاص (أبو حسام)، وهو أحد أوائل الذين افتتحوا محلات للألبسة الجاهزة في السوق، في بدايات الثمانينيات.
وفيما بعد، شكّل السوق حلقة وصل حيوية بين الحارة المؤدية إلى جامع المنبر، والحارة المؤدية إلى جامع العباس غربًا، وجامع طه شرقًا، حيث افتتحت محلات تجارية في تلك الحارات أيضًا.
أما تسمية السوق، فتعود في الأصل إلى عائلة “عجم”، وهي إحدى العائلات التي كانت تسكن في تلك الحارة.
ويجمع الرواة، ومنهم مأمون قصاص ومحمود المطعون، على أن علي عجم أبو عمر، المعروف بـلقب “أبو ياسين”، كان صاحب أول محل خضروات في ذلك الحي أو في داريا.
ومع الوقت، اعتاد الناس قول: “نحن ذاهبون لعند عجم” أو “مررت من حارة عجم”، حتى أصبح الاسم علامة للمكان.
خريطة توضح موقع سوق عجم في داريا (Google Earth)
التحول العمراني وبداية الألبسة الجاهزة
قبل الثمانينيات من القرن الماضي، افتُتحت ثلاثة محال للأقمشة في تلك الحارة، تعود ملكيتها إلى عائلات “عجم” و”السويد” و”المطعون”.
وكان النمط العمراني للحارة، حين بدأت المحال تظهر، يتضمن محال في الطابق الأرضي وشققًا سكنية في الطوابق العليا.
أما البيوت العربية، أو البيوت غير متعددة الطوابق، فصار يقتطع من أجزائها المطلة على الحارة مساحات صغيرة بغرض تحويلها إلى محال صناعية أو تجارية في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق، يروي قصاص كيف بنى محله التجاري الذي وصفه بأنه من أوائل محلات الألبسة الجاهزة في داريا، فيذكر رغبته في بناء مستقبله بعيدًا عن العمل الزراعي، بعد أن أنهى خدمته العسكرية عام 1983، حيث اصطدم بمعارضة والده الذي لم يستوعب آنذاك فكرة ترك الأرض لفتح محل تجاري، في الوقت الذي كانت عائلته تعد من ملاك الأراضي في داريا.
وبعد محاولات عدة، جاءت موافقة الأب بشكل غير مباشر، بقوله “اتركوه لنرى ماذا سيفعل”، فكانت تلك الإشارة كافية ليبدأ مأمون بهدم جدار غرفته المطلة على الشارع بيده.
ولم تكن تلك البداية ميسرة ماديًا كما قال، فقد ذكر كيف جلس فوق ركام الجدار المهدوم بعد أن أصبح البيت مكشوفًا على الشارع، وهو لا يملك حتى ثمن “الغلق” (الباب المعدني للمحل)، فطلب من الحداد الذي كان يعمل في الحارة نفسها، والذي كان مستأجرًا محلًا يتبع لهم، أن يجهز له “الغلق”، واعدًا إياه بسداد سعره لاحقًا.
وهكذا، بدأ أحد أوائل محال الألبسة الجاهزة، في وقت كانت فيه ثقافة أهل داريا ما تزال مرتبطة بتفصيل الملابس عند الخياط لا بشرائها جاهزة، وكانت هذه المبادرة الفردية حجر الأساس الذي سحب خلفه محال أخرى، ليتحول المكان إلى واحد من أهم الأسواق التجارية.
صورة سوق عجم في التسعينيات (عنب بلدي – أرشيف مأمون قصاص)
معالم شارع الثورة والمحيط التجاري
في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وبداية تسعينياته، برزت ملامح تجارية أخرى في محيط سوق عجم، منها ما كان عند زاوية شارع الثورة المؤدية إلى السوق من جهة جامع طه، حيث كان هناك محل تصوير يملكه أمين الكوز، وبعده افتتح محل خياطة لكل من منير ومأمون اللحام.
وكان هذا الموقع شاهدًا على افتتاح أحد أوائل مطاعم بيع “البروستد” (الدجاج المقلي) لعائلة الدلعين، ثم تلاه مطعم “الكمال” لصاحبه أبو زيد، كما كان شاهدًا على المنافسة الحادة بين المطعمين.
وفي القسم نفسه من شارع الثورة، أي خلف سوق عجم، افتتح محل “كاسيت” لصاحبه أبو كمال عجم، ومعمل صغير لتصنيع الحلاوة الطحينية بالقرب من مدرسة ثانوية البنات، وكان محل آخر قريبًا منه يبيع الحلاوة الطحينية، وصاحبه من خارج داريا، واسمه أبو راتب.
ثم افتُتح أيضًا محل واسع للألبسة باسم “معرض السماح”، في مدخل واسع ضمن أحد الأبنية، فكان يطل على شارع الثورة وعلى السوق من مكان واحد، وافتتح أيضًا محل تصوير باسم “البتراء” بالقرب من الباب الخلفي لجامع طه، ومكتبة “الفرخ” التي تقع في شارع الثورة بالقرب من جامع طه.
التحول من “التفصيل” إلى “الجاهز”
عاش سوق عجم في بداياته صراعًا بين تقاليد “التفصيل“، أي شراء القماش وتفصيله عند الخياط، وموضة “الجاهز”، أي شراء الألبسة الجاهزة من السوق.
