تجمع عدد من أهالي حي الخليج أمام مبنى بلدية داريا، الخميس 13 من آب، للمطالبة بحسم مصير أراضيهم ومنازلهم والسماح لهم بالعودة إليها، في تحرك جديد بعد أشهر من مراجعة الجهات المحلية وتشكيل لجنة لمتابعة الملف، من دون صدور القرار التنظيمي الذي تنتظره المنطقة حتى الآن.
وتحدث سكان قابلتهم عنب بلدي خلال التجمع عن استمرار دفع الإيجارات والتنقل بين المنازل منذ تهجيرهم من المنطقة، بينما قال بعضهم إنهم مستعدون للعودة إلى أراضيهم وإعادة البناء بإمكاناتهم الخاصة إذا سُمح لهم بذلك، بدل انتظار مشروع تنظيمي لا يعرفون موعد تنفيذه.
وبحسب الأهالي، لم يحصلوا خلال مراجعتهم البلدية على موعد نهائي لحسم الملف، وتراوحت المدد التي نقلوها عن المسؤولين بين نحو عشرة أيام وشهر، مع تأكيد أن القرار لم يعد بيد البلدية.
وقال رئيس بلدية داريا لعنب بلدي، عقب الوقفة، إن الإجراءات المتعلقة بالمشروع انتهت على مستوى محافظة ريف دمشق، وإن الملف أصبح لدى الجهات الرئاسية بانتظار إصدار المرسوم التنظيمي، متوقعًا أن تظهر نتائج الملف «قريبًا جدًا»، من دون أن يحدد موعدًا رسميًا لذلك.
وكانت بلدية داريا قالت لعنب بلدي في تموز الماضي إن الإجراءات الفنية المتعلقة بتوثيق الملكيات أصبحت جاهزة، لكن الانتقال إلى المراحل التالية مرتبط بصدور المرسوم التنظيمي، وإن اللجنة القضائية المختصة لا تستطيع بدء عملها قبل توفير الإطار القانوني لذلك.
«الإيجارات ذبحتنا»
محمد ماهر الرجوب، من سكان حي الخليج، قال لعنب بلدي إن الأهالي اجتمعوا وراجعوا البلدية مجددًا، وطُلب منهم الانتظار مدة إضافية على أمل حدوث تطور في الملف.
وأضاف أن معظم مناطق داريا شهدت عودة سكان إلى أراضيهم، بينما ما يزال سكان الخليج غير قادرين على العودة إلى ملكياتهم أو البناء فيها، رغم مرور سنوات على تهجيرهم وتدمير منازلهم.
ويعيش الرجوب، شأنه شأن عدد من السكان الذين تحدثوا لعنب بلدي، في منزل مستأجر.
وقال إن استمرار الإيجارات أصبح العبء الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى العائلات، مضيفًا: «الإيجارات ذبحتنا».
وبحسب الرجوب، تناول اللقاء مع البلدية أيضًا مستقبل المنطقة في حال تنظيمها، وإمكانية حصول المالكين على أسهم عقارية بدل إعادة كل عقار إلى وضعه السابق.
وأبدى تخوفه من بيع الأهالي ملكياتهم حاليًا بأسعار منخفضة تحت ضغط الحاجة، وقال إن السكان تلقوا نصائح بعدم البيع في المرحلة الحالية، في ظل وجود تجار يسعون، وفق قوله، إلى شراء الأراضي قبل اتضاح مستقبل المشروع.
وأوضحت البلدية سابقًا أن وقف البيع والشراء في أرض الخليج يهدف إلى الحد من المضاربات العقارية ومنع تعقيد أوضاع الملكيات قبل صدور القرار التنظيمي، كما أبدت خشيتها من تأثر أصحاب الملكيات الصغيرة في حال اعتماد نموذج استثماري مرتفع الكثافة.
«أعطوني أرضي ازرعها»
لا يطالب جميع السكان بانتظار مشروع عمراني جديد.
نعيم أبو اللبن، من سكان الخليج، قال لعنب بلدي إنه يريد استعادة أرضه حتى لو بقيت بوضعها الزراعي، ولا يريد انتظار تنفيذ تنظيم قد يستغرق سنوات.
وأضاف أن أبناءه الذين كانوا أطفالًا عند خروج العائلة أصبحوا شبابًا، بينما ما تزال الأسرة تدفع الإيجار وتنتظر العودة.
وقال: «أعطوني أرضي أزرعها»، مضيفًا أنه مستعد لوضع مسكن مؤقت فيها أو زراعتها، وإن الأولوية بالنسبة إليه هي الخروج من الإيجار واستعادة القدرة على التصرف بأرضه.
وقدر أبو اللبن ما تدفعه أسرته للإيجار بنحو 300 دولار شهريًا.
