من «النقد» إلى «يوم الصمد».. كيف كان يكتمل «جهاز العروس» في داريا

صورة تعبيرية عن يوم الصمد مولدة بالذكاء الاصطناعي (عنب بلدي)

لم يكن «جهاز العروس» في داريا يُشترى دفعة واحدة، ولا يبدأ تجهيزه قبل الزفاف بأسابيع قليلة، بل كان يتكون قطعة بعد أخرى، أحيانًا على امتداد سنوات.

كلما ادخرت الأم مبلغًا من المال، اشترت قماشًا، أو قطعة ذهب، أو وسادة جديدة، أو احتفظت بطقم زجاج أو خزف لمناسبة لم يحن موعدها بعد.

وحين تتزوج الابنة الكبرى، يبدأ التفكير في جهاز أختها التي تليها، وكأن خروج واحدة من البيت يطلق مباشرة رحلة تجهيز الأخرى.

ولم يكن الأب وحده يتحمل أعباء الزواج، ولا العريس وحده يؤسس منزله، بل كانت الأسرة كلها تدخل في العملية.

فالأب يدفع «النقد» أو المهر من غلال الأراضي التي يعمل فيها أبناؤه، والأم تدخر مبالغ إضافية لشراء ملابس أو مقتنيات لابنتها، وهي عادة ما يزال كثير من أبناء داريا يحافظون عليها حتى اليوم.

وقد تهدي الجدة أو الأم قطعة خزف أو تحفة احتفظت بها سنوات، أو سوارًا ورثته أو ادخرته، بينما تقضي الفتاة نفسها أشهرًا في تطريز لوحة ستعلق لاحقًا على جدار غرفتها، إذ كان إنجاز مثل هذه الأعمال ينظر إليه كدليل على نشاطها ومهارتها.

لم يكن «الجهاز» مجرد أثاث وملابس، بل حصيلة سنوات من الادخار والعمل والتكافل بين أفراد الأسرة، ومرآة للقدرة المادية والعادات الاجتماعية، حتى بدا تأسيس البيت الجديد مشروعًا عائليًا أكثر منه مهمة تخص شخصين مقبلين على الزواج.

تستعرض عنب بلدي في هذا التقرير ملامح «جهاز العروس» في داريا كما حفظتها الذاكرة الشفوية لأبنائها، متتبعة مراحل تكوينه والعادات التي ارتبطت به والتحولات التي طرأت عليه عبر العقود، استنادًا إلى مقابلات مع عدد من الأهالي، لتوثيق جانب من الحياة الاجتماعية في المدينة، وكيف انعكست التغيرات الاقتصادية وأنماط السكن على مفهوم تجهيز بيت الزوجية وطقوسه.

«النقد».. المهر الذي كان يبني البيت

في ذاكرة أهالي داريا، لم يكن مصطلح «المهر» هو الأكثر تداولًا، بل استُخدمت كلمة «النقد» للدلالة على المبلغ المالي الذي يقدمه العريس للعروس، ويعد حقًا شرعيًا واجتماعيًا لها.

لكن العرف السائد منح هذا المبلغ وظيفة عملية مباشرة، إذ كان جزء كبير منه يعود إلى بيت الزوجية على شكل أثاث وملابس ومقتنيات.

من «النقد» تُشترى غرفة النوم وغرفة الضيوف والملابس و«الصمديات» وبعض التحف، ولذلك تختصر إحدى السيدات العلاقة بين المهر والجهاز بعبارة: «يعطونها النقد باليمين.. ويأخذونه منها بالشمال».

وتشير الروايات الشفوية إلى أن قيمة «النقد» بلغت في أواخر سبعينيات القرن الماضي نحو ثلاثة آلاف ليرة سورية، أي ما يعادل قرابة 750 إلى 800 دولار بأسعار الصرف آنذاك.

وخلال الثمانينيات ارتفعت قيمته إلى ما بين 15 و20 ألف ليرة، بما يعادل تقديريًا نحو 1200 إلى 2000 دولار، مع اختلاف واضح بحسب سعر الصرف المستخدم في تلك المرحلة التي تعددت فيها الأسعار الرسمية والموازية.

