زراعة العنب في داريا.. هوية المدينة وأساس كرومها

عناقيد العنب البلدي متدلية من عريشة في أرض النباعات شرقي داريا - تموز 2026 (عنب بلدي)

ليست زراعة العنب في داريا مجرد نشاط زراعي أو مصدر للرزق، بل ارتبطت على مدى أجيال بطريقة عيش السكان واقتصاد أسرهم ومؤونتهم المنزلية، وبأسماء الأراضي والقنوات ومواسم العمل، حتى أصبحت «الدالية» و«العريشة» جزءًا من صورة المدينة وهويتها الزراعية.

وما تزال زراعة العنب مستمرة في داريا حتى اليوم، وإن تقلصت مساحاتها وتراجع الاهتمام بها مقارنة بما عرفته المدينة في عقود سابقة.

ولا يزال المزارعون يخدمون الدوالي ويقلمونها ويقطفون محصولها، بينما بقيت أسماء الأصناف وطرق الزراعة والتصنيع المنزلي محفوظة لدى جيل من الفلاحين، في وقت تراجعت فيه ممارسات أخرى أو تغيرت مع تبدل مصادر المياه ووسائل الري والتسويق.

وشهدت هذه الزراعة تحولًا واسعًا منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، مع التوسع في إنشاء «العرايش» والاعتماد المتزايد على الآبار الارتوازية، ما أتاح وصول المياه إلى أراض كانت بعيدة عن مصادر الري أو تعتمد الزراعة البعلية.

ثم بدأ شح المياه وجفاف عدد من القنوات القديمة يظهر بوضوح منذ أواخر الثمانينيات، قبل انتشار الري بالتنقيط خلال التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة.

ورغم ارتفاع التكاليف وتراجع المياه، ظلت بساتين العنب الداراني حاضرة في الأسواق المحلية، ودخل إنتاجها بصورة أوسع في تجارة التصدير خلال التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، قبل أن تتعرض مساحات واسعة من البساتين والكروم للأضرار خلال العمليات العسكرية التي شهدتها داريا منذ عام 2012، بفعل القصف وتجريف الأراضي وانقطاع المياه وقطع الأشجار وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية.

تستعيد عنب بلدي في هذا التقرير تاريخ زراعة العنب في داريا وتحولاتها، وأصنافها المحلية، وطرق خدمة الكروم وريها وإكثار الدوالي، والصناعات المنزلية المرتبطة بالمحصول، وصولًا إلى مواسم القطاف والتسويق وانتقال خبرة فلاحي المدينة إلى مناطق أخرى.

وتستند المادة إلى معلومات جمعتها عنب بلدي من مصادر متعددة، وإلى شهادتين توثيقيتين مع اثنين من فلاحي داريا القدامى والعارفين بتاريخها الزراعي، سعيد خشفة «أبو محمد» وإبراهيم طه «أبو علي»، اللذين عاصرا مراحل مختلفة من هذه الزراعة وتغيراتها التقنية والاقتصادية.

أكثر من مئتي عام في ذاكرة الفلاحين

يقول سعيد خشفة إن شهرة داريا بزراعة العنب والعناية بكرومه تمتد، بحسب ما توارثه المزارعون، إلى أكثر من مئتي عام، وإن المدينة عُرفت بين قرى وبلدات غوطة دمشق وخارجها بأنها من أكثر المناطق اهتمامًا بهذه الزراعة وتخصصًا فيها.

ويرى خشفة أن جودة العنب الداراني وطعمه المتوازن وشكل عناقيده جعلاه معروفًا في الأسواق، إلى درجة أن موسم العنب في المنطقة ارتبط، في ذاكرة المزارعين، باسم داريا ومحصولها.

ويربط خشفة وإبراهيم طه شهرة المدينة بالعنب بعاملين متكاملين، وفرة المياه التي وصلت إلى الأراضي الزراعية من جهة، والعمل المتواصل الذي بذله الفلاحون في خدمة «الدوالي» من جهة ثانية.

وبحسب خشفة، كانت أراضي داريا تُروى قديمًا عبر 14 قناة للمياه تتفرع من نهري بردى والأعوج، ما منح أراضيها حصة مائية وفيرة مقارنة بعدد من المناطق المجاورة، وأسهم في استمرار البساتين واتساعها.

ويستعيد طه أسماء عدد من هذه القنوات، في مقدمتها «مسعودة»، التي يصفها بأنها من أكبر قنوات داريا وأكثرها شهرة وأهمية.

كما يذكر قناة «شواقة»، التي كانت تتميز ببحيرة كبيرة محفورة في التربة، ويتذكر أن الفلاحين ظلوا حتى سبعينيات القرن الماضي يشاهدون الثعابين المائية فيها.

وكانت مياه القناة تمتد إلى أراض باتجاه صحنايا، حيث امتلك بعض فلاحي داريا أراضي زراعية أيضًا.

ويذكر كذلك قناة «المرجات»، التي كانت تنبع من أرض «المشرِّق»، وتحديدًا من منطقة «النبّاعات»، وتمتد أجزاء منها تحت الأرض عبر مغارات وأنفاق محفورة لتروي أراضي «الزوايا» والمناطق المحيطة بها، إلى جانب قناة «الشبوري» في منطقة المشرِّق التي كانت تسقي الأراضي المحيطة بها.

ويقول طه إن بساتين داريا ضمت أيضًا قنوات قديمة محفورة تحت الأرض يصفها بأنها رومانية، لكنها أُهملت وردمت تدريجيًا مع انتشار الآبار الارتوازية والغطاسات.