وتكررت الفكرة نفسها في شهادات أخرى، إذ قالت إحدى السيدات من سكان المنطقة لعنب بلدي إنها لا تطالب بأن تبني الجهات الرسمية منزلًا لها، وإنما بالسماح لها بالعودة إلى أرضها لتدبر العائلة أمر البناء ولو بصورة محدودة.
وقالت إنها تقيم حاليًا في منطقة مساكن المشاريع بدمر، وتحتاج إلى استخدام ثلاث وسائل نقل للوصول إلى داريا، بينما تنتظر منذ سنوات السماح لها بالعودة.
موعد ينتقل من شهر إلى آخر
فاتن علي قاسم، وهي من سكان الخليج وعضو في اللجنة الأهلية التي تتابع الملف، قالت لعنب بلدي إن المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الأهالي هي غياب إجابات تحدد موعد العودة.
وأضافت أن السكان يسمعون عن عودة قادمة، لكنهم لا يرون حتى الآن خطوات على الأرض تحدد متى وكيف ستتم.
محمد نذير كريّم، وهو أيضًا من سكان المنطقة، قال إن الأهالي راجعوا رئيس البلدية وسألوا عن موعد التنظيم، وإن الرد الذي تلقوه يفيد بأن المشروع رُفع إلى الجهات الأعلى وما يزال بانتظار القرار.
وأضاف أن أسرته تدفع نحو 250 دولارًا شهريًا بدل إيجار، معتبرًا أن استمرار هذه النفقات بعد سنوات طويلة من التهجير استنزف السكان.
وطالب إما بالإسراع في المشروع وتسليم السكان حقوقهم ضمنه، أو إيجاد مساكن لهم إلى حين إنجازه.
كما تحدث رجل مسن خلال التجمع عن تكرار مراجعاته للبلدية من دون الحصول على تاريخ نهائي، وقال إن رئيس البلدية أخبر الأهالي بأنه لا يستطيع منحهم موعدًا مرتبطًا بقرار ليس من صلاحياته.
البلدية: الإجراءات في المحافظة انتهت
في مقابل حديث السكان عن غياب موعد واضح، قال رئيس بلدية داريا لعنب بلدي إن وفدًا من أهالي الخليج التقى البلدية خلال الوقفة، وإنه أُبلغ بآخر ما وصل إليه ملف المنطقة بعد التواصل مع محافظة ريف دمشق.
وأوضح أن الإجراءات المتعلقة بالمشروع «انتهت» على مستوى المحافظة، وأن الملف أصبح، بحسب معلومات البلدية، لدى الجهات الرئاسية لإصدار المرسوم التنظيمي.
ولم يقدم رئيس البلدية موعدًا محددًا لصدور المرسوم، وقال إنه لا يوجد حاليًا موعد رسمي يمكن إبلاغ السكان به، لكنه توقع صدوره «قريبًا جدًا».
وبحسب رئيس البلدية، من المفترض أن تبدأ بعد صدور المرسوم الإجراءات المتعلقة بإثبات الملكيات، إلى جانب الانتقال إلى تنفيذ البنية التحتية والاستعانة بالشركات في مراحل التنفيذ.
وأشار إلى أن البلدية تدرك أسباب قلق الأهالي، ولا سيما استمرارهم في دفع الإيجارات، إلى جانب خشيتهم من أن يستغرق المشروع سنوات طويلة.
واستحضر في هذا السياق تجارب تنظيمية سابقة بدأت منذ أكثر من عقد وما تزال تواجه مشكلات، وقال إن العمل يجري لتجنب تكرار هذه المشكلات في مشروع الخليج، بحيث يكون التنظيم، بحسب تعبيره، في مصلحة سكان المنطقة والجهات العامة.
ليست الوقفة الأولى
تحرك الخميس ليس الأول لسكان الخليج خلال الأشهر الماضية.
ففي 22 من أيار الماضي، تجمع عشرات السكان أمام المنطقة المهدمة وطالبوا بالسماح لهم بالعودة إلى بيوتهم وأراضيهم أو تقديم حل مؤقت يخفف أعباء الإيجارات.
وتحدث سكان حينها عن مطالب مشابهة لما طرحوه في آب، وهو السماح بإعادة البناء، أو تقديم مساكن بديلة أو بدل إيجار، أو تحديد مسار واضح لتنظيم المنطقة بدل إبقاء أصحاب الملكيات في انتظار مفتوح.
وقال رئيس البلدية خلال تلك الوقفة إن ملف حصر الملكيات أُنجز، وإن تشكيل اللجنة القضائية مرتبط بصدور التنظيم النهائي، لأن تثبيت الملكيات قبل معرفة مصير المشروع قد يؤدي إلى مشكلات قانونية وتنظيمية لاحقًا.