وفي التسعينيات تراوحت قيمة «النقد» بين 60 ألفًا و100 ألف ليرة سورية، أي ما يقارب 1300 إلى 2300 دولار، قبل أن تصل في مطلع الألفية الثالثة إلى ما بين 100 و200 ألف ليرة، بما يعادل تقريبًا 2000 إلى 4300 دولار وفق أسعار الصرف السائدة حينها.

أما «بدل الملبوس»، وهو مبلغ مستقل مخصص لشراء ملابس العروس، فلم يظهر إلا خلال التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة.

وفي المرحلة نفسها، بدأ مفهوم المهر نفسه يتغير، إذ أصبح يسجل في كثير من عقود الزواج «غير مقبوض»، ويبقى دينًا في ذمة الزوج، يمكن أن تلجأ إليه الزوجة إذا وقع طلاق أو نزاع.

وبذلك، انتقل المهر تدريجيًا من مبلغ يستخدم بصورة مباشرة لتجهيز بيت الزوجية، إلى ضمانة مالية تحتفظ بها المرأة لمرحلة لاحقة.

الذهب.. بين الاتفاق والعرف

إذا كان «النقد» يخضع لعرف شبه ثابت، فإن الذهب لم يعرف قاعدة واحدة بين جميع عائلات داريا.

في عدد كبير من الأسر، كان الاتفاق على كمية الذهب يتم منذ بداية الخطبة، وهو ما كان سائدًا بين كثير من أهالي المدينة.

وغالبًا ما كانت الكمية تحدد بنحو 100 غرام على شكل أساور أو عقد، وقد تصل إلى 200 غرام أو أكثر بحسب القدرة الاقتصادية للعريس.

ومهما كان الاتفاق، كان أهل العروس غالبًا يقدمون لابنتهم ذهبًا إضافيًا من عندهم، بوصفه هدية خاصة لها لا تدخل في قيمة «النقد».

وفي عائلات أخرى، كان أهل العروس يتركون تحديد كمية الذهب بالكامل لأهل العريس، ويكتفون بعبارة: «اللي بدكم إياه أنتم لبسوه».

وينطلق أصحاب هذا التوجه من فكرة أن قيمة الفتاة لا ينبغي أن ترتبط بما يقدم لها من ذهب، وأن الدخول في مساومة على الكمية قد يوحي بأن مكانتها تقاس بمقدار ما يقدمه العريس لها، وهو ما كانوا يرونه انتقاصًا من كرامتها.

لكن الذهب، مهما اختلفت طريقة تقديمه، لم يكن يبقى دائمًا في صندوق المجوهرات.

تتذكر نساء من داريا أن الحاجة الاقتصادية كانت تدفع كثيرًا من الأسر إلى بيع ذهب الزوجة لاحقًا، لتسديد دين، أو بناء منزل، أو توسيع محل تجاري، أو تجاوز أزمة مالية.

وتختصر إحدى السيدات هذه الظاهرة بقولها: «ما في امرأة في داريا إلا وباعت ذهبها بمرحلة من حياتها».

ولم تقل السيدة العبارة كشكوى، بل باعتبارها جزءًا من صورة الزوجة الشريكة في بناء الأسرة، إذ كان ذهبها يُعامل عمليًا بوصفه أحد آخر مدخرات البيت، شأنه في ذلك شأن السجاد التبريزي أو بعض أطقم الزجاج والتحف الثمينة.

من غرفة في بيت العائلة إلى منزل مستقل

لم يبق «جهاز العروس» في داريا على صورة واحدة، بل اتسع كلما تغير شكل البيت والعائلة.

في مرحلة كانت فيها الأسرة الممتدة تعيش تحت سقف واحد، لم يكن الابن حين يتزوج يغادر منزل والديه بالضرورة، بل ينتقل مع زوجته إلى غرفة أو جزء من البيت الكبير.

وكانت غرفة الضيوف موجودة أصلًا، وكذلك كثير من احتياجات المنزل المشتركة، لذلك اقتصر الجهاز غالبًا على غرفة نوم، وبعض الأواني والملابس وما تحتاجه العروس في حياتها اليومية.

لكن المشهد بدأ يتغير منذ نهاية الثمانينيات، ثم بصورة أوضح خلال التسعينيات، مع ازدياد رغبة الشباب في السكن بصورة مستقلة.