ولم تقتصر استثمارات فلاحي المدينة على داريا نفسها، إذ يقول طه إن مزارعين من داريا كانوا يمتلكون ويستثمرون أراضي في مناطق مجاورة، منها صحنايا والجديدة، قبل التسعينيات بسنوات طويلة.

«مشرِّق» و«مغرِّب»

كان التقسيم الزراعي لأراضي داريا مرتبطًا بطبيعة الأرض ومصادر المياه ونوع المحاصيل.

بحسب طه، انتشرت في أراضي «مشرِّق» داريا دوالي العنب إلى جانب الأشجار المثمرة التقليدية، ومنها الجوز والتوت والزيتون والتفاح السكري والتفاح الزبداني والتفاح الصغير، إضافة إلى الدراق والجانرك وغيرها.

أما أراضي «مغرِّب» داريا، فكانت تستثمر بكثرة في الأشجار المثمرة، إلى جانب مساحات تزرع بعليًا بالقمح واليانسون والشعير.

ومع مطلع سبعينيات القرن الماضي، تغيرت صورة أجزاء واسعة من هذه الأراضي مع التوسع في حفر الآبار الارتوازية ووصول المياه إلى مساحات كانت بعيدة عن القنوات، فتحولت أراض بعلية إلى بساتين مروية وانتشرت فيها «عرايش» العنب.

ولا يعني ذلك أن العرايش ظهرت في السبعينيات، إذ كانت موجودة قبل ذلك في بساتين داريا، ولا سيما في الجهة الشرقية، لكن هذه المرحلة شهدت طفرة واضحة في مساحاتها مع ارتفاع مستوى المعرفة الزراعية واتساع القدرة على ضخ المياه من الآبار.

ويضيف خشفة أن الفلاح الداراني عُرف بكثافة العمل في أرضه، وأن الدالية لا تُترك من دون خدمة في أي فصل تقريبًا، بين الزبارة (التقليم) والحراثة وتنظيف الأرض والري والتسميد ومكافحة الآفات.

وظل إنتاج بساتين داريا من العنب حاضرًا بقوة في السوق الدمشقي، ثم صار مطلوبًا بصورة أكبر للتصدير منذ التسعينيات وحتى مطلع الألفية الثالثة.

أصناف لا يشبه بعضها بعضًا

اشتهرت داريا بعدد من أصناف العنب التي يعدها المزارعون قديمة ومتوارثة، إلى جانب أصناف دخلت في مراحل لاحقة وانتشرت استجابة للسوق.

ويقول خشفة وطه إن لكل صنف شكلًا وطعمًا ولونًا ودرجة حلاوة وقوامًا واستخدامًا يميزه عن غيره، وإن خبرة الفلاح كانت تتيح له التمييز بين الأصناف من الحبة والعنقود والورقة وموعد النضج.

العنب البلدي

يعد «البلدي» من الأصناف الأساسية والأكثر انتشارًا في داريا.

حباته ممتلئة ذات شكل طولي مضلع، أو «مضلعة من الطرفين» بحسب وصف المزارعين، ويكون لونها في بداية النضج أبيض مائلًا إلى الزرقة، ثم يتحول مع اكتمال النضج إلى الأصفر مع بقاء شيء من الزرقة.

ويمتلك البلدي طعمًا سكريًا واضحًا وقوامًا صلبًا «يقرمش» عند الأكل، وكان من الأصناف الأساسية للمائدة والضيافة والمناسبات.

أما أوراقه، فطرية وناعمة وخضراء مائلة إلى الزرقة، وتستخدم في الطبخ.

العنب الزيني

يشبه الزيني البلدي في الشكل العام واللون، لكن حباته أنحف وطويلة وغير مضلعة، وناعمة الملمس، ويصفها المزارعون بأنها صافية «كقوارير البلور أو الماس».

ويصف خشفة الزيني بأنه من أشد الأصناف حلاوة، بل يرى أن حلاوته تتفوق على عدد كبير من الأنواع الأخرى، ويكون لونه أبيض ثم يميل إلى الأصفر عند اكتمال النضج.

ولا تقتصر قيمته على ثمرته، إذ تتميز أوراقه بأنها من أطرى وأجود وأغلى أوراق العنب المستخدمة لإعداد محشي «اليبرق»، وكان سعر الورق الزيني يفوق، بحسب المزارعين، أوراق أصناف أخرى في السوق.

ويستخدم الزيني للأكل الطازج والتصدير، كما يدخل في صناعة الدبس والزبيب.

العنب الحلواني

يعد خشفة وطه «الحلواني» من أغلى أصناف عنب داريا وأعلاها قيمة تجارية.

تتميز عناقيده بكبر الحجم والكثافة، وحباته كروية كبيرة ذات لون أحمر تمري جذاب.

ويمتلك الحلواني قوامًا صلبًا ومقرمشًا، مع حلاوة معتدلة، ويقول خشفة إن هذه الحلاوة تسمح بأكل كمية منه من دون أن تصبح حلاوته جارحة أو تسبب الشعور بالثقل بسرعة.

ولهذا كان الحلواني من الأصناف الأساسية في المناسبات والأعراس، ومن أكثرها طلبًا لدى تجار التصدير.

الأسود الرومي والإفرنجي

ينقسم العنب الأسود، في ذاكرة مزارعي داريا، إلى أصناف عدة، من أبرزها «الرومي» و«الإفرنجي».

الأسود الرومي ذو حبات بيضوية كبيرة الحجم، تتحول إلى الأسود الداكن عند تمام النضج، ويتميز بقوام متماسك وحلاوة متوازنة.

أما «الإفرنجي»، فهو صنف مبكر النضج، ويبدأ قطافه، بحسب طه، منذ نحو منتصف تموز، أي قبل عدد من الأصناف الأخرى بنحو شهر.