وفي 30 من حزيران، عقدت اللجنة الأهلية التي شكلها أصحاب العقارات أول اجتماع لها مع البلدية، وطالبت بالإسراع في إصدار القرار التنظيمي وتثبيت الملكيات وإزالة الأنقاض وتعويض المتضررين.
كما طرحت اللجنة ثلاثة مسارات لحسم مستقبل المنطقة: تنظيمها من المحافظة، أو تولي البلدية تنظيمها، أو السماح للمالكين بإعادة إعمار عقاراتهم بإشراف البلدية.
وقالت البلدية حينها إنها انتهت من توثيق الملكيات المسجلة في السجل العقاري وأرشفة العقود والوكالات والأحكام القضائية، لكنها لا تستطيع اعتماد هذه الوثائق رسميًا قبل صدور المرسوم وتفعيل اللجنة القضائية.
ملف وصل إلى الرئاسة
لم يبق ملف الخليج محصورًا ضمن بلدية داريا ومحافظة ريف دمشق.
فخلال لقاء وفد من داريا مع الرئيس أحمد الشرع في 9 من حزيران الماضي، كان مشروع الخليج من أبرز الملفات التي طرحها الوفد.
وقال محمد جمال الدين، الذي شارك في اللقاء، لعنب بلدي حينها إن الشرع وصف المشروع بأنه «مهم واستراتيجي»، وإنه اطلع على الدراسة المقدمة بشأنه، لكنه أشار إلى وجود نواقص تحتاج إلى استكمال.
وفي إفادات الأهالي خلال تجمع الخميس، تكرر الحديث عن أن الملف أصبح لدى الرئاسة، وأن البلدية لا تستطيع تحديد موعد للقرار.
حي أزيلت معالمه
تختلف مشكلة الخليج عن كثير من مناطق داريا التي تدور مطالب سكانها حول ترميم الأبنية المتضررة أو إعادة الخدمات إليها.
فالمنطقة تعرضت لعمليات هدم وتجريف واسعة خلال سنوات الحرب، وسبق لعنب بلدي أن وثقت شهادات لأهالٍ قالوا إن التجريف بين عامي 2013 و2016 شمل إزالة أبنية وتسوية أراضٍ وحفر خنادق وإقامة سواتر ترابية، في منطقة متاخمة لمطار المزة العسكري.
وتعود القيود على المنطقة إلى ما قبل عام 2011، بسبب موقعها المحاذي للمطار، ثم اتسعت خلال الحرب. وبعد عودة السكان تدريجيًا إلى داريا، بقيت الخليج من المناطق التي لا يستطيع أصحاب الملكيات فيها إعادة البناء أو الترميم.
وكانت عنب بلدي قد وثقت عام 2023 قدرة أصحاب عقارات في المنطقة على التحقق من استمرار ملكياتهم في السجلات، لكنهم لم يتمكنوا من إعادة تأهيل المنازل أو التصرف بها، في وقت أدت القيود القانونية والأمنية وعدم وضوح مستقبل التنظيم إلى ضغوط على سوق العقارات في المنطقة.
وبعد سقوط نظام الأسد، انتقل الملف من القيود الأمنية التي كانت تمنع العودة إلى سؤال مختلف يتعلق بكيفية تثبيت الحقوق وإعادة تنظيم مساحة تغيرت معالمها العمرانية بصورة واسعة.
بين الأرض والمشروع التنظيمي
حتى الآن، يبدو التباين بين ما يريده الأهالي وما تتيحه الإجراءات الرسمية مرتبطًا بالوقت بقدر ارتباطه بشكل الحل.
فعدد من السكان الذين التقتهم عنب بلدي أمام البلدية لا يرفضون حصولهم على حقوقهم ضمن مشروع تنظيمي، لكنهم يقولون إنهم لا يستطيعون الاستمرار سنوات إضافية في دفع الإيجارات من دون معرفة موعد التنفيذ، بينما يطالب آخرون بتسليمهم أراضيهم فورًا وترك إعادة البناء لهم.
في المقابل، يقول رئيس بلدية داريا إن الإجراءات المتعلقة بالمشروع انتهت على مستوى محافظة ريف دمشق، وإن الملف بات لدى الجهات الرئاسية بانتظار إصدار المرسوم التنظيمي، من دون وجود موعد رسمي لصدوره.
ولا يعني صدور المرسوم، وفق ما شرحته البلدية سابقًا، عودة السكان بصورة فورية، إذ تليه إجراءات تشمل نشر المخطط واستقبال الاعتراضات وإثبات الملكيات، ثم تحديد حجم الأنقاض وترحيلها، وتنفيذ البنية التحتية واختيار الجهات المنفذة.