وكما أفاد محمود المطعون، أحد تجار السوق، فقد كان السوق مقصدًا لكل مقبل على الزواج من داريا، حتى من بعض البلدات المجاورة، إذ كان أهل العروس يأتون لتجهيزها، فيشترون لها من محال الأقمشة “صُرّة” كبيرة تحتوي أفخر أنواع الأقمشة الدارجة آنذاك، ومن أشهرها قماش “الفاي”، والأقمشة المطرزة مثل “الدانتيل”.
ولم تكن “حفاضات” الأطفال الجاهزة معروفة لدى أهل داريا في الثمانينيات، بل كانت الأمهات يقصدن محال الأقمشة في السوق لشراء قماش قطني متين يُعرف باسم “الخام”، ويأخذن منه بحسب الحاجة، ثم يقمن بقصه وتفصيله في المنازل ليكون “حفاضات” للأطفال.
وفي التسعينيات، توسع تنوع “البضاعة” في السوق ليشمل مستلزمات الأطفال حديثي الولادة، أو “ديارة الولد”.
ويروي قصاص أن أهل داريا في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، أي حين افتتح محله، لم تكن لديهم ثقافة شراء الملابس الجاهزة، بل كان العرف السائد هو شراء الأقمشة والتوجه بها إلى الخياطين.
ولذلك، لم يكن محله متخصصًا بالألبسة الجاهزة فحسب، بل كان يجمع مختلف أنواع البضاعة، مثل لوازم الخياطة والإكسسوارات وغيرها، وكان النشاط اليومي يقتصر غالبًا على بيع “مواسير” الخيطان ومستلزمات الخياطة المنزلية.
ويضيف أنه كان يفتقر، في تلك المرحلة، حتى إلى المصطلحات التجارية الحديثة؛ فكان يجهل اسم “البييه” أو “الكلف” (شريط قماشي يستخدم لتشطيب حواف الملابس والمنحنيات)، رغم وجودها على رفوف المحل.
ومع دخول تسعينيات القرن الماضي، بدأت الكفة تميل لصالح الملابس الجاهزة، وتحول السوق إلى مقصد للقطع “الثقيلة” (ذات الجودة العالية)، بحسب ما يعبر عنه مأمون قصاص، ويقول: “لم يكن زبون داريا يقبل بالبضائع العادية، بل كان يبحث عن النخب الأول، وهو ما جعل بضاعة سوق عجم تنافس أرقى أسواق دمشق كالصالحية والحمراء”.
ووصل صيت السوق، كما يقول، إلى أحياء المزة وكفرسوسة، وبدأ الناس يقصدون داريا بحثًا عن السعر المنافس، ما حوّل السوق من مركز محلي إلى شريان تجاري يقصده سكان المنطقة الغربية وصولًا إلى قرى جبل الشيخ.
“المانطو” وأزياء النساء
كان “المانطو”، أو “البانطو” كما يسميه أهالي داريا، من المبيعات المهمة في سوق عجم، وهو اللباس الخارجي للمرأة، وكان يصنع من قماش “الجورجيت” المستورد، الذي كان الأكثر رواجًا في ذلك الوقت لمتانته وثبات لونه وعدم حاجته إلى الكي، بحسب ما يذكر قصاص.
ويضيف محمود المطعون أن “المانطوهات” كانت تُفصّل من أقمشة شهيرة مثل “دراين” و”سكال” و”هوبساك”.
أما الألوان الدارجة في ذلك الوقت، فكانت تقتصر في البداية على الألوان الغامقة والوقورة؛ وكان اللونان الأسود والكحلي هما الأكثر طلبًا حتى التسعينيات، ثم ظهرت تدرجات أخرى مثل “العفني الغامق” و”الزيتي” و”التركوازي”، بينما كان إقبال النساء على الألوان الفاتحة نادرًا جدًا.
وكان تصميم “المانطو” القديم يتسم بالرسمية والبساطة، فلم يكن يحتوي على سحابات، بل كان يعتمد أزرارًا كاملة من الأمام، مع “قبة” (ياقة) تقليدية ذات ردة، وهو الموديل الذي حظي بشعبية واسعة في داريا حتى التسعينيات.
ومع مرور السنوات، بدأت التصاميم تتطور، فأُدخلت الياقة الصينية، وياقات الفرو المزدوجة، والزنار، والسحابات المخفية، والردات الجانبية المزينة بـ “البروشات” الناعمة، إضافة إلى ظهور موديلات “الكشكشة” من الأسفل، مثل موديل “الفراك” وموديل “المكسيك” بحسب ما يرويه محمود المطعون.
صورة تظهر “المانطو” الذي يباع في سوق عجم – 20 أيار 2026 (عنب بلدي)
“الشروال” و”الحطة” و”القضاضة”
“الشروال” هو اللباس التراثي للرجال في داريا، وقد كان قماشه يباع في السوق، وله أنواع عدة منها “هوبساك” و”سكال هندي” و”سكال ياباني”. وظل الناس يشترون هذا القماش لتفصيل “الشروال” حتى تسعينيات القرن الماضي تقريبًا.