وتكون حباته صغيرة ومتراصة في العنقود، يشبهها المزارعون بحبات الذرة، وطعمه يجمع بين الحموضة والحلاوة.

وتتميز دالية أو عريشة الإفرنجي بورق سميك ذي خملة ناعمة، يشبهها طه بقماش المخمل.

الأحمر وتنوعاته

لا يشير «العنب الأحمر» في اصطلاح فلاحي داريا إلى صنف واحد.

يفصل طه بين «الأحمر الديراني» وعدد من الأصناف الأخرى، ويصف الديراني بأنه الصنف الأحمر الأصيل في داريا، بحبات مستديرة متوسطة الحجم، أصغر من الحلواني، ولون أحمر داكن نسبيًا، مع رائحة زكية وحلاوة واضحة.

ويذكر أيضًا «الأحمر المعراوي» و«الأحمر الدوماني»، وهما صنفان زُرعا في أراضي داريا ويختلفان في درجات اللون وشكل الحبة وحجمها.

أما «الزيني الأحمر»، فيقول المزارعان إنه لم يكن من الأصناف القديمة جدًا في داريا، وبدأ دخوله بصورة محدودة، إذ امتلك بعض المزارعين في البداية عريشة أو عريشتين منه، قبل أن يتوسع تجاريًا خلال التسعينيات بعد أن لاقى رواجًا وارتفعت أسعاره.

ويعرفه بعض الفلاحين باسم «بزاز الكلبة»، ويقول خشفة إن هذا النوع يدخل أيضًا في صناعة الدبس.

«الدربلي»

«الدربلي» عنب أبيض، حباته متوسطة وكروية.

ولم يكن المزارعون يتوسعون في زراعته بمقدار البلدي والزيني، إذ كان يزرع غالبًا لأغراض محددة، منها صناعة الدبس والزبيب.

ودخلت إلى داريا في مراحل لاحقة أصناف حديثة قيل إنها أكثر قدرة على تحمل نقص المياه والجفاف، لكن خشفة يقول إن بعضها لم يلق قبولًا بسبب مذاقه، واصفًا طعم أحدها بأنه «يشبه الطين».

ولذلك لم تستمر زراعة هذه الأصناف طويلًا، بينما يرى أن الأصناف التقليدية أثبتت قدرة أكبر على البقاء والاستمرار والإنتاج الجيد على المدى الطويل.

جدول مقارنة تفصيلي لأصناف عنب داريا

اسم الصنف اللون والشكل الخارجي قوام الثمرة والمذاق خصائص الورق واستخداماته الغرض التسويقي والتصنيعي
البلدي أبيض مائل إلى الزرقة في بداية النضج، ثم يميل إلى الأصفر، وحباته طولية ومضلعة. سكري واضح الحلاوة، وقوامه صلب «يقرش» عند الأكل. أوراقه طرية وناعمة وخضراء مائلة إلى الزرقة، وتستخدم في الطهي. للمائدة وضيافة المناسبات.
الزيني أبيض يميل إلى الصفرة عند النضج، حباته نحيفة ومستطيلة وغير مضلعة. شديد الحلاوة، ناعم وقوامه مقرمش. من أطرى وأجود وأغلى أوراق العنب لإعداد «اليبرق». للمائدة والتصدير وصناعة الدبس والزبيب.
الحلواني أحمر تمري، حباته كروية كبيرة وعناقيده كبيرة وكثيفة. حلاوته معتدلة، وقوامه صلب ومقرمش. أوراقه سميكة شقراء وقريبة من أوراق البلدي. من أعلى الأصناف قيمة، ويطلب للمناسبات والتصدير الخارجي.
الأحمر الديراني أحمر داكن، وحباته مدورة ومتوسطة الحجم. حلاوته واضحة وله رائحة زكية. أوراقه خضراء داكنة ذات تخريمات صغيرة. للدبس والزبيب والحصرم، وتشتريه المعاصر أيضًا.
الأسود الرومي أسود داكن عند النضج، وحباته كبيرة وبيضوية. حلو ومتوازن، وقوامه متماسك. — للاستهلاك والتصنيع.
الأسود الإفرنجي أسود، حباته صغيرة ومتراصة في العنقود كحبات الذرة، وهو مبكر النضج. يجمع بين الحموضة والحلاوة. أوراقه سميكة ذات خملة ناعمة تشبه المخمل. للحصرم والزبيب، وتشتريه بعض المعاصر.
الدربلي أبيض، وحباته متوسطة وكروية. معتدل الطعم. — يستخدم خصوصًا في صناعة الدبس والزبيب.

اصناف مختلفة من عنب داريا – تموز 2026 (عنب بلدي)

سنة كاملة لخدمة الدالية

لا تبدأ خدمة العنب عند القطاف، بل تمتد طوال العام بين الحراثة والتقليم والتسميد والري وتنظيف الأرض وربط الأغصان ومراقبة الأمراض والآفات.

الحراثة بـ«المُرّ» وحماية الجذور

يحرث مزارعو داريا أرض الكرم عادة مرة واحدة في العام، بعد انتهاء الشتاء، واعتمدوا طويلًا على أداة يدوية تسمى «المُرّ».

تشبه الأداة «الكريك» من حيث المقبض والساعد، لكن رأسها الحديدي مثلث ومدبب.

ويشرح طه أن استخدام «المُرّ» ارتبط بطبيعة جذور الدالية، التي تكون قريبة من سطح التربة وتمتد أفقيًا، ولذلك يرى أن استخدام محراث آلي أو «فرامة» بصورة عميقة قد يقطع هذه الجذور، ويمكن أن يؤدي، بحسب تجربته، إلى إضعاف الدالية أو موتها.

