من الطفولة إلى قرارات العمر.. سيدات من داريا يتحدثن عن أثر السيطرة الأسرية في حياتهن

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي (عنب بلدي)

لا تقتصر آثار التربية داخل الأسرة على سنوات الطفولة، بل قد تمتد إلى الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه، وإلى قراراته في الدراسة والعمل والزواج والعلاقات لاحقًا.

وبينما تختلف تجارب العائلات، تكشف شهادتان لامرأتين من داريا ومحيطها كيف أسهمت السيطرة داخل الأسرة في رسم ملامح الهوية منذ السنوات الأولى، وكيف بقي أثر تلك التجارب حاضرًا في ملامح هويتهما والقرارات التي اتخذتاها لاحقًا.

استخدمت عنب بلدي أسماء مستعارة لحماية هوية المرأتين، نظرًا لحساسية الشهادات الواردة في التقرير.

هوية بدأت تتشكل منذ الطفولة

تقول ريم (اسم مستعار)، وهي في الرابعة والثلاثين من عمرها، إن قصتها بدأت منذ ولادتها، حين كانت العائلة تنتظر مولودًا ذكرًا.

وتروي أن شقيقها الأكبر بقي طوال ليلة الولادة بانتظار أخ، وعندما علم أن المولود فتاة، غطى رأسه ورفض رؤيتها.

وتضيف لعنب بلدي أن تلك البداية انعكست على طفولتها، إذ نشأت وهي تعامل معاملة الصبي، حتى أصبحت ترفض كل ما يرتبط بالأنوثة.

ففي الصف الأول الابتدائي، اختارت لنفسها اسمًا ذكوريًا، وأصرت على أن يناديها الجميع به، قبل أن يعرفها سكان الحي باسم “حسن صبي” بسبب قصة شعرها، وملابسها، وطريقة تصرفها.

وتقول إنها كانت ترى أن معاملة الفتيات تعني الانتقاص من قيمتهن، لذلك رفضت أي سلوك يصنفها كأنثى.

وفي تجربة مختلفة، تروي سارة (اسم مستعار)، وهي في الثانية والعشرين من عمرها، أنها نشأت في منطقة ريفية بعيدة عن مركز مدينة داريا، حيث فرض والدها على الأسرة نمطًا من العزلة منذ سنواتها الأولى.

وتقول لعنب بلدي إن والدها كان يتعمد السكن في أماكن بعيدة حتى تبقى بناته بعيدات عن المجتمع، وكان يرفض منحهن أي مساحة للاستقلال، حتى في اختيار الأسماء، إذ أصر على أسماء قديمة، ورفض أي اسم حديث.

وتضيف أن شعورها بالعزلة بدأ منذ الطفولة، لأنها لم تعرف المدينة إلا من خلال الرحلات القليلة التي كانت تقوم بها مع والدها.

الأسرة ترسم حدود الهوية

مع دخولها مرحلة الدراسة، تقول ريم إن طريقة تعامل الأسرة معها تغيرت.

فبعد أن كان يتم تشجيعها على التشبه بالصبيان، أصبح شقيقها الأصغر أكثر تشددًا، فمنعها من قص شعرها، ثم أجبرها في الصف الثامن على ارتداء الحجاب، رغم رفضها لذلك.

وتضيف أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ فرض عليها في الصف العاشر ارتداء “المانطو”، مؤكدة أنها لم تكن تشعر بأنها صاحبة القرار في أي مما يتعلق بمظهرها أو حياتها.

أما سارة، فتقول إن القيود كانت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، فلم يكن يسمح لها أو لشقيقتيها بالخروج بمفردهن، أو زيارة الصديقات، أو استقبالهن في المنزل، كما كانت الرقابة تشمل حتى نوع الملابس التي يرتدينها منذ الطفولة.

وتروي أنها كانت تلجأ أحيانًا إلى زيارة خالتها أو جدها خفية، بسبب شعورها بالضيق من العزلة المستمرة داخل المنزل.