ويؤكد محمود المطعون أن تفصيل “الشروال” لم يكن يتم في داريا، إذ كان يتطلب مهارة وتقنية عالية ودقة اشتهر بها خياطو دمشق، كما كان سعره مرتفعًا لكونه يستهلك كمية كبيرة من القماش.
وكان الرجال يشترون أيضًا “السُلُك” أو ما يعرف بالشماغ، و”القضاضة”، و”الحطة”، وهي أغطية للرأس تعكس تفاصيل من الحياة اليومية والمكانة الاجتماعية، كما يروي مأمون قصاص.
وكان «السُلُك» غطاء الرأس اليومي الشائع لدى عامة الرجال، ويُلبس للوقاية من تقلبات الطقس، فيمنح الدفء في أيام البرد ويخفف من حرارة الشمس صيفًا. وكان كثير من أهالي داريا يلفظون اسمه «أَنسُلُك».
وكان أهل داريا يفضلونه باللونين الأبيض مع الأسود، أو الأبيض مع الأحمر، وكان التركيز على الأنواع المصنوعة من القطن الصافي بنسبة 100% لضمان ثباته على الرأس وتوفير الحماية الصحية.
وفي المناسبات الرسمية والأعياد، كان الرجال يرتدون “القضاضة” البيضاء، التي تمتاز بقماشها الشفاف وأنواعها المختلفة، مثل أقمشة “بوال” و”بوليستر”.
وكانوا يضعون تحتها طاقية لتثبيتها، وتُزين أطرافها “حبكة” يدوية خفيفة على شكل دوائر تشبه الكرات الصغيرة.
أما “الحطة”، فكانت حكرًا على نخبة معينة، كما يقول قصاص، ومقتصرة على الخطباء والعلماء ووجهاء البلد، إذ كان ارتداؤها دلالة على علم الرجل ووقاره.
وتمتاز الحطة بنقوشها الدمشقية القديمة ذات الأشكال الهندسية أو أوراق الورود المطبوعة بلون آخر فوقها، وكان لونها سكريًا، أو ما يسمى باللون الكريمي.
لقطة من عرس لعائلة خولاني في داريا عام 2002 – تظهر غطاء الرأس للرجال في المناسبات (يوتيوب)
تطور أغطية الرأس والحجاب الشرعي
فيما يخص أغطية الرأس للمرأة، فقد كان بائع الأقمشة في سوق عجم يقص قماش “الغطوة”، وهي غطاء الرأس التقليدي للمرأة في داريا، بمقاس ثابت يبلغ “أربعة أذرع ونصف”، أي نحو 315 سنتيمترًا، وفق قياس الذراع المتداول في السوق، والبالغ 70 سنتيمترًا.
وكانت المرأة تأخذ القماش بعد قصه، ثم تقصه من المنتصف وتصل القطعتين في منزلها، بحسب ما يقوله محمود المطعون.
وكانت “الغطوة” تأتي منقطة بألوان كحلية أو خمرية غامقة أو زيتية على خلفية بيضاء.
كذلك، كان يُباع غطاء آخر يوضع تحتها يسمى “غطا“، وهو غطاء أبيض مزين بتطريز عريض أو ضيق، يُعرف باسم “نص بوال” أو “بوال”.
ومع تغير الذوق العام، تراجعت هذه الأنواع تدريجيًا، منذ التسعينيات، لصالح “الشالات” و”الإيشاربات” السوداء والبيضاء ذات الأشكال الحديثة.
فيما بقيت الأغطية التقليدية تُباع لكبار السن حتى ما قبل عام 2011، لكن الطلب عليها انحفض لاحقًا بنسبة تصل إلى 80%، بحسب تقدير محمود المطعون.
وفي تسعينيات القرن الماضي، شهد السوق، بحسب رواية قصاص، تحولًا في أشكال الحجاب الشرعي، فقد صارت الصبايا، أي الفتيات قبل الزواج، يعتمدن الحجاب المطاطي المكوّن من قطعتين.
وظهرت لدى النساء الأكبر سنًا والمتزوجات موضة الحجاب الشرعي ذي القطعة الواحدة، الذي كان يأتي على شكل “كاب”، من قماش دائري واسع يغطي الأكتاف والصدر ومؤخرة الظهر فوق “المانطو”.
صورة من سوق عجم تظهر “الإيشاربات” المعروضة للبيع – 20 أيار 2026 (عنب بلدي)
“القيشاني” و”الصمديات” و”جهاز” العروس
لم تقتصر تجارة سوق عجم على الألبسة والأقمشة، بل ارتبطت أيضًا باقتناء التحف وتجهيز البيوت، ولا سيما ما يدخل في “جهاز” العروس.
وفي الذاكرة الدارانية، كانت “المطبقية” أو “الزبدية” من مقتنيات “جهاز” العروس، وتحمل دلالة على مكانة العائلة الاجتماعية.
وكانت بعض هذه القطع مرتفعة الثمن إلى حد أن قيمتها، بحسب ما يروى، كانت تفوق أحيانًا ثمن مساحات من الأراضي الزراعية.
ويستذكر مأمون قصاص أن بعض البيوت كانت تضم تحفًا من “الأوبالين” المطلي بالذهب، وأطقمًا كاملة من “القيشاني” والنحاس المنقوش يدويًا. وكانت هذه المقتنيات تحظى بقيمة كبيرة بسبب جودتها وندرتها.