وعندما يلاحظ المزارع أن الدالية ضعفت وبدأت أوراقها تصفر وتصغر، كان بعض الفلاحين يفسرون ذلك بأن الأرض أصبحت «خفيفة» وأن الجذور تميل إلى الخروج نحو السطح.

وفي هذه الحالة، يتذكر طه أنهم كانوا يضعون حجارة كبيرة وثقيلة حول الدالية، أو يستخدمون «شدادات» قماشية فوق الجذر، بهدف دفعه إلى الغوص في التربة وتثبيته فيها.

وظلت هذه الأساليب موجودة حتى التسعينيات لدى بعض المزارعين.

وفي الثمانينيات، بدأ بعضهم بإضافة «برادة الحديد» إلى التربة حول الدوالي، قبل أن ينتشر استخدام المغذيات الكيماوية الغنية بالحديد، بهدف زيادة اخضرار الأوراق، إلى جانب تحسين حجم العناقيد وثقلها.

وتشارك النساء والفتيات أيضًا في خدمة الكروم، فبعد الحراثة اليدوية ينزلن إلى الأرض لنزع الأعشاب الضارة التي تمتد تحت التربة وتنافس الدالية على الماء والغذاء وتحجب عنها جزءًا من الشمس.

ومن أكثر هذه الأعشاب حضورًا في ذاكرة المزارعين عشبة «الرَّزين»، التي يصفونها بأنها من الأعشاب «النجيلية» الشديدة المنافسة للدالية.

وكانت الأعشاب المقتلعة تجمع في أكوام أمام الكرم، ثم تستخدم طعامًا للدواب.

«الزبل» و«العمارة» والسماد «الإفرنجي»

يعتمد المزارعون على السماد البلدي الناتج عن روث الأبقار والأغنام.

ويسمى الروث محليًا بـ «الزبل» عندما يكون تحت الدواب، ثم يسمى «العمارة» عندما ينقل ويوزع في الأرض، وكان يستخدم في أوقات مختلفة من السنة لتخصيب التربة وتحسين إنتاجها.

أما السماد الكيماوي، الذي عرف محليًا أيضًا باسم «الإفرنجي»، فيضاف عادة في أثناء عملية «تكبيس» الدوالي في الربيع، ثم تسقى الأرض مباشرة كي يذوب السماد ويصل إلى الجذور.

من العُقلة إلى «النصبة»

يبدأ إكثار الدوالي تقليديًا في شباط، قبل تفتح البراعم أو «العيون».

بعد الزبارة (التقليم)، ينتخب المزارع أعوادًا قوية ومستقيمة من الأغصان المقلمة، ويقصها بطول مناسب، ثم يغرسها في الأرض أو في «تنكات» (صفائح معدنية) مملوءة بالتراب.

وتسقى باستمرار حتى تبدأ بالتبرعم وتشكيل «الشلش»، أي الجذور.

وتسمى الدوالي في هذه المرحلة «النصوب»، وبعد أن تقوى تنقل إلى الأرض الدائمة، حيث تستمر في النمو حتى تتحول إلى دوالي أو عرايش منتجة.

«الزبارة».. حرفة وليست مجرد قص

تُجرى «الزبارة»، أي التقليم، عادة خلال شباط وآذار، وتعد من أهم مراحل خدمة الدالية.

ولا ينظر إليها المزارعون كعمل يستطيع أي شخص القيام به، بل كحرفة تحتاج إلى خبرة ومعرفة بنمو كل دالية.

ويشرح خشفة أن المزارع يزيل الأغصان الضعيفة واليابسة، ويبقي على عدد محدود من الأقلام، بينها القديم والجديد.

ويكون القلم الجديد هو الأساس الذي يعتمد عليه للإثمار في الموسم التالي، ويحرص المزارع على أن يكون في نهاية الذراع المختارة لأن المحصول يتكون عليه.

أما الأغصان الخارجة مباشرة من الجذع الرئيس، فتزال عندما تعطي نموًا خضريًا وورقًا أكثر من الثمر.

ويضيف طه أن المزارع الخبير يترك على القلم نحو ثلاث «عيون» بصورة مريحة ومتباعدة، ويزيل ما عداها، حتى يحصل النمو والعناقيد على مساحة وغذاء كافيين.

«التحمير» بالزفت

بعد الزبارة، استخدم المزارعون في فترة من القرن الماضي طريقة تقليدية لحماية الدوالي عرفت باسم «التحمير».

ويتذكر طه انتشارها منذ نحو عام 1955.

كان الزفت يُطبخ مع «عكر الزيت» بعد غليهما معًا، ثم يستخدم الخليط في طلاء أجزاء من الأغصان والبراعم، وكانت النساء تشارك أيضًا في عملية الطلاء.

ويشرح طه أن الهدف كان تغليف البرعم وحمايته من دودة سوداء صغيرة تظهر مع بداية الربيع وتهاجم الورقة الغضة.

واستمرت هذه الطريقة لدى المزارعين حتى الثمانينيات تقريبًا، قبل أن يحل محلها استخدام الكبريت والمبيدات الزراعية الحديثة التي وفرتها الجمعيات الفلاحية.

من الغمر إلى الآبار والتنقيط

تغيرت طرق ري الكروم ومصادر المياه في داريا على مراحل.

في السابق، اعتمد الفلاحون على «تسييح» المياه أو الغمر، وكانت الدوالي تسقى في الظروف العادية مرة كل نحو 12 يومًا، بينما تقصر المدة إلى نحو ستة أيام في ذروة الصيف، ولا سيما خلال تموز وآب.