لم يعد تأسيس البيت يعني شراء غرفة نوم فقط، بل أصبح يتطلب تجهيز منزل كامل، بما فيه غرفة ضيوف، وأطقم جلوس، وسجاد، وأجهزة كهربائية، وما يحتاجه المنزل منذ اليوم الأول.

ومع هذا التحول، تغير توزيع مسؤوليات التجهيز أيضًا.

فبعد أن كانت قيمة الموبيليا تخصم من «النقد» الذي يقدمه العريس، بدأ العريس يتحمل بصورة متزايدة شراء أثاث المنزل كاملًا، في الوقت الذي صار فيه «النقد» في حالات كثيرة يسجّل غير مقبوض ويبقى حقًا ماليًا للزوجة.

أثاث يتغير مع الذوق

لم يتغير حجم الجهاز وحده، بل تبدل شكل أثاثه أيضًا.

حتى السبعينيات، كانت غرف النوم التقليدية المصدفة والمزينة بالخزف من الأنماط الشائعة في داريا.

وفي الثمانينيات، بدأت تدخل إلى المدينة غرف أكثر حداثة، صنعت من أخشاب طبيعية مثل الجوز والسنديان والزان، من دون استخدام الخزف في زينتها.

وكانت هذه الغرف أقل تكلفة من الموبيليا القديمة، لكنها حافظت على جودة مرتفعة، واعتمدت في جمالها على الخشب المنقوش نفسه بدل الزخارف والخزف.

وبعد سنوات، بدأ طراز آخر يتراجع تدريجيًا، هو أطقم الضيوف المعروفة باسم «الحفر»، المصنوعة من الخشب المحفور يدويًا.

وحلت محلها الأطقم المغلفة الحديثة، التي انسجمت أكثر مع الأذواق الجديدة واستمرت أشكالها في التطور خلال العقود اللاحقة.

سجادة تُحفظ لا تُفرش

لم تكن كل مقتنيات الجهاز معدة للاستخدام اليومي.

بعض القطع كانت تدخل المنزل لتبقى محفوظة سنوات، أقرب إلى المدخرات منها إلى الأثاث، وفي مقدمتها السجاد التبريزي.

كانت السجادة تُشترى ثم تلف بعناية وتوضع في مكان آمن، ولا تفرش إلا في المناسبات الكبيرة أو عند استقبال ضيوف ذوي مكانة خاصة.

أما في الأيام العادية، فتبقى بعيدًا عن الاستخدام للمحافظة على قيمتها، تمامًا كما يُحافظ على الذهب.

وتشير الروايات الشفوية إلى أن سعر السجادة التبريزية خلال التسعينيات بلغ نحو 50 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ كان يعادل تقريبًا ثمن غرفتي نوم كاملتين آنذاك.

أما الأسر التي لم تكن قادرة على شراء هذا النوع، فكانت تتجه إلى السجاد العجمي، المعروف بجودته وصناعته من الصوف الطبيعي.

وجمع هذا السجاد بين قيمته المادية وقدرته على توفير الدفء شتاءً، لذلك كان يُفرش غالبًا في غرف الجلوس أو الضيوف.

سجادة تبريزي (ويكيبيديا)

«الفاترينا».. واجهة الجهاز

إذا كان السجاد يُحفظ بوصفه قيمة، فإن «الفاترينا» كانت الجزء الأكثر ظهورًا من الجهاز أمام الزائرات.

داخل الخزانة الزجاجية، كانت ترتب الكؤوس وأطقم الشاي والصحون والتحف الزجاجية و«الفازات»، لتبدو كأنها معرض صغير داخل غرفة الضيوف.

ولم يكن ترتيبها تفصيلًا عابرًا، إذ كانت كل قطعة توضع بعناية، ويعاد النظر في مكانها أكثر من مرة، لأن النساء اللواتي يزرن المنزل بعد الزواج لن يفتحن الخزائن، لكن أنظارهن ستقع مباشرة على «الفاترينا».

وكانت «الصمديات»، وهو الاسم الذي يطلق على ما يعرض فيها، تعكس الذوق، وأحيانًا المستوى الاقتصادي للأسرة أيضًا.