لكن هذه التحف لم تكن تُباع في سوق عجم، بل كان الحصول عليها يتم من بعض الباعة في دمشق عند توفرها، أو من خلال ما يقدمه أهل العروس والعريس من مقتنيات ضمن جهاز الزواج.
ومع تطور السوق في منتصف الثمانينيات، بدأت تظهر في داريا محال تبيع أصنافًا حديثة ومقلدة من “القيشاني” و”الصمديات” وغيرها من التحف.
ومن بين هذه المحال محل لعائلة الفيومي وآخر لعائلة السويد.
وكانت هذه الأواني تستورد من الصين عن طريق لبنان، وتنقل إلى داريا بسيارات “دوتش” التي كانت تستخدم في السفر بين دمشق ولبنان، لتوفر بدائل أقل كلفة للراغبين في تجهيز بيوتهم بهذه المقتنيات، بحسب ما يرويه قصاص.
واستمرت عادة اقتناء هذه الأصناف ضمن جهاز العروس حتى عام 2011. وكانت “الفيترينا”، أو “المكتبة”، من أساسيات تجهيز البيت، وتُملأ بالتحف الحديثة والمقلدة و”الصمديات”.
ومن بين الأواني التي ارتبطت بـ “جهاز” العروس نوع كان يعرف باسم “الشيني”، وهو عبارة عن زبادي خزفية مصنعة بدقة.
وكانت النساء يختبرن جودة بعضها بضرب طرف القطعة باليد للتأكد من صدور رنين مميز منها، كما يذكر محمود المطعون.
ويذكر أيضًا أن “جهاز” العروس ينبغي أن يحتوي، بصرف النظر عن الوضع المادي للعائلة، على “دزينتين” على الأقل من أواني “الشيني” و”النبط” و”البربيش” و”العرباي”، إلى جانب أنواع أخرى من “الصمديات”.
الصمديات والقيشاني الذي كان يشترى من سوق عجم في داريا – تاريخ النشر 2015 (داريا أيام زمان – فيسبوك)
العائلات التجارية وتعاقب الأجيال
تشكلت الحركة التجارية في السوق وتنوعت البضائع فيه على مراحل متعاقبة، بدأت مع عائلة “عجم” التي وضعت حجر الأساس للسوق. فكان محل الخضار الذي افتتحه علي عجم البذرة الأولى لنشاطه التجاري، ثم لحق به شقيقه حسن عجم بافتتاح محل للأقمشة.
وفي سبعينيات القرن الماضي أيضًا، افتتحت عائلتا “السويد” و”المطعون” محلين للأقمشة، لتبدأ معهما مرحلة جديدة من تنوع النشاط التجاري في السوق.
وفي نهاية السبعينيات، ظهرت محاولات مبكرة لبيع الألبسة الجاهزة، من بينها “بوتيك الوزير” لصاحبه حسن الوزير، ومحل يعود لأبي هيثم العبار، بالقرب من المكان الذي أقيم فيه فرن المصطفى لاحقًا. غير أن هذه التجارب لم تستمر طويلًا في ذلك الوقت، بحسب ما يرويه قصاص.
ومع مطلع الثمانينيات، اتسع نطاق النشاط التجاري ليشمل مهنًا أخرى، من بينها إصلاح الأحذية، حيث افتتحت عائلة البرمة محلًا لهذا الغرض.
كما برز اسم أبو ماجد بدر، الذي تميز محله في بداياته بإصلاح آلات الخياطة وبيع الإكسسوارات الدقيقة ولوازم الخياطة المنزلية، مثل “دبابيس” الشعر و”المشابك” و”الملاقط”، وفقًا لما ذكره محمود المطعون.
وفي عام 1984، افتتح مأمون قصاص محله للألبسة والأقمشة والإكسسوارات، وأطلق عليه اسم “بوتيك الملك”. وبعده افتتح أبو محي الدين الحو محلًا آخر للألبسة في الطرف المقابل من الشارع.
ومع هذه الافتتاحات، بدأ السوق يشهد إقبالًا أكبر، إذ أصبح الزبون يجد خيارات متنوعة في مكان واحد، وهو ما ساعد على خلق حالة من المنافسة شجعت عائلات أخرى على دخول النشاط التجاري.
وفي هذه المرحلة، بدأت عائلة عجم بتوسيع نشاطها من الأقمشة إلى الألبسة، حتى وصل عدد محالها إلى 12 محلًا، تولى إدارتها الأبناء وأبناء العم، ومن بينهم أبو هشام وأبو علي وإخوته. ومع اتساع حضور العائلة، ارتبط اسمها بالنشاط التجاري في الحارة.
وتوالت بعد ذلك افتتاحات المحال التي حملت أسماء عائلات أخرى، من بينها محل افتتحه أبو عماد الفيومي، الذي جمع بين بيع “القيشاني” والملبوسات، إلى جانب محال تخصصت في “الموانطي” وفساتين الأعراس، ومنها محل لعائلة “نوح”، ومحل آخر لعائلة “الحمدوني”.
وتقدم عائلة قصاص مثالًا على هذا التوسع العائلي وتوزع الاختصاصات التجارية بين أفراد الأسرة.