ويرى خشفة أن نظام الغمر كان يشبع التربة ويوصل المياه إلى الجذور العميقة، وهو ما يفسر، برأيه، قوة بعض الدوالي القديمة وطول عمرها.

ويتحدث عن دوالي معمرة كانت تستمر في الإنتاج أجيالًا، ويقول إن بعضها كان يقال إنه يبلغ نحو مئتي عام، حتى يصبح ساق الدالية غليظًا كجذع شجرة كبيرة.

أما طه، فيميز بين قدرة الدالية على البقاء وعمرها الاقتصادي المنتج، ويقدر متوسط العمر الذي تحتفظ فيه العريشة بإنتاج جيد بنحو 25 عامًا، قبل أن تبدأ التربة والمحصول بالتراجع وتصبح عملية التجديد أو إراحة الأرض أكثر جدوى.

وبدأ الري بالتنقيط بالانتشار في التسعينيات، واتسع استخدامه في مطلع الألفية الثالثة.

ويرى خشفة أن الدالية لا تحصل مع التنقيط على الكمية نفسها من المياه التي كانت تصل إلى جذورها عند الغمر.

أما طه، فيضع بداية الشح المائي الواضح في أواخر الثمانينيات، حين تراجعت مياه الأنهار وجفت قنوات، وأصبح السقي يعتمد بصورة متزايدة على الآبار الارتوازية والديزل والغطاسات.

ويتذكر أن الكرم الذي كان يمكن ريه من القناة خلال ساعتين، صار يحتاج عند الاعتماد على الآبار إلى عمل وكلفة قد يمتدان أربعة أو خمسة أيام.

وتفاقمت هذه المشكلات لاحقًا بفعل الحرب، التي أدت إلى تدمير وقطع وتجريف مساحات واسعة من الدوالي والبساتين في مناطق مختلفة من داريا، إضافة إلى تعطل مصادر المياه وصعوبة الوصول إلى الأراضي.

أمراض العنب والآفات

تتعرض كروم العنب في داريا، كغيرها من البساتين، إلى أمراض وحشرات مختلفة، وتتطلب مكافحتها متابعة مستمرة.

يتذكر خشفة أن رشة واحدة من المبيدات في بداية الموسم كانت تكفي في مراحل سابقة لحماية المحصول في كثير من الحالات، بينما أصبحت الحاجة إلى المكافحة أكبر في العقود الأخيرة، وقد يصل الرش إلى مرة كل 15 يومًا.

ويرى أن بعض المبيدات المستخدمة حاليًا لا تعطي الفاعلية نفسها التي عرفها من المواد القديمة.

ويشير إلى أن الآفات لم تعد، بحسب ملاحظته، تقتصر على العنب، بل طالت أيضًا الجوز بصورة كبيرة، ثم التفاح والإجاص والزيتون والرمان، ولا سيما في البساتين التي تغيب عنها المكافحة المنتظمة.

ومن الأمراض المعروفة محليًا «الرمد»، الذي يؤدي إلى اسوداد العنقود وتلف الحبات وتراجع قيمته التسويقية.

وللتقليل من الإصابة، يزيل المزارعون جزءًا من الأوراق المحيطة بالعنقود لتحسين التهوية ووصول الشمس إليه، إذ يعدون سوء التهوية من أسباب ازدياد التلف.

كما يتحدث المزارعون عن دودة تهاجم العناقيد مع اقتراب النضج وتثقب الحبات، ولذلك كانت المبيدات ترش قبل هذه المرحلة، وقد يعاد الرش بعد نحو شهر عند الحاجة.

ويتذكر خشفة أنه حتى مطلع الألفية الثالثة كان المزارعون ينتظرون فترة أمان تقارب 14 يومًا بعد الرش قبل أكل العنب أو قطاف الورق.

وينتقد ممارسات يقول إن بعض الناس يقطفون فيها المحصول بعد أربعة أيام فقط من الرش.

كما يقول إن الرش كان يتوقف قديمًا بصورة صارمة قبل «عيد الصليب» في أيلول، ليترك العنب بعد ذلك حتى يكمل نضجه الطبيعي.

العريشة وأدوات الفلاح

بعد غرس «النصبة» الصغيرة، يوضع إلى جانبها عمود خشبي كي تتسلق عليه حتى تصل إلى ارتفاع العريشة الخشبية أو المعدنية.

وعندما تبلغ المستوى المطلوب، يبدأ المزارع بتوجيه الأغصان وربطها في ثلاثة أو أربعة اتجاهات متوازنة.

وفي كل اتجاه، بحسب طه، تكون هناك ربطة تضم ثلاثة أو أربعة «عيون» لتشكل هيكل النمو الجديد.

ويظل «مقص الزبارة» من أهم أدوات الفلاح، ويحمله معه عند دخوله الكرم لقص الأغصان الضعيفة وتعديل نمو الدالية.

ويستخدم إلى جانبه المنشار اليدوي للأفرع الكبيرة واليابسة، والخيوط والأربطة البلاستيكية لتثبيت الأغصان على العريشة.

ومن الأدوات أيضًا «السلّم»، وهو سلم خشبي صغير للوصول إلى العناقيد المرتفعة تحت العريشة.

ويتذكر طه سلمًا من ثلاث درجات، يقوم على ثلاثة أعمدة بشكل هرم، ويبلغ ارتفاعه نحو 60 سنتيمترًا، وهو ارتفاع يسمح للعامل بالوصول إلى العناقيد والعمل من دون إجهاد أو حاجة إلى سلم كبير.

من الكرم إلى مؤونة البيت

لم تتوقف أهمية العنب عند بيعه طازجًا، بل قامت حوله صناعات منزلية جعلت معظم أجزاء المحصول قابلة للاستخدام والتخزين.