السيطرة على القرارات

لم تقتصر القيود، بحسب الشهادتين، على اللباس أو الحركة، بل امتدت إلى القرارات الشخصية التي تركت أثرها في حياتهما لاحقًا.

ريم تقول إن شقيقها كان يحدد لها طريقة اللباس والخروج والزيارات، رغم وجود والدها، الذي تصفه بأنه لم يكن يمتلك سلطة فعلية داخل المنزل، بينما كانت والدتها تحاول الدفاع عنها.

وتضيف أنها كانت ممنوعة حتى من زيارة صديقاتها اللواتي يسكنّ بالقرب منها، وتعرضت للضرب في بعض الأحيان، من دون أن تشعر بوجود شخص يحميها.

وتقول إنها لم تكن ترى نفسها مخطئة، لأنها لم تمنح أصلًا مساحة لتتعلم الفرق بين الخطأ والصواب، بل كانت تحاول باستمرار إرضاء عائلتها والتكيف مع ما يطلب منها.

أما سارة، فتقول إن التدخل وصل إلى مستقبلها الدراسي، فعندما أنهت المرحلة الإعدادية، أخبرها والدها بأنها إذا لم تدخل كلية الطب فستبقى في المنزل، ما دفعها إلى اختيار الفرع العلمي رغم عدم رغبتها.

لكن معدلها لم يكن كافيًا لدراسة الطب، ورغم إمكانية التسجيل في اختصاص جامعي آخر، رفض والدها تسجيلها في الجامعة، لتنتهي رحلتها التعليمية عند الثانوية.

ما تركته الطفولة في القرارات اللاحقة

تقول ريم إن اعتقال شقيقها لاحقًا واختفاءه دفعها إلى تحمل مسؤوليات المنزل في غياب الأب، لكنها لم تستطع تغيير الصورة التي تشكلت لديها عن معنى الرجولة.

وتضيف أنها كانت تقارن نفسها بصديقاتها اللواتي وجدن في آبائهن وإخوتهن مصدر حماية، بينما ارتبطت الرجولة في تجربتها الشخصية بممارسة السلطة أكثر من ارتباطها بالأمان.

وتؤكد أنها لم تتزوج حتى اليوم، لأنها لم ترَ في حياتها نموذجًا لرجل يمنحها الشعور بالأمان.

وتعمل حاليًا، ويشيد المحيطون بها بأخلاقها وشهامتها، التي تصفها بأنها “ذكورية مكتسبة” من طريقة تربيتها، لكنها تخشى أن تنتقل آثار تلك التجربة إلى أبنائها مستقبلًا إذا أصبحت أمًا.

أما سارة، فتقول إنها اعتقدت أن الزواج سيكون بداية حياة مختلفة، لكنها اكتشفت أن السلطة انتقلت فقط من الأب إلى الزوج، مشيرة إلى أن عمها أيضًا كان يتدخل في قراراتها قبل الزواج.

وتختم حديثها بالقول إنها لم تعش يومًا كما أرادت، وأكثر ما تخشاه اليوم أن تجد ابنتها نفسها، في المستقبل، أمام التجربة ذاتها التي عاشتها هي.

كيف ترسم الأسرة ملامح الهوية؟

ترى خبيرة علم النفس مرح صبح أن السنوات الأولى من عمر الطفل تشكل الأساس الذي يبني عليه صورته عن نفسه وعن الآخرين، إذ تؤدي الأسرة دورًا محوريًا في ترسيخ مفهوم الهوية من خلال الرسائل اليومية التي يتلقاها الطفل حول ما هو مقبول أو مرفوض، وما ينتظره المحيط منه، وكيف ينبغي أن يتصرف داخل الأسرة والمجتمع.

وتوضح لعنب بلدي أن هذه الرسائل لا تتوقف آثارها عند مرحلة الطفولة، بل قد ترافق الإنسان في مراحل لاحقة من حياته، لتؤثر في ثقته بنفسه، وطريقة تعامله مع الآخرين، والقرارات التي يتخذها في الدراسة والعمل والعلاقات الشخصية.