فبعد انطلاقة مأمون في محل الألبسة، بدأ إخوته بالتوسع تباعًا في المحال المجاورة، فتخصص حسين في الأحذية، وخالد في الأقمشة، وزياد في ألبسة “ب ب” و”الماكياجات”، فيما تخصص محمد في لوازم الخياطة والإكسسوارات.
وفي التسعينيات أيضًا، افتتح أبو ياسر مراد محلًا متخصصًا في القطنيات للرجال والنساء، إضافة إلى “ديارة الولادة”، أي مستلزمات المولود وأمه من الملابس وما يحتاجانه بحسب المتوفر في تلك المرحلة.
ومن أبرز العائلات التي ارتبط نشاطها التجاري بالسوق عائلات عجم، والسويد، والمطعون، وأنّور، وقصاص، والحو، والفيومي، ورجب، ومراد، والبرمة، وعودة، ومدور، والحمدوني، والسيسي.
ومع مطلع الألفية الثالثة، كان الشارع قد تحول إلى سوق متكامل يوفر معظم احتياجات الأسرة من الألبسة.
ويضاف إلى ذلك أيضًا معظم احتياج العرسان من الكسوة والألبسة، باستثناء الطقم الرسمي للرجال، الذي بقي خارج السوق كما يروي قصاص.
ومن المحال التي تخصصت في بيع “الأطقم” الرسمية للرجال محل لمفيد شريدي كان يقع في الحارة المؤدية إلى جامع طه من الطرف الشمالي.
حركة التوريد والتعاملات المالية
اعتمدت حركة التوريد في سوق عجم بصورة أساسية على أسواق دمشق الرئيسية، ولا سيما سوقي “الحريقة” و”مدحت باشا”، إلى جانب معامل مدينة حلب.
وكانت الأقمشة والبضائع التي ترد إلى السوق من دمشق تحظى بطلب بسبب متانتها وجودتها المرتفعة، وكانت توصف بأنها من القطع “الثقيلة”، كما يقول قصاص.
وفي المقابل، شكلت البضائع القادمة من حلب خطًا نشطًا في حركة التوريد، إذ كان عدد من التجار يسافرون إليها لشراء بضائعهم، أو تُشحن الطرود مباشرة إلى داريا، مستفيدين من قدرتها على المنافسة في الأسعار وتلبية احتياجات شرائح واسعة من المستهلكين.
ورغم أن التعاملات التجارية كانت تقوم في الأصل على الدفع النقدي الفوري، فإن نظام “الدين” أو الدفع المؤجل كان متاحًا للتجار الذين بنوا سمعة مهنية قائمة على الالتزام بالمواعيد والوفاء بالدفعات المستحقة.
وكان بإمكان البعض من أصحاب المحال الحصول على بضائع تفوق قيمة السيولة المتوفرة لديهم، على أن يسددوا ثمنها خلال الزيارات اللاحقة للمورد أو على دفعات دورية محدودة.
وساعد هذا النظام، القائم على الثقة المتبادلة بين التجار والموردين، في استمرار تدفق البضائع إلى سوق عجم، كما مكّن المحال من الاستعداد للمواسم التجارية الكبرى، مثل الأعياد وافتتاح المدارس، عبر توفير تشكيلات متنوعة من الألبسة الجاهزة والأقمشة التي تلبي احتياجات السوق المحلية.
مواسم الذروة.. الأعياد والمدارس
في التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، كانت الحركة التجارية في سوق عجم تبلغ ذروتها في الفترة التي تسبق مواسم الأعياد وافتتاح المدارس، حيث تتغير وتيرة العمل لتتحول إلى دورة طويلة تبدأ من الصباح الباكر وتستمر حتى ساعات الفجر الأولى.
ولهذا كان التجار يستعدون للمواسم قبل وقت كافٍ، من خلال تأمين البضائع من معامل دمشق وحلب أو من مراكز البيع بالجملة، كما يذكر محمود المطعون.
وخلال المواسم، كان السوق يكتظ بالناس إلى درجة لا تكاد تظهر معها أرض الشارع من كثرة المارة، وكان المشاة يضطرون إلى السير بمحاذاة جانبي الطريق بسبب شدة الازدحام، كما يروي قصاص.
وكانت هذه الحركة تبدأ منذ منتصف شهر رمضان وتزداد كثافتها خلال الأيام الخمسة الأخيرة منه.
وبسبب الازدحام داخل المحال خلال هذه الفترات، كان التجار يتعاملون بمرونة أكبر مع الزبائن المعروفين لديهم، بحسب ما يذكر مأمون قصاص، فكان يُسمح للزبون بأخذ مجموعة من الملابس إلى المنزل لتجربتها واختيار القياسات المناسبة، ثم يعيد القطع التي لا يحتاج إليها ويُجري الحساب المالي.
وفي موسم المدارس، كانت الحركة التجارية تنشط بالطريقة نفسها، ويذكر قصاص أن هذا الموسم كان في كثير من الأحيان أهم من موسم الأعياد من حيث الاستعداد وحجم المبيعات. وكان شراء المستلزمات يبدأ قبل افتتاح المدارس بنحو عشرين يومًا، ويستمر حتى موعد افتتاحها، وأحيانًا إلى نحو أسبوع بعد الافتتاج.