ذهبت بعض العائلات إلى دمشق بحثًا عن الزجاج «البوهيمي» أو الروسي، أو لشراء التحف من الأسواق القديمة، فيما اتجه كثير من الأهالي خلال التسعينيات إلى سوق عجم، بعد أن أصبحت هذه البضائع متاحة فيه، وإن اختلفت جودتها عن القطع الأصلية مرتفعة الثمن.

وكانت بعض الأمهات تمنح أبناءها قطعًا احتفظت بها سنوات طويلة، مثل أطقم «الأوبلي» و«المطبقية»، التي جمعت بين قيمتها المادية وما تحمله من ذكريات عائلية.

ولم يكن اهتمام النساء بـ«الصمديات» نابعًا من الفضول وحده، بل لأنها كانت جزءًا ظاهرًا من «جهاز العروس»، وتعكس مقدار ما بُذل في تجهيزه.

وفي الوقت نفسه، احتفظت هذه القطع بوظيفة اقتصادية أخرى، شأنها شأن الذهب والسجاد، إذ كان من الممكن بيعها إذا احتاجت الأسرة إلى المال.

وما تزال بعض السيدات تتذكر أسعارًا مرتفعة وصلت إليها أطقم زجاجية معينة، حتى إن بيع زوج من «الشيني» (أواني القيشاني) في مطلع الألفية كان يعادل نحو 12 ألف ليرة سورية، أي ما يوازي راتب موظف.

صمديات في أحد بيوت داريا في مطلع الألفية الثالثة – (أرشيف مأمون قصاص)

نموذج مزهرية أوبالين (Canva)

«اللحاشات» فوق الخزانة

من مكونات الجهاز التي بقيت عالقة في الذاكرة «اللحاشات»، وهي وسائد كبيرة وسميكة محشوة بالصوف ومغلفة بقماش «الساتان» المزخرف.

لم تكن مخصصة للنوم أو الاستعمال اليومي بسبب حجمها، بل كانت توضع فوق الخزانة بوصفها جزءًا من زينة الغرفة وعلامة على اكتمال الجهاز.

وكان القماش يُشترى من سوق عجم أو من أسواق دمشق، ثم يُخاط في المنازل أو لدى المنجد.

ويحضر في ذاكرة أبناء داريا هنا اسم المنجد صبري الصعبي، الذي كان يعمل بالقرب من جامع العباس، وكان يقصد بعض المنازل لتنجيد الفرشات.

وفي الفترة نفسها، كانت كثير من الفتيات يتعلمن التطريز، ويقضين أشهرًا في إعداد لوحات «الكنفة» بالخيوط والخرز لتعليقها على جدران غرفة العروس.

اختارت بعض الفتيات كتابة كلمات مثل «الله» و«محمد»، فيما فضلت أخريات رسومات للطبيعة أو الأشجار أو البحيرات.

وبعد انتهاء العمل، توضع اللوحة داخل إطار خشبي وتغطى بالزجاج، لتبقى سنوات جزءًا من ملامح الغرفة.

وكانت هذه الأعمال تُقرأ أيضًا كدليل على مهارة الفتاة ونشاطها والوقت الذي خصصته لإعداد بيتها.

ماري ووصال.. الخياطات في رحلة الجهاز

قبل انتشار الملابس الجاهزة على نطاق واسع، كانت الخياطة جزءًا أساسيًا من تجهيز العروس.

ولأن الجهاز كان يبدأ قبل الخطبة أحيانًا بسنوات، كانت الأمهات يشترين الأقمشة كلما توفرت القدرة المادية، ثم يحملنها إلى الخياطات لتتحول إلى فساتين و«بدلات» وملابس منزلية ومعاطف.

وتحتفظ الذاكرة الشفوية باسم الخياطة «ماري»، وهي سيدة مسيحية عملت في حارة الصخرة، واشتهرت بإتقان تفصيل فساتين النساء.

كما تتذكر النساء الخياطة «وصال»، التي كان محلها بالقرب من البلدية، وعُرفت أيضًا بتفصيل «الموانطي» الشتوية، حتى أصبحت مقصدًا لكثير من نساء المدينة.

ولم تكن زيارة الخياطة معاملة تنتهي بتسليم القماش واستلام الفستان.