وبينما تراجعت هذه الصناعات مقارنة بالماضي، ما تزال طرقها ومصطلحاتها معروفة، وبعضها ما يزال يمارس.

الدبس والخل

يصنع الدبس من أكثر من صنف، ويذكر المزارعون الأحمر والزيني والدربلي من بين الأنواع المناسبة له.

أما الخل، فيصنع أيضًا من «الملت».

وتجمع الثمار المخصصة له في براميل خشبية وتغمر وتترك لتتخمر بصورة طبيعية حتى تتحول إلى خل يستخدم في الطعام.

عصير الحصرم

يستخرج الحصرم من أصناف العنب الأحمر والأسود قبل تمام نضجها، حين تكون الحبات ما تزال حامضة.

وتعصر الحبات ويحفظ العصير لاستخدامه في السلطات والفتوش والطبخ، كما يشرب طازجًا بوصفه عصيرًا حامضًا ومنعشًا خلال الصيف.

صناعة الزبيب

تقوم الطريقة التقليدية لصناعة الزبيب على غمس عناقيد العنب في محلول من الماء الساخن والزيت، ثم فردها على مساحات مخصصة تحت أشعة الشمس المباشرة حتى تجف تمامًا.

ويذكر طه وخشفة الأحمر والدربلي والزيني من الأصناف التي تستخدم في صناعة الزبيب.

«الملت».. لا شيء يضيع

يحمل مصطلح «الملت» معنى خاصًا في موسم العنب.

عند تجهيز المحصول للسوق أو التصدير، تظهر عناقيد فيها حبات مضروبة أو مصفرة أو نقرها الدبور، فيجلس العمال لـ«تمليتها»، أي قص الحبات المعيبة والمضروبة بالمقص.

ولا تُرمى هذه الحبات، بل تجمع لتفرد تحت الشمس وتصنع منها كميات من الزبيب، أو تعصر للدبس، أو تستخدم في صناعة الخل.

وبذلك لا يضيع من المحصول إلا القليل.

مؤونة ورق العنب

اشتهرت بيوت داريا أيضًا بتخزين ورق العنب للمؤونة الشتوية.

ترتب الأوراق طازجة في حزم وطبقات متتالية، ويضاف إليها الماء والملح بنسب يضبطها أهل البيت حتى لا تفسد.

ويظل ورق «الزيني» من أكثر الأنواع قيمة وطلبًا بسبب طراوته وجودته في إعداد «اليبرق».

ويقول خشفة إن صناعات الدبس والزبيب والخل وعصر العنب وحفظ الورق كانت منتشرة قديمًا في معظم بيوت داريا تقريبًا، إلى درجة أنه كان من غير المعتاد أن يخلو بيت من شكل من أشكال تصنيع المحصول.

وتراجعت هذه الصناعات المنزلية داخل المدينة في العقود الأخيرة، وإن بقي بعضها موجودًا واستمرت ممارسات مشابهة في مناطق أخرى.

موسم يمتد نحو ثلاثة أشهر

يصف المزارعون موسم القطاف بأنه كان من أهم مواسم السنة في داريا، إذ يستمر قرابة ثلاثة أشهر بحسب الأصناف ومواعيد نضجها.

وتتحول الكروم خلال هذه الفترة إلى ورشات عمل عائلية وجماعية يشارك فيها الرجال والنساء والأبناء، بين القطاف والفرز والتنظيف والتوضيب والنقل.

ويختلف توقيت القطاف بحسب وجهة المحصول.

العنب المخصص للتصدير الخارجي يقطف صباحًا، عادة بين الثامنة والثانية عشرة، حتى يتم توضيبه وتبريده وإرساله في اليوم نفسه.

أما محصول سوق الهال في دمشق، فتبدأ تعبئته قبل العصر، وتجهز الصناديق مساء، ثم تنقل في الصباح الباكر إلى السوق.

«الوجه» و«الساف»

لا يتولى الشخص الذي يقطف العناقيد من العريشة بالضرورة مهمة توضيبها في الصناديق.

يجلس عامل أكثر خبرة على الأرض لصف العنب داخل «السحارة»، ويختار أجود العناقيد وأجملها ليضعها في «الوجه»، أي الطبقة الظاهرة من الصندوق.

ثم يرتب «الساف»، أي طبقة العنب داخل السحارة، بعناية، ويستخدم أوراق الدوالي الطازجة للفصل بين العناقيد وحمايتها من الضغط والاحتكاك.

وفي المواسم الكبيرة يمتد العمل أحيانًا إلى الليل، وتختلط أجواء القطاف والتوضيب بالغناء والإنشاد والشعر الشعبي.

ويتناول العمال طعام الغداء في ظلال الكروم، ويتذكر المزارعون أنه في التسعينيات أصبح بائع «البوظة» يمر بسيارته أو عربته بين البساتين ليبيع المثلجات للعمال خلال حر الصيف.

من سحارة بـ80 كيلوغرامًا إلى صندوق بأربعة

تغير شكل تعبئة العنب كثيرًا خلال العقود الماضية.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت تستخدم سحاحير خشبية ضخمة، يصل وزن الواحدة منها وهي محملة إلى نحو 80 كيلوغرامًا، ويبلغ ارتفاعها نحو 40 سنتيمترًا.

وكانت تنقل على ظهور الحمير أو بواسطة «الطنبر» إلى سوق الهال، في فترة كان انتشار السيارات فيها محدودًا.

ولأن جزءًا من الوزن يعود إلى السحارة الخشبية وأوراق الدوالي المستخدمة في التوضيب، كان البيع يتم وفق «الوزن الصافي» بعد خصم وزن الصندوق الفارغ ومواد التوضيب.