وتضيف أن بعض البيئات الأسرية قد تمنح أبناءها شعورًا بالانتماء والاستقرار، إلا أن هذا الشعور قد يتحول إلى عبء عندما ترتبط قيمة الفرد بمدى التزامه بتوقعات الأسرة أو المجتمع أكثر من ارتباطها بقناعاته ورغباته الشخصية.

وتشير إلى أن هذا النمط يظهر بصورة أوضح لدى كثير من النساء، نتيجة الرسائل المتكررة التي يتلقينها منذ الصغر حول اللباس والسلوك والطاعة وإرضاء الآخرين، ما قد يدفع بعضهن إلى بناء صورتهن عن أنفسهن انطلاقًا من نظرة المحيط إليهن، لا من إدراكهن لذواتهن.

وتوضح أن استمرار السيطرة على تفاصيل الحياة اليومية، سواء في اختيار الملابس أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية، قد ينعكس لاحقًا في ضعف الثقة بالنفس، وصعوبة اتخاذ القرار، والخوف من ارتكاب الخطأ أو مخالفة توقعات الأسرة، وهو ما قد يظهر في اختيارات مصيرية مثل التخصص الجامعي أو شريك الحياة أو حتى أسلوب تربية الأبناء.

بين الحماية والسيطرة

تؤكد الخبيرة صبح أن وجود قواعد داخل الأسرة أو حرص الوالدين على أبنائهما لا يمثل بحد ذاته مشكلة، وإنما يكمن الفارق في الطريقة التي تمارس بها السلطة داخل المنزل.

وتوضح أن الأسر التي توفر الاحتواء، إلى جانب مساحة مناسبة للاستقلالية، تساعد أبناءها على بناء هوية أكثر توازنًا، وثقة أكبر بالنفس، وقدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار، بينما قد تؤدي السيطرة المفرطة إلى اعتماد الفرد على الآخرين، والخوف من الفشل، وصعوبة التعبير عن الرأي أو رسم حدوده الشخصية.

وترى أن كثيرًا من المعتقدات التي يكتسبها الإنسان خلال طفولته ليست حقائق مطلقة، وإنما تصورات تشكلت داخل بيئة اجتماعية معينة، ويمكن مراجعتها مع مرور الوقت.

ولذلك يبدأ تجاوز آثار هذه التجارب بإعادة بناء العلاقة مع الذات، والتعرف إلى الرغبات الشخصية بعيدًا عن الضغوط الخارجية، وتعلم وضع الحدود، والتعبير عن الرأي، وطلب الدعم النفسي عند الحاجة.

وتشدد على أن الحفاظ على الهوية الشخصية لا يعني الدخول في صراع مع الأسرة أو المجتمع، بل إيجاد توازن يسمح للفرد بالتمسك بقيمه واختياراته مع احترام محيطه الاجتماعي، دون أن يفقد حقه في اتخاذ قراراته بنفسه.

أثر يمتد إلى ما بعد الطفولة

تعكس الشهادتان كيف يمكن أن تمتد آثار السيطرة داخل الأسرة إلى ما بعد سنوات الطفولة، لتؤثر في الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه، وفي قراراته المتعلقة بالدراسة والعمل والزواج وتكوين الأسرة.

ورغم اختلاف التجربتين، تلتقي المرأتان عند نقطة واحدة؛ فإحداهما ما زالت تبحث عن معنى مختلف للأمان بعدما ارتبطت السلطة في ذاكرتها بالخوف، فيما تخشى الأخرى أن تعيش ابنتها مستقبلًا التجربة ذاتها التي عاشتها هي.

وبين التجربتين، يبدو أن أثر التربية لا يقف عند حدود الماضي، بل قد يستمر في تشكيل الحاضر والمستقبل أيضًا، ما لم يراجع الفرد تلك التجارب ويعيد بناء علاقته بنفسه وبالآخرين على أسس أكثر توازنًا.

مقالات ذات صلة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

أطفال بلا تسجيل مدني في داريا.. حضور الصفوف لا يضمن وثيقة مدرسية

قرب وخدمات وعلاقات.. لماذا يستقر بعض أهالي كفرسوسة في داريا؟