كانت تبدأ باختيار الموديل ومناقشته، ثم تتكرر القياسات والتجارب قبل أن يصبح الفستان جاهزًا.

واستمرت هذه العادة حتى سنوات قريبة، قبل أن تتراجع مع ارتفاع أسعار الأقمشة وأجور الخياطة، وانتشار محال تأجير فساتين الأعراس.

وبدلًا من تفصيل عدد كبير من الفساتين، أصبحت أسر كثيرة تكتفي باستئجار فستان واحد، وهو تحول لم يغير طريقة تجهيز العروس فقط، بل طبيعة عمل الخياطات أنفسهن، إذ أصبحن يجمعن بين التفصيل وتأجير الفساتين وإجراء التعديلات عليها.

زبونات أثناء اختيار فساتين في محل لتفصيل وتأجير فساتين الأعراس بمدينة داريا – 1 تموز 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)

“المباركة”.. أسبوع من تبديل الفساتين

كان العرس ينتهي في ليلة، لكن «المباركة» كانت تستمر أسبوعًا.

خلال «أيام المباركة»، تستقبل العروس النساء اللواتي يأتين لتهنئتها، وكانت العادة تقضي بأن تغير ملابسها أمام المهنئات، فتظهر في كل زيارة تقريبًا بفستان مختلف.

ولهذا، لم يكن جهاز الملابس يقتصر على فستان أو اثنين، بل كانت أسر كثيرة تفصل عددًا كبيرًا من فساتين السهرة، بعضها من أقمشة مرتفعة الثمن.

وفي التسعينيات، وصل سعر متر بعض أنواع القماش إلى نحو خمسة آلاف ليرة سورية، وهو مبلغ كبير قياسًا بمستويات الدخل آنذاك.

وتتذكر إحدى السيدات تلك العادة بقولها: «كنا نلبس الفستان مرة واحدة… وبعدها يظل معلقًا في الخزانة سنين طويلة».

ومع الوقت، بدأ كثيرون ينظرون إلى هذه الممارسة بوصفها عبئًا من أعباء المظاهر الاجتماعية، إذ تُنفق مبالغ كبيرة على ملابس قد لا تستخدم بعد انتهاء أسبوع المباركة.

ومع تغير الظروف الاقتصادية، تراجعت العادة بصورة واضحة، وأصبح تفصيل سبعة أو ثمانية فساتين يفوق قدرة معظم الأسر.

كما تراجع عدد أيام المباركة منذ مطلع الألفية الحالية، حتى صار يومًا واحدًا لدى معظم الأهالي، بالتوازي مع انتشار استئجار فستان واحد للزفاف أو المباركة بدل تفصيل عدد كبير من الفساتين.

فساتين معروضة داخل محل لتفصيل وتأجير فساتين الأعراس في داريا – 1 تموز 2026 (عنب بلدي – نداء كناكرية)

الملابس تتغير مع المجتمع

كما تبدلت البيوت والأثاث، تغير لباس النساء أيضًا.

في جيل الأمهات والجدات، ظل «الغطا» و«الغطوة» جزءًا من اللباس التقليدي الذي لا تكاد المرأة تخرج من دونه.

لكن الثمانينيات شهدت تحولًا تدريجيًا، إذ بدأ الجيل الأصغر يتخلى عن تلك الأغطية التقليدية، ويتجه نحو المنديل الأسود الناعم أو الإيشارب الأبيض.

وعكس هذا التغير تبدل الذوق وتأثر المجتمع بأنماط لباس جديدة، مع استمرار حضور الاحتشام بوصفه جزءًا من ثقافة المدينة.

وفي مطلع الألفية الحالية، بدأ الانتقال أيضًا من تفصيل معظم الملابس لدى الخياطات إلى شراء الملابس الجاهزة، سواء من سوق عجم أو من أسواق دمشق، مثل سوق الحميدية ومنطقة الجسر الأبيض.

وتحتفظ ذاكرة الأهالي بصور مختلفة لعلاقة النساء بالسوق.

ففي بعض الأسر، كان الرجل يذهب إلى محل يعرفه ويعود بعدد من قطع الملابس إلى منزله، لتختار النساء ما يناسبهن من دون الذهاب إلى البائع، بسبب رفض رجل البيت خروج نسائه إلى الأسواق.