ثم تقلص حجم السحاحير تدريجيًا، وأصبحت تستوعب نحو 20 أو 25 كيلوغرامًا.

ومع توسع التصدير، انتشرت الصناديق البلاستيكية الصغيرة المخصصة للشحن، وبعضها لا تتجاوز سعته أربعة كيلوغرامات، وتغطى بأوراق الدوالي قبل إرسالها برًا أو جوًا إلى أسواق خارجية، منها الكويت ومصر.

باب السريجة وسوق الهال

ارتبط تسويق عنب داريا طويلًا بسوق الهال القديم ومنطقة باب السريجة في دمشق.

ينقل الفلاح محصوله إلى «المعلم» أو «المتعيش»، الذي يتولى عرض السحاحير في المزاد بين التجار والمشترين.

ويتذكر طه أن السوق كان يعمل منذ ساعات الصباح الباكر حتى منتصف الليل.

وبحسب ذاكرته، تراوح سعر كيلو العنب في بعض فترات الخمسينيات بين أربعة وستة فرنكات، وقد يصل إلى ربع ليرة، في حين كان الوصول إلى نصف ليرة للكيلو يعد سعرًا مرتفعًا ومربحًا جدًا في ذلك الوقت.

لكل صنف سوقه

لا تتجه أصناف العنب إلى المشترين أنفسهم.

فالأصناف البيضاء، مثل البلدي والحلواني والزيني، كانت تذهب بصورة أكبر إلى موائد الاستهلاك المباشر والضيافة والمناسبات، وإلى تجار المفرق والتصدير.

أما الكميات الكبيرة من الأحمر والأسود، فيقول طه إن تجارًا متخصصين كانوا يشترونها من سوق الهال للمعاصر وصناعة المشروبات الكحولية.

وتدخل أصناف أخرى في صناعة الدبس والزبيب والحصرم والخل، وهو ما منح المحصول استخدامات وأسواقًا تتجاوز البيع كفاكهة طازجة.

الفلاح يعمل عامًا والتاجر يشتري جاهزًا

يرى خشفة أن المستفيد الأكبر من تجارة العنب لم يكن الفلاح بالضرورة.

فالمزارع يعمل طوال العام ويتحمل أجور الحراثة والري والسماد والمبيدات والعمال والنقل وعمولة الدلال، بينما يشتري التاجر المحصول جاهزًا ويعيد بيعه بهامش ربح أقل مخاطرة.

ومع ارتفاع أسعار المستلزمات في السنوات الأخيرة، تقلص هامش الربح أكثر.

ويضرب خشفة مثالًا بوصول سعر صندوق التعبئة الفارغ في مرحلة حديثة إلى نحو عشرة آلاف ليرة سورية، ما قد يجعل ربح الفلاح محدودًا جدًا أو معدومًا في بعض المواسم.

عندما خرجت «العريشة» من داريا

مع تقلص المساحات وشح المياه، نقل عدد من فلاحي داريا خبرتهم إلى مناطق أخرى بدل التخلي عن زراعة العنب.

يقول خشفة إن زراعة العنب انتقلت منذ الثمانينيات من داريا إلى مناطق في حوران.

أما طه، فيوسع الصورة، ويقول إنه مع ضيق الأراضي وقلة المياه في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، اتجه مزارعون من داريا إلى أراض في الريف الغربي لدمشق، منها دروشا والعباسية وكوكب وبئر العجم ومشارف القنيطرة، قبل أن تتوسع استثماراتهم لاحقًا في محافظة درعا.

وفي هذه المناطق، أقاموا مشاريع عرائش جديدة مستخدمين الخبرة التي راكموها في داريا في إنشاء العريشة والزبارة والري والخدمة والتوضيب.

ويرى طه أن هذه المشاريع نقلت معها اسم العنب الداراني وخبرته وجودته، لكنه يعتقد في الوقت نفسه أن العنب المقطوف من أرض داريا يحتفظ بنكهة خاصة مرتبطة بالتربة والمياه والظروف المحلية، حتى عندما تزرع «البذرة» أو الصنف نفسه في منطقة أخرى.

البلدة التي تفاخر بعنبها

لا تقتصر شهرة داريا بالعنب على شهادة فلاحيها، إذ تظهر المدينة وعنبها في مقالات وكتب الأديب الدمشقي علي الطنطاوي، التي وصف فيها أكثر من مرة غوطة دمشق وقراها ومحاصيلها.

وفي إحدى مقالاته عن الغوطة في مجلة الرسالة، وصف داريا بأنها البلدة «التي تفاخر بعنبها كل عنب في الأرض»، كما كتب عنها: “يا قرية العنب الديراني الذي تباهي دمشق المدن بلونه وطعمه ونبل حبته وجلال عناقيده واتساع كرومه»، في وصف ينسجم مع ما يرويه فلاحو داريا عن المكانة التي احتلها المحصول في أسواق دمشق وفي حياة المدينة الزراعية.

ويعود الطنطاوي في الجزء الثاني من كتاب «ذكريات» إلى تنوع العنب في الشام، مستعيدًا معرضًا أُقيم في داريا، ويقول: «وآخر معرض أذكره في داريا في الغوطة الغربية عرض فيه مئة وسبعة أنواع من العنب»، ثم ينتقل في حديثه إلى كروم دوما بوصفها مركزًا واسعًا لزراعة العنب في الغوطة.

وتتقاطع هذه الإشارة مع شهادة وثقتها عنب بلدي مع الشيخ علي الشربجي، المولود في داريا عام 1928، الذي يتذكر معرضًا للعنب أُقيم قبل الجلاء، ويرجح أنه كان عام 1945، على أرض عُرفت باسم «دوكمة»، أو في المنطقة التي عُرفت لاحقًا بـ«المعلم»، عند بداية الخليج على طريق داريا- كفرسوسة.