وكانت “الصداري” (لباس يشبه القميص الطويل، بأزرار جانبية وقماش سميك، وتسمى الواحدة منها “صدرية”) من الملابس التي كانت تباع لطلاب المرحلة الابتدائية، إلى جانب الأحذية و”البنطلونات” الكحلية، والحقائب التي كانت تصنع من القماش أو الجلد الصناعي أو تأتي بألوان مختلفة.
أما طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية، فكان السوق يوفر لهم “لباس الفتوة”، وهو البدلات الزيتية التي كان التجار يستوردونها جاهزة من أسواق دمشق.
فيما كان بعض الأهالي يفضلون شراء القماش الزيتي بتدرجاته المختلفة من السوق، ثم تفصيله لدى أحد الخياطين، لإضافة تعديلات خاصة، مثل الجيوب الإضافية لملابس الشباب، أو تفصيل الجاكيت الطويل للفتيات.
وقبل أن ينشط سوق عجم ويتحول إلى مركز تجاري للملابس ولوازمها، في التسعينيات، كان أهل داريا يشترون ملابس المدرسة ومستلزماتها من “عصرونية الأحمر”، التي كانت تقع مقابل مبنى بلدية داريا.
أعراف البيع وثقافة “المفاصلة”
كانت “المفاصلة” في الأسعار، أي محاولة الزبون خفض سعر السلعة والوصول إلى السعر الذي يناسبه، جزءًا رئيسيًا من تقاليد البيع والشراء في سوق عجم، إذ لم يكن السعر المعلن هو السعر النهائي للبيع في الغالب، كما يقول قصاص.
لذلك، كان العرف التجاري في السوق يقتضي من البائع التحلي بـ”طول البال”، أي الصبر والمرونة، في التعامل مع رغبة الزبائن في الحصول على خصم.
ولم تكن “المفاصلة” مجرد وسيلة للوصول إلى سعر أقل، بل كانت جزءًا من العلاقة بين البائع والزبون، فالتاجر الذي يحسن إدارة الأخذ والرد ويترك لدى الزبون انطباعًا جيدًا، كان يحافظ على علاقته به، ويشجعه على العودة إلى المحل مرة أخرى، كما يقول محمود المطعون.
وفي بعض الحالات، كانت الثقة بين الطرفين، البائع والزبون، تصل إلى حد أن الزبون كان يترك للبائع مهمة تجهيز طلباته كاملة.
فكان بعض الزبائن يرسلون زوجاتهم إلى بائع محدد لشراء ما تحتاج إليه الأسرة من ملابس، اعتمادًا على ثقتهم بصدقه في تحديد الأسعار وما يناسبهم من البضائع، بحسب ما يقوله قصاص.
وفي المقابل، كان التعامل مع الزبائن يتطلب حنكة في تحديد السعر وطريقة عرضه، فبعض الباعة كانوا يرفعون السعر الأولي قليلًا، ليتركوا هامشًا للمفاوضة يتيح للزبون الشعور بأنه حصل على سعر أفضل عند إتمام الشراء، بينما كان آخرون يفضلون إعطاء السعر النهائي مباشرة، اختصارًا للوقت وبحثًا عن كسب ثقة المشتري.
وكان تجار السوق يرون أن مهارة البيع لا تقوم على السعر وحده، وإنما تحتاج أيضًا إلى “طولة البال” والكلام المؤدب والمؤنس.
وكانت النساء، اللواتي كن من أكثر المترددين على السوق شراءً وتجولًا، يفضلن التاجر المرن الذي يتسع صدره للمفاصلة ويستقبلهن بالبشاشة والترحاب.
ويذكر محمود المطعون أن العرف التجاري في السوق كان يقوم على قاعدة مفادها أن “تدخل الزبونة إلى المحل زائرة وتخرج منه شاعرة”.
حتى إذا فردت الزبونة البضاعة كلها ولم تشترِ شيئًا، كان صاحب المحل يودعها بعبارات طيبة مثل: “أهلًا وسهلًا بكِ خالتي، محلك وتكرم عينك”.
وكان هذا الأسلوب في التعامل، كما يقول المطعون، يساعد على بناء علاقة من الثقة تدفع الزبونة إلى العودة مجددًا، وربما إلى الحديث عن “طول بال” البائع أمام قريباتها.
صورة تظهر زبائن في أحد محلات سوق عجم – داريا – 20 أيار 2026 (عنب بلدي)
نظام الدَّيْن ودفاتر الحسابات
يذكر محمود المطعون أن البيع بالدَّين كان جزءًا من التعاملات التجارية في سوق عجم، واستفاد منه بعض أهالي داريا، ولا سيما في المناسبات التي تتطلب نفقات إضافية.
فعلى الرغم من أن مجتمع داريا كان يعرف بأنه مجتمع منتج وميسور ماديًا إلى حد ما، فإن تكاليف الأفراح ومواسم الأعياد كانت تدفع بعض الأهالي إلى الاستدانة، وكان بعض تجار السوق يسهّلون لهم ذلك، كما يذكر مأمون قصاص.
وارتبط البيع بالدَّين أيضًا بطبيعة العمل والإنتاج في داريا، فقد كان المجتمع يضم عددًا كبيرًا من الفلاحين والنجارين والحدادين وغيرهم من أصحاب المهن.