وفي أسر أخرى، كان الرجال أكثر مرونة، فيرسلون الزوجة أو نساء الأسرة إلى باعة موثوقين، وتأخذ النساء ما يحتجنه لتجهيز العروس، ثم تتم المحاسبة لاحقًا بين البائع والرجل.

«يوم الصمد».. حين يصل “الجهاز” إلى البيت

قبل الزفاف بثلاثة أو أربعة أيام، كانت العائلتان تتفقان على موعد «يوم الصمد»، وهو اليوم الذي تصل فيه رحلة الجهاز الطويلة إلى البيت الجديد.

منذ ساعات الصباح، تقف سيارة يقودها عادة أحد إخوة العروس، فيما تحمل النساء «البقج» وأكياس الملابس والأغراض التي جُمعت على مدى سنوات.

ويبدأ البيت باستقبال القريبات، الخالات والعمات وزوجات الإخوة والحموات، وأحيانًا جارات تربطهن بالعائلتين علاقة وثيقة.

ولم يكن حضور الجارات ثابتًا في كل المناسبات، بل كان يرتبط بطبيعة العلاقة بين الأسر والروابط داخل الحي، وقد تختلف الدعوة بحسب قرب الجارة من العائلة.

أما الرجال، من أهل العريس أو أصدقائه، فكانوا يتولون غالبًا نقل الموبيليا والأدوات الكبيرة، ومنها الأجهزة الكهربائية التي كان أهل العريس يتكفلون بها.

وبمجرد وصول الجهاز من بيت أهل العروس، يتحول المنزل إلى مساحة تكاد تكون نسائية بالكامل.

تنشغل النساء بترتيب الخزائن، وتصفيف الملابس، وطوي الأغطية، وتعليق المناشف، ووضع الأواني داخل «الفاترينا» وخزائن المطبخ، وفرش الأدراج بالأغطية المطرزة.

ولا تتولى امرأة واحدة كل ذلك، فهذه تعيد ترتيب أحد الرفوف، وأخرى تقترح تغيير مكان الصحون، وثالثة ترى أن طريقة مختلفة لعرض الكؤوس أجمل.

ولا يخلو المشهد من نوع من الاستعراض الاجتماعي، إذ تحاول كل واحدة أحيانًا إثبات أن طريقتها في الترتيب أفضل، لكن ذلك يبقى في كثير من الحالات ضمن الحدود المقبولة بين العائلتين، ويتحول إلى مزاح وضحك.

الغداء جزء من الصمد

وسط انشغال النساء بترتيب الجهاز، كانت رائحة الطعام تملأ البيت.

وقبل انتشار المطاعم والأطعمة الجاهزة في التسعينيات، كان غداء «يوم الصمد» يعد كاملًا في المنزل، وتتولى نساء العائلة تجهيزه منذ الصباح لاستقبال المشاركات.

ومن أكثر الأطباق حضورًا الشاكرية مع الأرز، أو الأرز بالفاصولياء، أو الأرز بالبازلاء، وهي أطعمة قادرة على إطعام عدد كبير من النساء في يوم طويل من العمل.

ولم يكن الغداء مجرد استراحة بين مراحل نقل الجهاز وترتيبه.

كان فرصة تجلس فيها نساء العائلتين إلى مائدة واحدة ويتبادلن الحديث، بما يزيد التعارف بين أفراد أسرتين ستجمعهما مناسبات وعلاقات خلال السنوات اللاحقة.

في داريا لا يُعرض الجهاز للفرجة

في مدن سورية كثيرة، ارتبط نقل الجهاز بعرض محتوياته أمام الحاضرين.

تُعلق الملابس على «علاقات»، وتُصف الأحذية والحقائب، وقد تُعرض حتى الجوارب وربطات الشعر والملابس الداخلية، بما يسمح للجميع برؤية كل ما اشترته الأسرة.

أما داريا، فاحتفظت، وفق الروايات الشفوية، بعادة مختلفة.