وقال إن والده، خالد الشربجي، شارك في المعرض ضمن مساحة عرض بعرض مترين تقريبًا، ووضع فيها قطوفًا من العنب «الحلواني»، بينها عنقود يزيد طوله على 30 سنتيمترًا ويحمل حبات كبيرة، وحصل على جائزة في المعرض.

أصناف داريا ضمن تنوع سوري أوسع

تضع الأبحاث الزراعية الحديثة ما يرويه فلاحو داريا ضمن تاريخ أوسع للكرمة في سوريا.

في دراسة علمية منشورة في مجلة Genetic Resources and Crop Evolution عام 2017 تشير إلى أن زراعة العنب في سوريا تمتد إلى أكثر من خمسة آلاف عام، وأن البلاد تمتلك موارد وراثية محلية مهمة من أصناف الكرمة تستحق الحفظ والدراسة.

وأُجريت الدراسة على عشرة أصناف مستخدمة لعنب المائدة والزبيب، ثمانية منها محلية سورية، ومحفوظة ضمن مجموعة الكرمة في محطة جلين التابعة لـ«أكساد» جنوب سوريا.

ومن بين الأسماء التي تناولتها الدراسة «البلدي» و«الزيني» و«الحلواني»، ودرس الباحثون 42 صفة مرتبطة بالنبات والأوراق والعناقيد والحبات والعصير.

وأظهرت النتائج فروقًا واضحة بين الأصناف في عدد من الصفات، من بينها وزن الحبة واستطالتها ووزن البذور وحموضة العصير، وهو ما ينسجم مع الطريقة التي يميز بها مزارعو داريا بين أصنافهم من شكل الحبة والعنقود والطعم.

وتقدم دراسة أخرى أُجريت في محافظة السويداء خلال عامي 2014 و2015 على 17 صنفًا محليًا قديمًا دليلًا إضافيًا على هذا التنوع، وهي دراسة مفهرسة في «النظام الدولي للمعلومات في العلوم والتكنولوجيا الزراعية» (AGRIS)، التابع لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).

واعتمد الباحثون على 45 صفة مورفولوجية وزراعية، إلى جانب واسمات جزيئية من نوع SSR، وأظهرت النتائج تنوعًا مرتفعًا بين الأصناف المدروسة.

ومن بين هذه الأصناف أسماء يعرفها مزارعو داريا أيضًا، منها «الزيني» و«الدربلي» و«الأحمر الدوماني»، إلى جانب أصناف محلية أخرى.

وأظهرت الدراسة تميز «الدربلي» عن عدد من الأصناف في بعض الصفات المورفولوجية، فيما سجل «الزيني» أعلى درجة من التشابه الجيني، ضمن الأصناف التي شملتها الدراسة، مع صنف «الخضري».

زراعة باقية.. بمساحات أقل

لم تختف زراعة العنب من داريا، لكنها لم تعد بالحجم الذي عرفته المدينة في عقود سابقة.

تقلصت المساحات، وجفت أو تراجعت مصادر مياه قديمة، وارتفعت تكاليف الري والأسمدة والمبيدات والعمالة، بينما فقدت المدينة خلال الحرب جزءًا واسعًا من كرومها وبساتينها.

ومع ذلك، ما تزال الدوالي والعرايش موجودة، وما تزال أسماء البلدي والزيني والحلواني والأحمر والإفرنجي والدربلي متداولة بين المزارعين، كما تستمر الزبارة والقطاف وتصنيع بعض منتجات العنب، وإن بدرجات أقل من السابق.

وتعطي الدراسات الزراعية الحديثة لهذه الأسماء بعدًا آخر، إذ تظهر أن الأصناف المحلية السورية تحمل تنوعًا وراثيًا وشكليًا واسعًا، وأن الحفاظ عليها يتجاوز القيمة التجارية المباشرة إلى حفظ مورد وراثي زراعي تراكم عبر أجيال.

وقبل هذه الدراسات بعقود، كان علي الطنطاوي يربط داريا بـ«العنب الفاخر»، بينما يحتفظ علي الشربجي بصورة والده وهو يعرض الحلواني في معرض العنب أواخر الأربعينيات ويحصل على جائزة، ويحفظ سعيد خشفة وإبراهيم طه أسماء الدوالي وطرق زبارتها وريها وقطافها وما يصنع من ثمارها وورقها.

وبين القنوات التي كانت تسقي الكروم، والآبار التي حلت مكان قسم منها، والسحاحير الكبيرة التي حملت المحصول إلى سوق الهال، وصناديق التصدير الصغيرة التي خرجت لاحقًا إلى أسواق خارج سوريا، تغيرت طرق زراعة العنب وتسويقه وتقلصت مساحة الكروم، لكن «الدالية» بقيت جزءًا من صورة داريا.

فالعنب في المدينة ما يزال محصولًا يزرع ويباع، لكنه في الوقت نفسه ذاكرة زراعية واجتماعية، وخبرة انتقلت بين الأسر والمناطق، وإرثًا بقي مرتبطًا باسم داريا حتى بعدما أصبح حضور الكروم فيها أقل مما عرفته أجيال فلاحيها السابقة.

مقالات ذات صلة

من البساتين إلى الكتل الإسمنتية.. كيف أعادت مخططات التنظيم رسم داريا

بعدسة «أبو عبدو».. كيف تغيرت أعراس داريا في أربعة عقود

من «النقد» إلى «يوم الصمد».. كيف كان يكتمل «جهاز العروس» في داريا