ولذلك كان التجار يبيعون بعض المشتريات الكبيرة، ولا سيما مستلزمات تجهيز العرائس، بالدَّين على أن تُسدد قيمتها خلال فترة قصيرة.
ولتسجيل هذه التعاملات، كان كل محل يحتفظ بدفاتر حسابات كبيرة، يصل طول الواحد منها إلى نحو 40 سنتيمترًا، تُقيد فيها الحسابات تحت اسم “بيت فلان”، ويسجل إلى جانب كل دفعة تاريخ تسديدها.
وكان لدى صاحب المحل عادة دفتران كبيران، أحدهما مخصص لحسابات زبائن البلدة، والآخر لتجار الشام، إذ كان بعض أصحاب المحال يحصلون بدورهم على البضائع من تجار الجملة بالدَّين أو بالتقسيط، كما يروي ذلك محمود المطعون.
وبعد بداية الألفية الثالثة، بدأ التعامل بالدَّين يتراجع، ولم يعد معمولًا به لدى معظم التجار أو مع جميع الزبائن، بل أصبح يقتصر بدرجة أكبر على الزبائن الموثوقين والأصدقاء والأقرباء، بحسب ما يذكر قصاص.
تطور التغليف وضيافة الزبائن
في البدايات الأولى للسوق، وقبل انتشار الأكياس المخصصة لتغليف المبيعات، كانت البضائع والأقمشة تُلف بطرق تقليدية، كما يذكر محمود المطعون.
ويضيف مأمون قصاص أن التجار كانوا يشترون كميات كبيرة من ورق الجرائد، يضعون الثياب بداخله ويطوونه بعناية على شكل مربع يشبه “السندويشة”، ثم يربطونه بالحبال أو يثبتونه بـ”اللزيق”، أي اللاصق الشفاف.
ومع تطور أساليب التغليف، دخلت أكياس النايلون السادة المشابهة لأكياس الخضار، ثم بدأت المحال تستخدم، في منتصف التسعينيات، أكياسًا مستطيلة مخططة طوليًا بألوان مختلفة، مثل الأخضر والأحمر أو الزهري والأصفر، إلى جانب أكياس سوداء منقطة باللون الذهبي.
وكان من النادر في تلك الفترة أن يطبع أصحاب المحال أسماء محالهم على الأكياس.
وفي المناسبات والأعياد، مثل عيد الأم وعيد المعلم، كان بعض البائعين، بحسب ما يذكر قصاص، يغلفون المبيعات بورق الهدايا الملون أو السادة وفق طلب الزبون، ثم يربطونها بـ”السلوفان” الملون.
أما ضيافة الزبائن في سوق عجم، فلم تكن على النحو المعروف في الأسواق الحديثة، إذ لم يكن هناك باعة جوالون يقدمون الشاي أو القهوة أو المشروبات الباردة.
لكن الاستثناء الوحيد كان وجود بائع جوال يبيع “غزل البنات” والحلويات البسيطة للأطفال، ومنها “الرغوة”، وهي حلوى رغوية خفيفة كانت توضع في “بوري” البوظة ويتناولها الأطفال.
وكانت ضيافة الزبائن تُجهز في بيوت أصحاب المحال القريبة أو داخل المحال نفسها، وتتمثل في الأيام العادية غالبًا بالشاي أو القهوة.
وكانت هذه الضيافة جزءًا من العلاقة بين أصحاب المحال وزبائنهم، فيذكر قصاص أنه كان يحضر أحيانَا الضيافة من منزله الذي كان يقع خلف محله، وإذا كانت أسرته تعد طعامًا مميزًا، كان يحضر جزءًا منه ويقدمه للزبائن.
وفي المواسم والأعياد الدينية، كان الأمر يختلف بحسب مبادرة كل تاجر، فكان بعضهم يقدم القهوة المرة، ومنهم أبو رياض مراد، الذي كان معروفًا بإتقان إعدادها، ويقدمها للزبائن أو لأصحاب المحال المجاورة.
وكان تجار آخرون يوزعون السكاكر والملبس على الزبائن.
البسطات والمظاهر الموسمية
مع توسع السوق وازدياد الحركة التجارية فيه، بدأت تظهر “البسطات”، وهي طاولات توضع في الطريق لعرض البضائع وبيعها.
ولم يكن وجودها يؤدي في الغالب إلى مشاحنات أو نزاعات مع أصحاب المحال، إذ كان بعضها تابعًا للمحال نفسها ويُوضع أمامها، فيما كان بعض أصحاب المحال يسمحون لأقاربهم أو أصدقائهم بوضع بسطات أمام محالهم، شرط ألا تعيق واجهة المحل أو تبيع البضاعة نفسها التي يعرضها صاحب المحل.
وفي بعض الحالات، كانت البسطة تتحول إلى مشروع تجاري صغير يشجع صاحب المحل به ابنه أو أخاه لاكتساب الخبرة وتعلم المهنة. وفي نهاية اليوم، كان صاحب البسطة يُدخل بضاعته إلى المحل قبل إغلاقه.
وبحسب ما يرويه مأمون قصاص، بدأت البسطات بالظهور قبل نحو 25 عامًا، أي في بداية الألفية الثالثة، وازداد انتشارها في مواسم الأعياد، ولا سيما خلال الأيام التي تسبق العيد.