لم يكن الجهاز يُعرض بصورة مقصودة للفرجة، بل تدخل الملابس مباشرة إلى الخزائن، وتوضع الأغطية في أماكنها، وتصف الأواني داخل المطبخ، فيما ترى النساء فقط ما يظهر طبيعيًا داخل البيت، وفي مقدمته «الفاترينا» و«الصمديات» الموجودة فيها.

وعكس ذلك درجة أعلى من التحفظ تجاه خصوصية البيت، إذ لم يكن الهدف من يوم الصمد عرض قيمة الجهاز بقدر ما كان تجهيز المنزل لاستقبال العروس.

العروس الغائبة عن يومها

على الرغم من أن كل ما يحدث في «يوم الصمد» يدور حولها، فإن العروس نفسها كانت الشخصية الوحيدة التي تغيب عنه.

لم يكن حضورها إلى بيتها الجديد في ذلك اليوم مقبولًا وفق عادات داريا.

وتتذكر إحدى السيدات: «ما كان يصير للعروس أن تدخل إلى البيت، بل تبقى عند أهلها».

ولم يكن الأمر قاعدة مكتوبة، بل جزءًا من مفهوم الحياء الاجتماعي الذي حكم كثيرًا من تفاصيل الزواج.

تبقى العروس في منزل أهلها، بينما تنقل نساء العائلتين أغراضها وترتب منزلها، ثم تنتظر ليلة الزفاف لتدخله للمرة الأولى وهي عروس.

المفتاح مع أم العروس

وفي بعض العائلات، كان التحفظ يمتد خطوة أخرى.

بعد انتهاء النساء من ترتيب الجهاز، كانت بعض الأمهات من طرف العروس تغلق باب غرفة العروس بالمفتاح وتأخذ المفتاح معها.

لم يكن الهدف حماية الأثاث من السرقة، بل حماية خصوصية الجهاز بعد انتهاء يوم الصمد.

فقد كانت بعض النساء الفضوليات قد يعدن إلى الغرفة لتفحص محتوياتها، ومقارنة جهاز عروس بجهاز أخرى، والتعليق على ما ينقص أو يزيد.

ولذلك، فضلت بعض الأمهات إغلاق الباب وإنهاء هذه المقارنات قبل أن تبدأ.

من سنوات الادخار إلى بيت جاهز

مع تغير أنماط السكن، وتراجع الأسرة الممتدة، وانتشار الأثاث والملابس الجاهزة، تبدلت كثير من تفاصيل «جهاز العروس» في داريا.

اختفى بعضها، مثل الحاجة إلى تجهيز أعداد كبيرة من الفساتين، وتراجع بعضها الآخر، مثل «أسبوع المباركة»، فيما تغيرت وظائف مهن كاملة، ومنها الخياطة التي انتقلت من تفصيل معظم ملابس العروس إلى الجمع بين التفصيل والتأجير والتعديل.

وتغيرت كذلك العلاقة بالأثاث والذهب والصمديات، مع تغير القدرة الشرائية وطريقة تأسيس البيوت.

لكن الذاكرة الشفوية ما تزال تحفظ رحلة الجهاز بتفاصيلها، من أول قطعة قماش تشتريها الأم، إلى الذهب الذي قد يتحول لاحقًا إلى رأس مال للأسرة، والسجادة التي تبقى ملفوفة، والفاترينا التي تُرتب قبل وصول الزائرات، واللحاشات فوق الخزانة، والفساتين التي تُجهز لأسبوع المباركة.

ثم يأتي «يوم الصمد»، فتصل الأغراض التي جُمعت على مدى سنوات إلى البيت الجديد، ترتبها نساء العائلتين، بينما تبقى العروس في منزل أهلها حتى ليلة الزفاف.

هكذا، كان تجهيز البيت يبدأ في داريا قبل الزواج بوقت طويل، أحيانًا منذ اللحظة التي تضع فيها الأم قطعة قماش أو سوارًا أو طقمًا زجاجيًا جانبًا، على أمل أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه جزءًا من «جهاز ابنتها».

مقالات ذات صلة

زراعة العنب في داريا.. هوية المدينة وأساس كرومها

من البساتين إلى الكتل الإسمنتية.. كيف أعادت مخططات التنظيم رسم داريا

بعدسة «أبو عبدو».. كيف تغيرت أعراس داريا في أربعة عقود