وفي تلك الفترة، كان السوق يتحول إلى ما يشبه مهرجانًا، إذ كان شبان من خارج داريا، ومن المناطق المحيطة بها، يأتون لإقامة بسطات تبيع البالونات والمأكولات الخفيفة والجوارب وغزل البنات، فتتزين الحارة وتزداد مظاهر الحركة فيها.
ومن المظاهر التي ارتبطت بالسوق واستمرت حتى الوقت الحاضر عربة الفول والبليلة التي يملكها أبو أحمد الخلد، والتي كانت تتحول إلى بيع الذرة خلال فصل الصيف.
عربة الفول والبليلة لصاحبها أبو أحمد الخلد عند مدخل سوق عجم – 20 أيار 2026 (عنب بلدي)
التنظيم العرفي والإدارة المحلية
لم يكن سوق عجم يخضع لإدارة نقابية أو لإدارة رسمية مباشرة في شؤونه اليومية، بل كانت كثير من أموره تنظم بالتفاهم بين أصحاب المحال.
ويذكر قصاص أن أصحاب المحال بادروا في إحدى الفترات إلى تعيين حارس ليلي لحماية السوق، وتكفلوا بدفع راتب شهري له، غير أن هذه التجربة لم تستمر طويلًا، في ظل اعتماد التجار على حالة الأمان العام ومعرفة بعضهم البعض.
أما العلاقة مع مؤسسات الدولة، ولا سيما البلدية والمالية، فكانت ترتبط بصورة أساسية بالرسوم والضرائب والإجراءات الإدارية.
وبدأت وزارة المالية جمع ضريبة “المالية”، أي ضريبة الدخل، من المحال مع بداية النشاط التجاري في السوق خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وفي منتصف التسعينيات، نحو عام 1995، بدأ تطبيق إجراءات الترخيص الإداري و”ضريبة النظافة” من البلدية، وكانت تُدفع سنويًا كرسوم نظافة، كما يروي قصاص.
ويضيف أيضًا أن تنظيم حركة المرور في السوق، خلال الأعياد والمواسم الكبرى، فكان يحتاج إلى متابعة من أصحاب المحال، إذ كانوا يتوجهون إلى المخفر أو إلى رئيس البلدية للمطالبة بوضع حواجز حديدية تمنع دخول السيارات وتتيح للمشاة الحركة في الشارع.
وبحسب ما يرويه، فقد كان تنفيذ هذه الإجراءات يتطلب في كل موسم متابعة وإلحاحًا من التجار، وأحيانًا دفع مبالغ لعمال البلدية أو الشرطة لضمان تنفيذها.
عودة النشاط بعد سنوات الحرب
بعد سنوات الحرب وعودة أهالي داريا إلى مدينتهم، خلال عامي 2019 و2020، وجد تجار سوق عجم سوقهم في حالة دمار واسع، فقد امتلأت الطرقات بأكوام التراب والأنقاض، وسقطت أجزاء من زوايا بعض البيوت القديمة المبنية من اللبن، كما تهدمت بيوت ومحال عدة.
وعلى الرغم من سوء هذا الواقع، بدأ التجار بإعادة فتح محالهم تدريجيًا.
وكان أولَّ محل تجاري افتُتح بعد العودة، بحسب ما يذكر محمود المطعون، محل للألبسة يملكه أبو المجد وأبو هشام عجم.
ثم افتُتح محل لبيع “المانطو” لعائلة مطر، قبل أن يعود أبو علي عجم إلى افتتاح محله القديم.
وتتابعت بعد ذلك أعمال ترميم المحال، إذ قامت عائلة السويد بترميم سبعة محال دفعة واحدة، فيما عاد عدد من عائلات السوق إلى افتتاح محالهم خلال أشهر قليلة، لتستعيد المنطقة نشاطها التجاري تدريجيًا بجهود أصحاب المحال أنفسهم.
يمثل “سوق عجم” جانبًا من تطور النشاط التجاري في داريا، إذ بدأ خلال السبعينيات من القرن الماضي، ضمن منطقة كانت يغلب عليها الطابع السكني الريفي، مع عدد محدود من محال الأقمشة، ثم توسع نشاطه تدريجيًا، ولا سيما خلال الثمانينيات والتسعينيات، ليصبح مركزًا تجاريًا يخدم سكان داريا ويخدم زبائن آخرين يأتون من البلدات المحيطة بها وصولًا إلى قرى من منطقة جبل الشيخ.
وتظهر الشهادات الشفهية التي وثقت تاريخ السوق أن نموه لم يرتبط بالمحال والبضائع وحدها، بل رافقته شبكة من العلاقات بين التجار والزبائن والموردين.
وبرزت هذه العلاقات في أنماط البيع والشراء، مثل “المفاصلة” والبيع بالدَّين والتقسيط، وفي الثقة التي سمحت باستمرار هذه التعاملات.
وعلى الرغم من الدمار الذي أصاب السوق خلال سنوات الحرب، بدأت المحال تعود إلى العمل بعد عودة الأهالي إلى داريا، وتتابعت أعمال الترميم والافتتاح خلال فترة قصيرة، بجهود أصحاب المحال وعائلاتهم.
وبذلك استعاد سوق عجم جزءًا من نشاطه التجاري، بعد أن كان قد شكل لعقود مساحة تجمع بين التجارة والحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية في المدينة.